أفارقة الولايات المتّحدة والفلسطينيّون... اتّصال النضال

أنجيلا ديفس لدى خروجها من المعتقل عام 1972

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

ديفس و"حركة الحقوق المدنيّة"

مطلع عام 1972، قُبِضَ على أنجيلا ديفس، وأُلْحِق بها مجموعة من التهم، ثلاث من هذه التهم كانت كفيلة بإرسالها إلى غرف الإعدام، في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. قبل اعتقالها، كانت ديفس تعمل مدرّسة للفلسفة والعلوم السياسيّة في "جامعة كاليفورنيا" - لوس أنجلوس، حيث عُرِفَتْ لأنّها أوّل مَنْ تحدّى القرار الّذي أصدرته الجامعة عام 1969، بمنع تعيين أيّ مدرّس ذي خلفيّة فكريّة ماركسيّة أو شيوعيّة، أو باحث مثله أو عامل في الجامعة.

آنذاك، كانت ديفس أيضًا ناشطة في الحزب الشيوعيّ الأمريكيّ، وعضوًا ناشطًا في "منظّمة الفهود السود" الّتي كانت قد أُسِّسَتْ بعد اغتيال مالكوم إكس، أحد أبرز وجوه "حركة الحقوق المدنيّة"، الّتي تفجّرت في الولايات المتّحدة لإنهاء نظام الفصل العنصريّ، والقوانين الدستوريّة الّتي عُرِفَتْ باسم "قوانين جيم كرو". كانت هذه القوانين قد فُرِضَتْ للفصل بين المواطنين ذوي البشرة السوداء عن ذوي البشرة البيضاء، في وسائل النقل العامّ ودورات المياه والمطاعم والمدارس وأماكن العمل، وكانت هذه القوانين امتدادًا لنظام العبوديّة الجائر، الّذي فُرِضَ على المواطنين ذوي الأصول الأفريقيّة، وقد كان يُفْتَرَض انتهاؤه بانتهاء الحرب الأهليّة الأمريكيّة عام 1865.

كانت ديفس أيضًا ناشطة في الحزب الشيوعيّ الأمريكيّ، وعضوًا ناشطًا في "منظّمة الفهود السود" الّتي كانت قد أُسِّسَتْ بعد اغتيال مالكوم إكس...

أمّا اعتقال ديفس فكان بحجّة أنّ سلاحًا قد سُجِّل باسمها، اسْتُخْدِم في عمليّة خطف رهائن، قُتِل فيها الخاطف والمخطوف على أيدي رجال الشرطة في ولاية كاليفورنيا. في ذكرى اعتقالها، قالت ديفس: "آنذاك، كان رونالد ريغان يحكم كاليفورنيا، وكان ريتشارد نيكسون رئيسًا للولايات المتّحدة. أجهزة الدولة ومصادرها كانت مجهّزة ضدّ مَنْ هم مثلي. أراد جهاز الشرطة و‘مكتب التحقيق الفيدراليّ‘ إرسالي إلى غرفة الإعدام لإثبات نقطة. لم يكن مهمًّا مَنْ أنا أو ماذا فعلت؛ فقد كنت هدفًا مناسبًا لإثبات جاهزيّتهم واستعدادهم للقضاء على أيّ محاولة للثورة أو الحرّيّة".

 

"خطاب ما بعد فيتنام"

كانت ديفس واحدة من رموز "حركة الحقوق المدنيّة"، الّتي حاولت الحكومة الأمريكيّة إخمادها، بإصدار قانون دستوريّ سُمِّي "قانون الحقوق المدنيّة" عام 1964؛ بموجبه أصبح التمييز محظورًا، على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل القوميّ، في الأماكن العامّة وفي أماكن العمل. لكن - وعلى مدار سنوات - كانت الصلاحيّات الممنوحة لتطبيق القانون ضعيفة. وأكملت الحكومة دورها في اغتيال الّذين نشطوا في هذه الحركة، وأسرتهم وأسكتتهم، ويشمل ذلك قتل الدكتور مارتن لوثر كنغ، المتحدّث الرسميّ لـ "حركة الحقوق المدنيّة" عام 1968.

منذ سنة قبل اغتياله، ألقى كنغ خطابًا في إحدى كنائس نيويورك، وُصِفَ – تضليلًا - في مجلّة "نيويورك تايمز"، على أنّه الخطاب الّذي أنهى الدور المركزيّ، الّذي أدّاه كنغ في "حركة الحقوق المدنيّة" في أمريكا. هذا الخطاب المسمّى بـ "ما بعد فيتنام" هو أوّل خطاب ربط بين نضال الأمريكيّين ذوي الأصول الأفريقيّة والثورات المندلعة في أنحاء العالم، في ستّينات وسبعينات القرن الماضي. في هذا الخطاب قال كنغ: "جئت هنا اليوم لأنّ ضميري لا يسمح لي إلّا أن آتي هنا، وأعبّر عن القضيّة الّتي تهمّنا جميعًا وهي قضيّة فيتنام. أودّ أن أدلي بما يمليه عليّ قلبي وعقلي؛ فقد حان الوقت الّذي يكون فيه الصمت خيانة، لقد حان الوقت للحديث عن فيتنام... أمّا الّذين يسألون: ألست زعيمًا لحركة الحقوق المدنيّة؟، وهدفهم أن يُقْصوني في سبيلي نحو السلام، فأقول لهم: لقد اخترنا لحراكنا شعارًا هو ‘إنقاذ روح أمريكا‘. وروح أمريكا اليوم أصبحت مسمومة تمامًا، ومَنْ شرّح جسدها فسيجد فيتنام لا محال".

أكمل كنغ خطابه، وقال: "لا يمكن أن تقتصر رؤيتنا على حقوق السود منّا، فلن تتحرّر أمريكا من نفسها إلّا إذا تخلّصت من أصفاد العبوديّة من على كواحل أحفادنا، ولن تتحرّر من نفسها ما دامت مستمرّة في تدمير آمال الناس في التحرّر...

أكمل كنغ خطابه، وقال: "لا يمكن أن تقتصر رؤيتنا على حقوق السود منّا، فلن تتحرّر أمريكا من نفسها إلّا إذا تخلّصت من أصفاد العبوديّة من على كواحل أحفادنا، ولن تتحرّر من نفسها ما دامت مستمرّة في تدمير آمال الناس في التحرّر، في جميع أنحاء العالم. فيتنام ما هي إلّا عارض لمرض أعمق، مرض يشمل غواتيمالا والبيرو وكمبوديا والموزمبيق وجنوب أفريقيا وغيرها. سنسير من أجل هؤلاء مسيرات لانهائيّة، مسيرات تأخذنا إلى ما بعد فيتنام".

في ذلك اليوم تنبّأ كنغ باغتياله، ثمّ ختم خطابه وقال: "أمّا أولئك الّذين يجعلون من الثورة السلميّة أمرًا مستحيلًا؛ فهم يجعلون من الثورة العنيفة أمرًا لا محال فيه".

 

"Lynching"

مضى أكثر من 50 عامًا على إصدار "قانون الحقوق المدنيّة"، واغتيال كنغ ومالكوم إكس، إلّا أنّ قتل جورج فلويد مختنقًا تحت رُكَب رجال الشرطة قبل أسابيع، كان كفيلًا بإشعال الثورة مرّة أخرى. يصف كورنل وست، وهو بروفيسور في "جامعة هارفرد"، وصاحب كتب عدّة في شأن الحقوق المدنيّة والعرق في أمريكا، يصف قتل فلويد بـ الـ "lynching"، بمعنى "الإعدام بلا محاكمة". وما يجدر الإشارة إليه هنا أنّ كلمة "lynching" أصبحت بمضمونها تعكس تاريخ الأمريكيّين ذوي الأصول الأفريقيّة؛ فلا يُستخدم هذا المصطلح إلّا للإشارة إلى التجربة الجماعيّة لهذا المجتمع.

تشبه هذه الكلمة في دورها كلمتَي "انتفاضة" أو "نكبة" في السياق الفلسطينيّ؛ فهما كلمتان عربيّتان، لكنّ مضمونهما أصبح تقريبًا يقتصر على التجربة المعيشة للفلسطينيّين، كذلك كلمة "lynching"، فهي تدلّ على الإعدام والقتل اللذين تعرّض لهما - ولا يزال - أفراد المجتمع الأفريقيّ الأمريكيّ بسبب لون بشرتهم. أمّا تاريخه فيعود إلى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأهليّة الأمريكيّة، الّتي قامت بين الشمال الصناعيّ والجنوب الزراعيّ، وقد صدر قرار بمنع العبوديّة في جميع ولايات أمريكا. هذا القرار الّذي لم يُعْلَم المواطنون المستعبدون به إلّا بعد انقضاء سنوات عدّة، أشعل غضب مَنْ كان مستفيدًا من العبوديّة، ولا سيّما الّذين امتلكوا حقول القطن. سرعان ما تحوّل هذا الغضب إلى عنف من نوع الـ "lynching"، أي القتل من قِبَل مجموعة من الناس لشخص بلا محاكم؛ إذ تتكتّل مجموعة من الأشخاص البيض وهم يلبسون ما يشبه العباءة البيضاء، ويغطّون وجوههم بأقنعة بيضاء مخروطيّة الشكل، لإعدام شخص أسود البشرة بلا محاكمة أو تهمة، يُعْدَم فقط للون بشرته، وعادة يكون الإعدام شنقًا على فرع شجرة في مكان عامّ.

 

لحظة الانهيار

بعد انتهاء الحرب الأهليّة أصبح هاجس الـ "lynching" خوفًا يلاحق جميع مَنْ تحرّر من العبوديّة، وخاصّة مَنْ كان يعيش في الجنوب الأمريكيّ. يستمرّ خوف القتل بلا تهمة أو محاكمة إلى الآن، فحسب صحيفة "واشنطن بوست"، ومنذ بداية عام 2020 حتّى الآن، قُتِلَ ما يقارب 120 شخصًا من الأمريكيّين ذوي الأصول الأفريقيّة، على أيدي رجال الشرطة في عمليّات مداهمات أو تفتيش أو حتّى مخالفات السير، ويشمل ذلك قتل جورج فلويد وبريانا تيلر وغيرهما. هذا الرقم يشبه غيره من سنوات سابقة؛ ففي عام 2019 قُتل ما يقارب 235 شخصًا من أفراد هذا المجتمع على أيدي الشرطة.  

يصف كورنل وست اللحظة التاريخيّة الّتي تعيشها أمريكا اليوم بلحظة الانهيار؛ فحسب رأيه، ثمّة صلة بين ما هو محلّيّ وما هو عالميّ. محلّيًّا زرعت أمريكا اللامساواة بين مواطنيها، أمّا عالميًّا فزرعت الآلاف من وحدات الجيش...

يصف كورنل وست اللحظة التاريخيّة الّتي تعيشها أمريكا اليوم بلحظة الانهيار؛ فحسب رأيه، ثمّة صلة بين ما هو محلّيّ وما هو عالميّ. محلّيًّا زرعت أمريكا اللامساواة بين مواطنيها، أمّا عالميًّا فزرعت الآلاف من وحدات الجيش في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، للحفاظ على مصالحها ودعم الدكتاتوريّات في تلك المناطق. زرعت أمريكا استعلاء مَنْ كانت بشرتهم بيضاء، والكراهية ضدّ مَنْ هم فقراء أو سود، أو مهاجرون أو لاتينيّون، أو مثليّون أو متحوّلون جنسيًّا... أمّا النتيجة اليوم فهي انهيار تامّ لمصداقيّة النظام السياسيّ الأمريكيّ، سواء محلّيًّا كان ذلك أو عالميًّا.

 

أفارقة أمريكا في اجتماعات "المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ"

 لعلّ واحدًا من أهمّ الأمثلة لتداخل ما هو محلّيّ وما هو عالميّ، في الصراع العرقيّ في أمريكا، علاقة "حركة الحقوق المدنيّة" بالقضيّة الفلسطينيّة. بدأت هذه العلاقة عام 1967، حين بدأ التضامن بين المفكّرين الأمريكيّين ذوي الأصول الأفريقيّة و"منظّمة التحرير الفلسطينيّة"، مستخدمين في ذلك الخطاب المعادي للعنصريّة والمعادي للإمبرياليّة العالميّة.

في دراسة نشرتها "جمعيّة الدراسات الأمريكيّة" عام 2015، بعنوان "التضامن بين السود والفلسطينيّين في حقبة فرغنسون وغزّة"، يُذْكَر أنّ حالة التضامن هذه سرعان ما تحوّلت إلى مجموعة من الإستراتيجيّات السياسيّة، بعد اجتماع "لجنة العالم الثالث" في الجزائر عام 1973؛ فأصبح ممثّلو "حركة الحقوق المدنيّة" الأمريكيّة يُدْعَون لحضور "المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ"، وأصبح ثمّة نوع من الاتّحاد بين الناشطين للحقوق الفلسطينيّة والناشطين للحقوق المدنيّة في أمريكا، ولا سيّما في حرم الجامعات.

أصبح هذا الاتّحاد قوّة لا يمكن إغفالها، خاصّة بعد أحداث فرغنسون عام 2014، حين قتل رجال الشرطة الأمريكيّة مايكل براون (18 عامًا) أمام منزله في ميزوري؛ وهذا أدّى إلى اندلاع سلسلة من المظاهرات. ما إن بدأ هذا الحراك حتّى أصبحت الرسائل المتبادلة، بين الناشطين في أمريكا والناشطين في فلسطين، جزءًا من الخطاب العامّ لهذا الحراك.

أضافت ديفس وقالت: "عندما كنت في السجن أواجه محاكمة الإعدام، كان تضامن الفلسطينيّين معي من أهمّ المصادر الّتي ألهمتني القوّة...

في مقابلة حديثة أجرتها أنجيلا ديفس مع الصحافيّة آمي غودمان، ذكرت: "لطالما كانت صلة قويّة بين صراع الأمريكيّين ذوي الأصول الأفريقيّة والصراع الفلسطينيّ". أضافت ديفس وقالت: "عندما كنت في السجن أواجه محاكمة الإعدام، كان تضامن الفلسطينيّين معي من أهمّ المصادر الّتي ألهمتني القوّة؛ فأثناء وجودي في السجن تلقّيت رسالة هُرِّبَتْ من أحد السجون الإسرائيليّة، حيث كتبها المساجين الفلسطينيّون لي لإخباري بدعمهم لي ولقضيّتي. هذه الرسالة الّتي هُرِّبت من خلال عائلاتهم وصلت إلى رفاقي هنا، ثمّ وصلت إليّ". يستمرّ أثر هذه الرسالة إلى اليوم؛ فديفس من أهمّ المتحدّثين والداعمين للحقوق الفلسطينيّة في الحقل الأكاديميّ، وكذلك في الحراك المجتمعيّ في الولايات المتّحدة، أمّا دعمها العلنيّ للقضيّة الفلسطينيّة فجعلها مستهدفة من الحكومة الأمريكيّة، ومجموعة من المؤسّسات الّتي تعتبر أنّ دعم القضيّة الفلسطينيّة أمر معادٍ للساميّة.

 

 

لبنى طه

 

 

طالبة وباحثة في مجال الدراسات الثقافيّة في "جامعة كوينز" في كندا، حيث يتنوّع عملها البحثيّ بين الدراسات السينمائيّة الفلسطينيّة ودراسات تعليم الموسيقى. تعمل حاليًّا على دراسة أرشيفيّة في موضوع صناعة الأفلام، وسيلةً للتضامن بين فنّاني العالم الثالث والثورة الفلسطينيّة في سبعينات القرن الماضي.

 

 

تعليقات Facebook