موجة ثانية... وفعل ثقافيّ فلسطينيّ يتحدّى كورونا

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في ظلّ الحديث عن موجة ثانية من الكورونا (Covid-19)، وتشديد الإجراءات المقيّدة مجدّدًا، وعلى نحو نسبيّ، في عدد من دول العالم، تستمرّ فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة في تسليط الضوء على مبادرات ثقافيّة وفنّيّة فلسطينيّة تخرج من قلب الحجْر وظروف التباعد الاجتماعيّ؛ ولا سيّما أنّ الحقل الثقافيّ لم يشهد انفراجةً على غرار مجالات حياتيّة أخرى، وما زال المشتغلون في هذا الحقل يعانون من تعطّل مشاريعهم وإنتاجاتهم، والانقطاع عن مؤسّساتهم والجمهور.

نتناول في هذا التقرير أربع مبادرات ثقافيّة وفنّيّة، تحدّت الحجْر المنزليّ بطرق مبتكرة، وهي من تنظيم أفراد ومؤسّسات أكاديميّة وأهليّة فلسطينيّة، تابعها الجمهور الفلسطينيّ والعربيّ عبر وسائل تواصل اجتماعيّ مختلفة، وكان أن تحدّثنا مع أصحابها: المؤرّخ جوني منصور (حيفا)، والمخرج المسرحيّ منير بكري، مدير قسم الثقافة في "المركز الجماهيريّ – البعنة"، إضافة إلى القسّ متري الراهب، رئيس "كلّيّة دار الكلمة الجامعيّة للفنون والثقافة" (بيت لحم)، والكاتبة والمستشارة التربويّة تغريد النجّار (عمّان).

 

استحضار حيفا

جوني منصور

من مدينة حيفا الساحليّة، نبدأ تقريرنا مع المؤرّخ الدكتور جوني منصور، صاحب "حيفا، الكلمة الّتي صارت مدينة"، الّذي قال لنا: "لم يكن من السهل عليّ تنظيم أموري وسط ظروف تفشّي جائحة الكورونا، علمًا أنّني على الصعيد الشخصيّ، أوجّه اهتمامي يوميًّا بقراءات متنوّعة وبوتيرة متفاوتة جرّاء انشغالاتي أيضًا بهموم الحياة اليوميّة. لكن في ظلّ الكورونا، كان لزامًا عليّ وضع برنامج يتناسب ومكوثي في البيت لفترة طويلة لم أعرف نهايتها؛ فهناك القراءات المؤجّلة لكتب اقتنيتها أو أُهديت إليّ عبر السنوات الأخيرة، فشرعت فيها لتعميق المعرفة بمحتواها، ولإبعاد شبح الخوف والتوتّر والفزع أيضًا، الّذي بثّته وسائل الإعلام المختلفة؛ فوسائل الإعلام برمّتها تجنّدت لمعالجة جائحة الكورونا، لكن بطرق أثارت فيّ تقزّزًا مثيرًا... فما رسالتها يا تُرى؟ أمساعدة المتلقّين ومؤازرتهم أم التماهي مع المؤسّسات الحاكمة، وترهيب الناس وتحويلهم إلى قطيع؟ لهذا قرّرت بعد أسبوعين من بداية الحجر ألّا أتابع التلفاز إلّا مرّتين في اليوم، لحاجة البقاء في الجوّ العامّ".

يضيف صاحب "شوارع حيفا العربيّة": "هذا القرار أتاح لي الفرصة للقراءة المعمّقة، كما أشرت؛ فالقراءة المعمّقة ليست تسلية بالمطلق، إنّما هي استكشافيّة لبواطن ما أقرأ، ومعرفة ما يبغيه كاتب النصّ، ومن ثَمّ ما أُدركه أنا متلقّيًا. ثمّ قرّرت أن يكون أصدقائي على صفحات التواصل الاجتماعيّ شركاء معي، وأنا على معرفة يقينيّة أنّ استخدام هذه الصفحات، بل الشبكات، يكون كثيفًا في ظلّ أجواء الحجْر. وفعلًا، كلّما قرأت كتابًا أيًّا كان هممتُ إلى نشر صورة غلافه، وفقرات منتقاة منه، وتعليق موجز عنه. تلقّيت مئات الرسائل النصّيّة والمشاركات، والملاحظات النقاشيّة والحواريّة والنقديّة. في رأيي، هذا هو مكسب الشبكات في الاستفادة منها علميًّا ومعرفيًّا وليس للتسلية".

ويشرح منصور تفاصيل اشتغاله على مبادرته الذاتيّة الّتي تابعناها بشغف، فيقول: "إلى جانب ما ذكرت آنفًا، بدأت بنشر عارضات حول تاريخ مدينة حيفا وما كُتب عنها؛ إذ قلت في ذاتي إنّها فرصة للتعريف بمدينتي الّتي أعيش فيها وأعشقها؛ فنشرت عددًا من هذه العارضات عن تاريخ المدينة، مرفقة بصور ونصوص موجزة تجعل المدينة المفقودة حاضرة في الذاكرة بقوّة. وجمعت أيضًا عددًا من الكتب الّتي تختصّ بتاريخ حيفا، ومنها كتبي. وأيضًا كتب يحتوي بعض فصولها لمحات عن حيفا وجوارها، ومن ثَمّ نشرتها في عارضتين أثارتا المتلقّين وشوّقتهما إلى تعرّف ما كتب باحثون وروائيّون وشعراء عن حيفا".

 

 

وأردف منصور: "لهذا؛ أرى أنّ زمن الكورونا كان دافعًا لي إلى استثمار طاقاتي في ميدان التعرّف العميق على المدينة، وتعريف المتصفّحين بكمٍّ هائل من النصوص عنها. وإن كان ما نشرته بالعربيّة، فهناك عشرات من المؤلّفات عن حيفا بلغات أخرى، جدير بنا الاطّلاع عليها مستقبلًا. لكنّي أردت تأكيد حضور المدينة بلغتها العربيّة؛ لأنّها مدينة عربيّة في جذورها وتاريخها، وإن كانت النكبة قد أتت عليها، إلّا أنّ استحضارها مسألة لا نقاش فيها".

 

 

جداريّة البعنة

منير بكري

منير بكري، المخرج المسرحيّ ومدير قسم الثقافة في "المركز الجماهيريّ - البعنة" في الجليل، تحدّث إلينا عن الدوافع الّتي دعت أبناء البلدة إلى تنظيم فعاليّات وأنشطة ثقافيّة وفنّيّة، عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ وغيرها، فأفادنا بأنّ "المركز قام بدور رئيسيّ بمشاركة المجلس المحلّيّ في ظلّ جائحة كورونا. في قريتنا البعنة، كان عدد الإصابات بالفايروس مرتفعًا نسبيًّا، 34 إصابة؛ وهذا سبّب حالة من الحذر الممزوج بالخوف والارتباك بين الأهالي. ولوجود الأطفال في بيوتهم، وخاصّة أطفال الروضات وصفوف المرحلة الابتدائيّة؛ وزّعنا ما يقارب 2200 حزمة من الفعاليّات الإبداعيّة المتنوّعة، مثل أوراق للرسم وموادّ للتفكير الإبداعيّ".

يضيف بكري: "أهمّ فعاليّة كانت أنّنا وزّعنا لوحات ’كانفاس‘ 20×40 سم؛ ليرسم عليها الأولاد والأطفال تحت عنوان ’أنا ألعب مع كورونا‘، ومن ثَمّ إرجاع اللوحة إلى المركز. جمّعنا كلّ اللوحات وأوصلناها ببعضها بعضًا؛ لينتج في نهاية المطاف جداريّة ضخمة، من إبداع 2200 ولد وطفل، بمساحة 120 مترًا مربّعًا".

وأوضح البكري: "الخطوة الثانية كانت أنّنا تواصلنا مع مكاتب ’موسوعة الأرقام القياسيّة - غينيس‘، في محاولة لتسجيل الجداريّة فيها، ونحن الآن ننتظر ردّهم. وأنشأنا لأوّل مرّة ستوديو للبثّ الإذاعيّ والتلفزيونيّ؛ فقدّمنا ونقدّم العديد من البرامج والمسابقات الترفيهيّة والثقافيّة يوميًّا".

 

 

الاستثمار في الإبداع

عبر الشبكات الاجتماعيّة، عملت "كلّيّة دار الكلمة الجامعيّة للفنون والثقافة" على إنعاش الفنون؛ فتعدّدت المبادرات والفعاليّات والأنشطة، في ظلّ إجراءات العزل المتّخذة في الضفّة الغربيّة. وللوقوف على تفاصيل هذه المبادرة، تواصلت فُسْحَة مع رئيس الكلّيّة، القسّ الدكتور متري الراهب، الّذي أوضح في البدء أنّ الكلّيّة هي الأولى والوحيدة في فلسطين، الّتي جعلت من الفنون المرئيّة والأدائيّة تخصّصاتها الوحيدة، وهي تطرح حاليًّا 17 تخصّصًا بين البكالوريوس والدبلوم المتوسّط، وتهدف إلى تعليم الجيل الجديد وتدريبه من القيادات الفنّيّة والفتيّة المبدعة؛ وذلك لإيمان القائمين على الكلّيّة بأهمّيّة الفنّ والثقافة للهويّة الفلسطينيّة من جهة، وإمكانيّة فتح أبواب جديدة للعمل للشباب الفلسطينيّ من جهة ثانية".  

متري الراهب

وبيّن الراهب أنّ "الجائحة ضربت مدينة بيت لحم وهي في أوج تحضيراتها لاحتفاليّتها عاصمة للثقافة العربيّة، وقد تزامن ذلك أيضًا مع احتفال الكلّيّة بيوبيلها الفضّيّ، ما اضطرّنا إلى تأجيل الكثير من الفعاليّات، مثل ‘مهرجان بيت لحم الدوليّ لأفلام الطلبة‘، و‘مهرجان بيت لحم للفنون الأدائيّة‘، و‘مؤتمر الفنّ والمقاومة‘، و‘مؤتمر لاهوت الشعوب الأصليّة‘، حتّى العام القادم".

أضاف الراهب أنّه "بعد الإعلان عن وجود الفايروس في بيت لحم، نقلت إدارة الكلّيّة التعليم من التعليم الصفّيّ إلى التعلّم عن بُعْد، لمواكبة العصر وتطوّراته، وللوصول إلى الطلبة إبّان الحجْر المنزليّ. وشجّعت الجمهور الفلسطينيّ العريض أيضًا على اغتنام الفرصة والوقت المتاح، للتعبير عبر الفنون المختلفة عمّا يجول في خواطرهم، وللتواصل مع أبناء شعبهم أينما كانوا؛ لذلك أطلقت الكلّيّة ’مسابقة إسماعيل شمّوط للفنّ التشكيليّ‘ في نسختها الخامسة، تحت عنوان ’فلسطين الجميلة‘، وأطلقت معرضها الافتراضيّ الأوّل تحت عنوان ’جائحة‘؛ وذلك لإتاحة المجال لعرض أعمال في التصوير الفوتوغرافيّ والرسم والفنّ الرقميّ، للتعبير عن واقع المرحلة. ومن جهة ثالثة أطلقت الكلّيّة مسابقة ’غنّيها‘ في الغناء في نسختها الخامسة، للكشف عن المواهب الصوتيّة والأدائيّة".

وأردف الراهب: "من ناحية أخرى، انخرط طلّاب الكلّيّة وخرّيجوها في إنتاج الموادّ الفنّيّة المختلفة، فمن ملصق بيت لحم ‘خلّيك بالبيت‘، من تصميم الطالب إلياس عبد ربّه، إلى إنتاج الأفلام القصيرة الهادفة، الّتي عالجت مواضيع مثل التغلّب على الوحدة، والبيئة والاستغلال الأمثل للوقت المتاح، إلى مبادرات شبابيّة مثل ‘مجموعة تليد التطوّعيّة‘ الّتي راحت تُعرّف العالم بالقيادات الفنّيّة الفتيّة الفلسطينيّة الواعدة".

 

 

ولفت صاحب "بيت لحم محاصرة"، إلى أنّ الكلّيّة "اهتمّت بالتواصل مع الأصدقاء في الدول المختلفة، وبكلّ الوسائل المتاحة، لنقل آمال شعبنا وآلامه في المرحلة الراهنة، خاصّة بعد انقطاع السياحة وتوقّفها توقّفًا تامًّا. وكما عاهدنا شعبنا عبر انتفاضتين وحروب عدّة على غزّة، نبقى على العهد بأنّه على الرغم من الدمار يبقى خيارنا الاستثمار في الإبداع".

 

قرب من الناس... رغم العزلة

"مركز المعلّمين - نعلين" و"مؤسّسة عبد المحسن القطّان" في مدينة رام الله، وضمن لقاءات بمجموعة مربّيات للأطفال ومعلّمات، وعبر تقنيّة الفيديو، نظّما لقاء حواريًّا حول التخطيط لأنشطة تربويّة مستوحاة من قصّة "الغول" للكاتبة والناشرة والمستشارة التربويّة تغريد النجّار، تحدّثت فيه من مقرّ إقامتها في عمّان حول تجربتها مع أدب الأطفال واليافعين، والغوص في تفكيك قصّة "الغول"، الّتي جرى العمل عليها ضمن هذا النشاط.

تغريد النجّار

تواصلَت فُسْحَة مع النجّار، وسألتها في البدء عن كيفيّة قضاء يومها في ظلّ الحجْر، الّذي فرضته الحكومة الأردنيّة بعد انتشار الكورونا؛ فأفادت: "الحجْر المنزليّ والتباعد الاجتماعيّ كلمات أصبحت في قاموس حياتنا اليوميّة، دون أن نشعر، وكان علينا أن نتأقلم مع هذا الواقع الجديد. بالنسبة إليّ بصفتي كاتبة، أعمل معظم الوقت من مكتبي في منزلي. في بادئ الأمر، لم أشعر بتغيير كبير في روتين حياتي اليوميّة، لكنّي شعرت بعد مدّة بأنّ الكتابة في الفراغ، ودون التواصل المباشر مع المحيط من حولي، أمر صعب جدًّا. لقد بدأت أشتاق إلى اللقاءات بقرّائي في المدارس والملتقيات. حاولت أن أستفيد من هذا الوضع الجديد بشكل إيجابيّ، فبدأت بترتيب أوراقي واختزالها، وهو مشروع قديم أجّلته بانتظار أن يسمح لي الوقت، ولم يَعُد لديّ مبرّر لتأجيله أكثر. وبعد ذلك عدت إلى الكتب الّتي اشتريتها من معارض مختلفة وبدأت بقراءتها، واستمعت أيضًا إلى بعض الكتب الصوتيّة الّتي استسغتها".

تتابع صاحبة "دار السلوى للدراسات والنشر" حديثها حول كسر عزلتها بأنشطة إبداعيّة، مشيرة إلى أنّه "من خلال عملي في ‘دار السلوى‘ أطلقنا مبادرتين للأطفال، لنُسهم ولو قليلًا في إشغال وقتهم والتواصل معهم في هذه الأوقات. كانت أوّل مبادرة لمعالجة موضوع الخوف من الخطر الجديد الّذي دخل إلى حياتنا جميعًا... الكورونا! طلبنا من الأطفال تخيّل الفايروس، ومن ثَمّ تأليف قصّة ورسْمها عن كيفيّة التغلّب عليه. الهدف من هذا النشاط كان مساعدة الأطفال على مواجهة مخاوفهم، وإتاحة الفرصة للأهل للإجابة عن تساؤلات أطفالهم، وقد وصلتنا مشاركات عديدة نشرناها على صفحتنا. أمّا المبادرة الثانية فقد كانت تشجيع الأطفال على القراءة الحرّة؛ لذلك أطلقنا ‘مسابقة تحدّي القراءة مع دار السلوى‘، وطلبنا من الأطفال قراءة 40 كتابًا، وإرسال القائمة إلينا في وقت محدّد، وقد تفاعل معنا الكثير من الأطفال وأهاليهم".

 

 

محدّثتنا أضافت: "قدّمت أيضًا قراءات قصصيّة مباشرة للأطفال على منصّات مختلفة؛ وهو ما أشعرني باستمراريّة عملي الإبداعيّ معهم. هذا التفاعل عن بُعْد ساعدني على العودة إلى الكتابة، وزاد من شعوري بالتواصل الحسّيّ مع الأطفال".

وختمت صاحبة "بيت الأرنب الصغير" حديثها معنا بالقول: "التقيت أيضًا معلّمين ومعلّمات من مراكز ومؤسّسات عدّة، كان آخرها لقائي بـ ‘مركز المعلّمين – نعلين‘، قرب مدينة رام الله، لمناقشة قصّة ‘الغول‘، وقد تبادلنا الكثير من الأفكار حولها"، مؤكّدة أنّ "مثل هذه اللقاءات تثري النقاش، وتوسّع الآفاق، وتشعرك بالقرب من الناس".

 

 

أوس يعقوب

 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في 'أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين' الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو).

 

 

تعليقات Facebook