التعلّم في زمن الوباء: لئلّا يكون البيت بيئة تعلّم قامعة

Getty

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

لا أحمل في جيبي تجربة الأمّهات والآباء والمعلّمات والمعلّمين وحكمتهم، في مثل هذه الفترة الصعبة، لكنّي أدرك التحدّيات التربويّة، لما تحمله من توتّر، والحاجة إلى تطوير أدوات تربويّة جديدة للتعامل مع الوضع القائم، وإحاطة الطلّاب بالأمان والصحّة النفسيّة. أكتب هذه المادّة لأنّي على يقين من أنّ ثمّة مَنْ يحاول، بالطرق المختلفة المتاحة، توفير مساحات تعلّم صحّيّة لبناته وأبنائه، وطالباته وطلّابه؛ وعلى ذاك فإنّي أطرح هنا نقاطًا تحيد عن الاكتفاء بنسخ تجربة التعلّم المدرسيّة للبيت، تعويضًا عن التعلّم.

 

عالَم بلا معلّمات ومعلّمين!

 مع بدء انتشار فايروس كورونا (Covid-19)، بدأت المدارس والجامعات تحويل موارد تعلّمها إلى موارد رقميّة؛ التجربة الكلاسيكيّة لذلك مساقات ودروس تُعْرَض من خلال برنامج فيديو مثل Zoom وSkype وغيرهما، تجارب أخرى شملت الاعتماد على منصّات لمواقع رقميّة، يمكن من خلالها رفع فيديوهات للطلّاب وإجراء نقاشات معهم، وإرسال وظائف بيتيّة إلى الطلّاب بموجب توجّهات الصفّ المعكوس (Flipped Classroom)، ومحاولات لتحويل التدريس إلى تجارب مشاريع تعتمد على سعي الطالب للبحث (Project-Based Learning)، وغيرها الكثير من المبادرات وطرائق التدريس.

مَنْ يدرك أنّ التعلّم أوسع من معلومات تُلَقَّن من معلّم، وأنّ طرائق التدريس أعمق من أن تُنْقَل في محاضرة على Zoom، يجد عالمًا بلا "معلّمات ومعلّمين"، عالمًا ينقصه الكثير من الحبّ والعطاء، وطرائق لتطوير أدوات النقاش والإبداع البنّاءة...

في الوقت الّذي كانت هذه الحلول، حلولًا على المدى القصير، بدأت شركات مختلفة بالتعامل مع الوضع القائم بصفته فرصةً استثماريّة، عبر تحويل التعلّم إلى تعلّم رقميّ، دون الحاجة إلى المدارس. مبدئيًّا، إذا فكّرنا في ذلك، فإنّ هذا فعلًا ممكن، يمكننا أن نحصل على المعلومات الّتي نريد بمجرّد البحث عنها.

لكن، مَنْ يدرك أنّ التعلّم أوسع من معلومات تُلَقَّن من معلّم، وأنّ طرائق التدريس أعمق من أن تُنْقَل في محاضرة على Zoom، يجد عالمًا بلا "معلّمات ومعلّمين"، عالمًا ينقصه الكثير من الحبّ والعطاء، وطرائق لتطوير أدوات النقاش والإبداع البنّاءة. وهنا لا أتحدّث عن دور المعلّمة أو المعلّم بشكل ورديّ، إنّما أتحدّث عن بيئات تعلّم مدرسيّة حاضنة للطلّاب والمعلّمات والمعلّمين، ليست قامعة لهم، بيئات تربويّة علينا أن نحلم بها، بدلًا من أن نستبدل بها أحلام شركات الهايتك، لنا نحن التربويّين.

إنّ الحلول التكنولوجيّة الّتي طُرِحَت في الأشهر الماضية، ساعدت على أن يستمرّ الطلّاب في تجارب تعلّمهم ضمن إطار تدريسيّ مدرسيّ، إلّا أنّها لم تأخذ بعين الاعتبار التحدّيات الإنسانيّة الّتي تواجه المعلّمات والمعلّمين، والأهالي، والطلّاب، في هذه الفترة. هذه التحدّيات تشمل تحدّيات لوجستيّة مثل توفّر الأدوات التكنولوجيّة اللازمة للطلّاب، من إنترنت وحاسوب، ومنها أيضًا عدم جاهزيّة المعلّمات والمعلّمين للتعامل مع طرائق التدريس الرقميّ في وقت صعب كهذا.

التعامل مع التعلّم يجيب ألّا يكون "حول ما يدور في المدرسة"، معتمدًا، مثلًا، على طرائق تقييم شبيهة وتقليديّة بطرائق التقييم الاعتياديّة في المدارس، على الرغم من الظروف الحاليّة.

 

تعلّم عادل

في ظلّ كلّ هذا، وإلى جانب الجهد المبذول، فإنّ المظاهر غير العادلة في مجتمعات عديدة قد برزت، ومن بينها: البيوت ليس كلّها مساحات آمنة للتعلّم، ثمّة بيوت لا تتوفّر لها الأدوات اللازمة لإعادة تكرير تجربة التعلّم المدرسيّة فيها. حتّى في ما يتعلّق بالطعام، ثمّة دول توفّر فيها المدارس الطعام لطلّابها، وأصبح ذلك تحدّيًا لهم. ليس جميع الطلّاب قادرين على التعامل مع هذه التجربة الرقميّة بسلاسة؛ ثمّة طلّاب بحاجة إلى دعم وتشجيع خاصّ من خلال الأطر المدرسيّة، لم تكن هذه الأطر الرقميّة مساحة آمنة لتعلّمهم المدرسيّ.

ليست التكنولوجيا حلًّا تربويًّا، إنّما هي أدوات متعدّدة ومتاحة بأشكال متعدّدة في البيوت؛ فكيف لنا استخدامها بما يتيح تطوير مهارات متعدّدة من القراءة والكتابة والإبداع للطلّاب، بدلًا من تحويل التعلّم في البيت إلى تعلّم مدرسيّ؟

 

إنّ إعادتنا إلى استخدام الممارسات المدرسيّة في البيت من خلال التكنولوجيا، فيها من القمع الكثير للمعلّمات والمعلّمين والأهل والطلّاب، وفي هذه الفترة بالذات، لما يتطلّبه الأمر من جهد مضاعف؛ وعلى ذاك، فإنّ تفكيرنا في تجارب تعلّم أكثر عدلًا وإنصافًا يتطلّب منّا التفكير في أدوات تدريسيّة أوسع من مجرّد أدوات تكنولوجيّة؛ تجارب تراعي الأبعاد الإنسانيّة والأخلاقيّة للطلّاب، والأهالي، والمعلّمات والمعلّمين، جوهرها الإنسان وتجربته هذه الفترة، لا إعادة تكرير "المدرسة" في "البيت"، من علامات، وأوراق عمل ومهامّ، وقراءة من كتب التدريس، والمعلّم مركزًا للمعرفة، والتنافس بين الطلّاب، والتفوّق المدرسيّ.

ليست التكنولوجيا حلًّا تربويًّا، إنّما هي أدوات متعدّدة ومتاحة بأشكال متعدّدة في البيوت؛ فكيف لنا استخدامها بما يتيح تطوير مهارات متعدّدة من القراءة والكتابة والإبداع للطلّاب، بدلًا من تحويل التعلّم في البيت إلى تعلّم مدرسيّ؟

 

استعدادًا للسنة الدراسيّة القادمة

بدأت الأنظمة التربويّة في دول العالم المختلفة الاستعداد لهذه الفترة، ما بعد العطلة الصيفيّة الحاليّة. أمّا الحلول المطروحة للعودة إلى المدارس فمتعدّدة؛ منها عودة تدريجيّة، ودمج العودة إلى الصفّ مع فعاليّات رقميّة، والتعلّم عن بُعد (أونلاين) من خلال برامج فيديو أو مواقع تابعة للمدارس، ومحاضرات رقميّة للطلّاب، وأوراق عمل، وغيرها العديد من الأفكار.

لكن هل فعلًا هذا هو الحلّ لمشكلة نعيشها في عالمنا منذ قرابة ستّة أشهر؟ هل هذا هو الحلّ لمشكلة، أظهرت تحدّياتها فجوات وأزمات حقيقيّة في المناهج التربويّة وطرائق التدريس؟ وهل فعلًا "التعلّم أونلاين" سيقتل دور "المدارس" في سيرورة التعلّم؟

إنّ توسيعنا لمفهوم التعلّم، باعتباره تجربة إنسانيّة لها أوجه متعدّدة، تحدث في مساحات وأطر حياتيّة مختلفة، من شأنه أن يحثّنا على التفكير في حلول بعيدة عن أن تكون إعادة تكرار للمدارس في البيوت...

في هذه الفترة المليئة بالتحدّيات، من المهمّ أن ندرك أنّ للتعلّم أوجهًا عديدة، أوسع من أن تكون محصورة في الوظيفة الأدائيّة للمدرسة بصفتها بيئة تعلّم أكاديميّة، محدّدة بمعايير وزاريّة وأهداف تربويّة سياسيّة محدّدة. التعلّم في المدرسة والصفّ يعبّر عن تعلّم مدرسيّ قائم على تلبية حاجات تعلّم أكاديميّة، وهي جيّدة ومهمّة في جوانب مختلفة، لكنّها تشكّل مفهومًا ضيّقًا لمعنى التعلّم. والسبب في ذلك، وعلى الرغم من تنوّع المدارس، يكمن في وجود المدرسة ضمن منظومة ومناهج تُرَبّي أجيالًا كاملة على التنافس غير الصحّيّ بين الطلّاب، والانضباط، والرقابة، وتضييق مفهوم التعلّم لحصره في تعرّف معلومات أو فهمها لموادّ مختلفة تُعَلَّم في المدرسة. في ظلّ هذه الأجواء، يتحوّل البيت إلى بيئة تلبّي احتياجات المدرسة ومتطلّباتها؛ فيستبدل بوقت اللعب مع الأهل أو قضاء الوقت مع الإخوة والعائلة، وقتًا فيه يستنزف الطالب والطفل طاقته، ليلائم نفسه مع متطلّبات المدرسة.

في الوقت ذاته، فإنّ توسيعنا لمفهوم التعلّم، باعتباره تجربة إنسانيّة لها أوجه متعدّدة، تحدث في مساحات وأطر حياتيّة مختلفة، من شأنه أن يحثّنا على التفكير في حلول بعيدة عن أن تكون إعادة تكرار للمدارس في البيوت، وما يحملها مع ضغط للأهل والمعلّمات والمعلّمين والطلّاب، خاصّة في هذا الوقت.

إضافة إلى الحلول التربويّة الّتي قدّمتها المدارس في الأشهر الأخيرة، ظهرت مبادرات مجتمعيّة عديدة وبجهود إبداعيّة؛ إذ أُتيحت دورات ومحتوًى رقميّ للتعلّم على الإنترنت مثلًا، وكثير منها مجّانيّ. هذه المبادرات من شأنها أيضًا أن تكون ساندة للتعلّم خارج الإطار المدرسيّ في هذا الوقت، علمًا أنّ واقعنا الثقافيّ يعاني في هذه الفترة الصعبة من أيّ دعم يُذْكَر. أذكر هنا مبادرتين في السياق الفلسطينيّ: الأولى سلسلة فيديوهات اسمها "مغامرات الروّاد" حول تجارب علميّة للأطفال أنتجتها جمعيّة الروّاد للعلوم والتكنولوجيا، أمّا الثانية فهي سلسلة ورشات رقميّة للمهنيّين قدّمتها جمعيّة الثقافة العربيّة.

 

البيت مساحة تعلّم

 أختم الحديث بالإشارة مجدّدًا إلى أهمّيّة توسيع إدراكنا للبيت بصفته مساحة تعلّم، وأنّ المدرسة ليست وحدها، وفي ظلّ هذه الظروف، قادرة على أن تلبّي احتياجات التعلّم على أوجهه المتعدّدة للطلّاب. وعندما أتحدّث عن الأوجه المتعدّدة للتعلّم، فإنّني أرى أنّ التعلّم ليس فقط تعزيزًا لمهارات إدراكيّة ذهنيّة، كالإجابة عن أسئلة أو التمرّس في النقاش، إنّما للتعلّم جوانب أخرى أيضًا؛ فمنها العاطفيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والتطوّريّ.

علينا أن نفكّر في أنّ البيت في حدّ ذاته مساحة تعلّم ولعب وتفاعل مع الإخوة والأهل، وعلى التربويّين في هذا الوقت، تعزيز الأهل والطلّاب ودعمهم، نحو أَنْ يُقَدِّروا هذه المساحات الّتي يعيشون فيها، ليُبْدِعوا بما أُتيحَتْ لهم أدواتهم.

 

جميعها من الممكن أن تكون مرآة لنا لأن نرى "تغييرًا ما" يعيشه الطفل في مساحات التعلّم المتعدّدة، إذا ما رأينا الممارسات الّتي يقوم بها الأبناء على اختلافها، تجاربَ تعلّم في حدّ ذاتها، تستحقّ التقدير. وبناء على ذلك، ليس الحلّ إلغاء التواصل بين المدرسة والبيت في هذه الفترة، إنّما تعزيز حلقة وصل بين المعلّمات والمعلّمين والأهل وبناؤها، وإسنادهم للقيام بفعاليّات ليست بالضرورة تقليديّة، تتماشى في هذا الوقت الصعب مع متطلّبات المناهج وتقييماتها.

علينا أن نفكّر في أنّ البيت في حدّ ذاته مساحة تعلّم ولعب وتفاعل مع الإخوة والأهل، وعلى التربويّين في هذا الوقت، تعزيز الأهل والطلّاب ودعمهم، نحو أَنْ يُقَدِّروا هذه المساحات الّتي يعيشون فيها، ليُبْدِعوا بما أُتيحَتْ لهم أدواتهم.

 

 

أريج مواسي

 

 

باحثة في علوم التعلّم والتكنولوجيا، وطالبة دكتوراه في "جامعة ولاية أريزونا"، حيث تعمل في "مركز العلوم والخيال". نالت منحة "فلبرايت" لدراسة الماجستير بتخصّص "التكنولوجيا التربويّة". تكتب في مجالات متعدّدة: التكنولوجيا والمجتمع، تعلّم الإنسان، والتواصل البصريّ.  

 

 

تعليقات Facebook