يريدون أن نراه ردمًا، لكنّنا نراه بيتًا

أطلال بيت في قرية سُحماتا المهجّرة عام 1948 | عدسة أمير مخّول

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

"لا تفوّتوا حكايات الجدّات، لملموا ما يتناثر من ذاكرتهنّ المثقلة بالحكايات؛ فالحكايات حين تموت قد تموت إلى الأبد"، هذا ما تمنّت أن تصرخ به إلى العالم فتاة حجّي جابر في "لعبة المغزل". هذه اللعبة الّتي دارت رحاها في "دائرة الأرشفة"، الّتي أُنيطت بها مهمّة ملاءمة التوثيقات الّتي كُتبت حروفها بدماء أبطال التحرير الحقيقيّين، ليجري تغييرها ومن ثَمّ إتلافها وإحراق الأصل في ساحتهم الخلفيّة؛ ليُمَجَّد الرئيس الّذي لا منازع له في تاريخ أرتيريا.

صمَت الرجال المثقلون بالهزيمة؛ فصدمة الحكاية أخرست حكاياتهم، بينما الجدّات احتمين ودونما قصد بمتاريس التقاليد الّتي حاصرت صوتهنّ، فانطلق حين انهارت كلّ المتاريس؛ شاهدات على الحكاية وشاهدات على هزيمة الشعب وبنيته الاجتماعيّة.

وفي مآسي الشعوب والاقتلاع والتشريد، كثيرًا ما تكون ذوات المستضعفات والمستضعفين محميّة أكثر بضعفها، ولا تخجل من قصّة الهزيمة، بل ترويها كي تبني توازنات المهزومين، ولتنطلق منها قصّة التحرير.

 

أرشيفات لهندسة الذهنيّة

في بلادنا، وبخلاف أرتيريا، فإنّ مَنْ شوّهوا كلّ عناوين المكان لم يتلفوا أيّ وثيقة ولم يزوّروا أيّ نصّ، وإنّما فقط التاريخ والجغرافيا والحقّ! وسَعوا إلى إبقاء كلّ شيء في مكانه، باستثناء البيت وأهل البيت، مع تغييرات طفيفة بهدم خمسمئة وواحدة وثلاثين مدينة وقرية، وطرد الشعب وتشتيته. المهمّ أنّهم حفظوا الوثائق كما هي، لكن في أقبية أرشيف دولتهم الرهيب فلسطينيًّا والمعرفيّ إسرائيليًّا، ولأنّك عربيّ لا تجد إلّا ما يحرّرونه من فتات تاريخك. هكذا نغدو رهينة فلسفة الأرشفة وهندسة المعلومات الّتي تزوّدنا - إن أرادت مشيئتها - بقطعة من تاريخ دون سياق من التاريخ المشتّت كما هي حال الشعب، بينما تقع علينا مهمّة الغَزْل كي نبني من اللاسياق سياقًا. إنّه أرشيف استعمار تراكَم على أرشفة استعمار مهّدَ له.

أرشيفاتهم تحوي أرشيفاتنا وتفاصيل قصّتنا. في كلّ عدوان فتّشوا عن المكتبة والبيّنات المؤرشفة، وتعاملوا معها كغنائم حرب ذات أهمّيّة قصوى. يبدو أنّهم أدركوا أنّ مشكلتهم مع الرواية في أنّها يمكن اغتيالها، لكن بخلاف الإنسان لا يستطيع أيّ جيش إماتتها.

أرشيفاتهم تحوي أرشيفاتنا وتفاصيل قصّتنا. في كلّ عدوان فتّشوا عن المكتبة والبيّنات المؤرشفة، وتعاملوا معها كغنائم حرب ذات أهمّيّة قصوى. يبدو أنّهم أدركوا أنّ مشكلتهم مع الرواية في أنّها يمكن اغتيالها، لكن بخلاف الإنسان لا يستطيع أيّ جيش إماتتها. وفي وضعها في أقفاصهم دليل على اعترافهم باستحالة قتلها، لكن ظنًّا بتآكلها إذا ما ماتت الجدّات المثقَلات بالقصص، وغابت الأجيال الشاهدة على الحدث الأكبر في النكبة. هذا كان حلمهم، لكن أزمتهم في أنّه ليس حلمنا.

كانت غايتهم ولا تزال ذات رأسين، واحد لإخفاء كلّ الأرشيفات الفلسطينيّة عن أصحابها، والثاني كي يمتلكوا القصّة بكامل أطرافها، ومن ثَمّ يطوّعونها لأغراضهم. الأرشيف إيّاه ليس تجميع وثائق فحسب، بل هندسة ذهنيّة لقلب الآية لتغدو على أرض الواقع المقلوب: بان الباطل وزُهق الحقّ. وما لم ينجح به وفّرته سطوة الدولة، وسطوة القضاء والقانون الّذي يجعل الحاضر غائبًا، ويسطو على الأرض والبيت والأوقاف، وعلى كلّ ما هو رمز حياة، ويُهَوِّده، ولا يحقّ لأيّ مواطن الخروج على القانون، والقانون "سيفه بإيديه"؛ إنّه صكوك الغفران للمستعمِر، وهو للضحايا صكوك حرمان.

 

بصمات في موقع الجريمة

ثمّة ظاهرة تميّز الطغاة والمستعمِرين على السواء، وهي أنّه كلّما أمعنوا في إحكام قبضتهم، فقدوا الثقة بسطوتهم الّتي استخدموها للتوّ، وكلّما طمسوا الحقائق وهوّدوا المكان شعروا بأنّهم مكشوفون أكثر ومهدّدون أكثر، وكلّما تمادوا في تهويد البلاد أصبح هوس الديموغرافيا شبحًا يلاحقهم. بالإمكان عزو ذلك إلى خوف القاتل من عيون الضحيّة، وعندما يقتلها كما في عالم الجريمة يبقى مهتمًّا بمصيرها، ولا يدعها تفلت من سيطرته؛ لأنّه سيفقد سيطرته وثقته بها، ولا بدّ من أن يترك بصماته بالقرب من موقع ارتكاب الجريمة؛ فكيف يكون الأمر إذا كان كبر الموقع يعادل مساحة وطن وتعداد شعب!

البصمات في حالتنا قد تكون حجرًا من بيت مهدوم، أو شجرة زيتون أو رمّان أو برتقال، أو صنوبر ابن هذه البلاد، وليس من صنوبر "الكيرن كييمت" الّذي شوّه معالم الأصل...

البصمات في حالتنا قد تكون حجرًا من بيت مهدوم، أو شجرة زيتون أو رمّان أو برتقال، أو صنوبر ابن هذه البلاد، وليس من صنوبر "الكيرن كييمت" الّذي شوّه معالم الأصل، وسمّاق، وتين، ولا أنسى الصبّار الّذي يشبه الفلسطينيّ أو الفلسطينيّة، وهو الصابر على كلّ مظالم الحياة، ويسحرنا بعذوبة مذاقه وحلاوته، ذلك المذاق الآتي من الأرض المرتوية بمرارة نكبتها، كما أنّ البصمات محفورة في ذاكرة الألم، وفي ضمير الناس المؤتمن عليها.

 

هُزِم الشعب ولم تُهْزَم روايته

لست في صدد لوائح اتّهام للشعب، الّذي ككلّ الشعوب لا تنطبق عليه لوائح الاتّهام، حتّى لو هُزِم وخسر الوطن وبقي متمسّكًا بمفتاحه، وليست اتّهامًا لأحد، لا مؤسّسات قياديّة ولا نخب ثقافيّة؛ فالمسألة في جوهرها لا تخضع لمعايير التقصير، بل لموازين القوى وميزان العدالة والحقّ المطيع لها. بل إنّ الشعب الفلسطينيّ، وعلى الرغم من كلّ التراجعات والإخفاقات، فإنّ ما قالته الجدّات من قصص أصبح قصّة معيشة، وحضورها من حضور النكبة. قصّة "ألف ليلة وليلة" تزداد فصولها ليلة بعد ليلة، وغدت قصّة "تُحلّق في سماء فلسطين" وفي سماء العالم. إنّها قصّة الأجيال السالفة الّتي أعادت تماسك جدرانها، لتستفيق الأجيال الحاليّة على الدنيا وقد انتصر الشعب على روح الهزيمة، لتكون القصّة اليوم خارج حدود البكائيّات، وداخل حدود الفعل الشعبيّ نحو الحقّ واللاعودة عن العودة.

يحدث في قصص التاريخ القاسية أنّ مَنْ يُهزم تُهزم روايته، لكنّ الشعب الفلسطينيّ هُزم ولم تُهزم روايته. لقد نهضت وتجدّدت من تحت البيت المهدوم، ومن أعماق الأرض السليبة، ومن رحلة اللجوء وركام الحقّ، ومن غبار المهانة في واقع التشريد، ومن فوق الهزائم والنكسات.

الذاكرة ولّادة الرواية، هكذا وجدناها في "عائد إلى حيفا" (1969)، وفي "المتشائل" (1974)، وفي "أولاد الغيتو" (2016)، وغيرها الكثير الكثير من الرواية، المتواصلة على أكفّ الإبداع والتجديد.

 

انتفضت الرواية مع الانتفاضات، وانطلقت مع الانطلاقات، وقاومت مع المقاومة؛ تحرّرت بقوّة روح الشعب في مراحل النهضة التحرّريّة، وبقيت بعنفوانها في زمن تراجع الثورة، تستنفر الإرادة والوعي إن لم تستطع تحرير الحال.

الذاكرة ولّادة الرواية، هكذا وجدناها في "عائد إلى حيفا" (1969)، وفي "المتشائل" (1974)، وفي "أولاد الغيتو" (2016)، وغيرها الكثير الكثير من الرواية، المتواصلة على أكفّ الإبداع والتجديد.

 

نرى المستحيل حلمًا واعدًا

حين ماتت المثقَلات بحكايات النكبة، تنفّس أصحاب الأقبية الصعداء، أملًا في أنّ الشاهدة قد انتهت ومعها الشهادات؛ فأصرّوا على البيّنات، وعلى حضور الشاهدة المسموح لها ما تشاء، باستثناء الحضور إلى قصور العدالة؛ لأنّ الحضور في حدّ ذاته فيه تسلّل محظور، وعقابه الموت الفوريّ. لكنّهم فوجِئوا بحكاية لم تمت، بل غدت من ملاحم العذابات والهزيمة والصمود والمقاومة، وصخب الحزن والفرح، والسخرية والجدّيّة معًا، حيّة في وجدان أهلها على تعاقب الأجيال. أحيانًا، ومن شدّة شغفك وأنت تنصت إلى حكاية الجدّة أو الأمّ، تشعر كما لو كنت قد عشت في حيثيّات القصّة الّتي جرت قبل ولادتك بعشرات السنين.

القصّة الفلسطينيّة عن النكبة مبعث حيرة في أذهان صنّاع النكبة، إنّهم لا يقرؤونها نصوصًا وكلمات، بل يرون فيها ذاكرة مكان ووجدان تعزّز قوّة عودتها، ولا تخضع لمقاسات التقادم. وليس لأنّ المواثيق الدوليّة تنصّ هكذا فحسب، بل لأنّ روح الشعب لها قانونها غير المكتوب.

القصّة الفلسطينيّة عن النكبة مبعث حيرة في أذهان صنّاع النكبة، إنّهم لا يقرؤونها نصوصًا وكلمات، بل يرون فيها ذاكرة مكان ووجدان تعزّز قوّة عودتها، ولا تخضع لمقاسات التقادم.

 

لقد ظنّوا أنّهم نجحوا بسطوة القهر، وبإعلامهم وبمدرستهم وبقضائهم، وبحُكمهم العسكريّ الّذي انتهى وبقيت روحه مهيمنة، لكنّهم اكتشفوا أنّ كلّ ما أرادوا لنا أن نراه ردمًا فإنّنا نرى فيه بيتًا، ونرى الأيادي المجرمة، وآلة الهدم البشريّة، وما أرادوا أن نراه مواطنة نراه وطنًا، وما أرادوا لنا أن نحتفي به استقلالًا نراه نكبة، وما أرادوا لنا أن نراه مستحيلًا نرى فيه حلمنا الواعد، مهما طال الانتظار.

 

أهل القصّة أدرى بشعابها

أعتقد أنّ فلسطينيّ الأراضي المحتلّة عام 1948 (المعروفون بفلسطينيّي الداخل) محظوظون حسب الاعتبارات المنكوبة؛ فما يتمنّاه كلّ لاجئة وكلّ لاجئ من كلّ جيل، هو ملامسة الوطن، وأن يسيروا في دروب الذاكرة على أرض الذاكرة الحيّة، وهذا ليس مفاضلة بين حالات شعب الأجزاء، وإنّما هذا هو الألم الواحد المجروح، الّذي يزداد ألمًا يجمعنا إلى جانب الحلم الواحد.

إنّ مسيرة العودة السنويّة الّتي تنظّمها "اللجنة القطريّة للدفاع عن حقوق المهجَّرين"، والنهر البشريّ الصاخب وخاصّةً الشبابيّ الناشئ، تمثّل حالة اشتباك، بتعبير الراحل سلمان ناطور، وهي مسيرة حياة وحقّ واشتباك نكبتنا مع استقلالهم.

لغة الأرقام تظلم العذابات؛ إنّها لغة الجلّاد أكثر منها لغة الضحيّة، ويريدوننا أن ننشغل فيها لا في القصص، يريدوننا أن نستبدل بكلّ قصّة رقمًا...

إنّها مسيرة شعب، لا ترضى برواية قائمة على ارتفاع منسوب الأرقام على حساب عذابات القصّة، بينما هو لا يلعب بالأرقام حين يتحدّث عن أفراده، بل ينسج قصّة لكلّ اسم. لغة الأرقام تظلم العذابات؛ إنّها لغة الجلّاد أكثر منها لغة الضحيّة، ويريدوننا أن ننشغل فيها لا في القصص، يريدوننا أن نستبدل بكلّ قصّة رقمًا؛ وفي الأرقام تضيع الرواية. وكم من اسم لشهيدة أو شهيد، وقصّة وثمن، حوّلوها إلى أرقام في مقابر الأرقام، بينما احتفظوا بالقصّة في "دائرة الأرشفة"!

لن تموت القصّة؛ فهي من حياة الشعب، ويبقى أهل القصّة أدرى بشعابها.

 وفي انتصاف أيّار (مايو)، يتجدّد الحلم والأمل، وكلّ عام إلى العودة أقرب.

 

 


أمير مخّول

 

 

أسير سياسيّ محرّر. عمل قبل اعتقاله في السجون الإسرائيليّة مديرًا لـ "اتّجاه - اتّحاد الجمعيّات الأهليّة"، كما شغل منصب رئيس لجنة الحرّيّات المنبثقة عن لجنة المتابعة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948.

 

 

 

تعليقات Facebook