"ركب"... العائلة الّتي ارتبط صيف فلسطين باسمها

بوظة ركب هذه الأيّام | عن العرب

 

بوظة المبشّر اليونانيّ

في أوائل الثلاثينات زار فلسطين الانتدابيّة مبشّر يونانيّ، واحتضنته بلدة رام الله في فترة صيف ما، منفتحة على ما جلبه من أفكار ووصفات. سارة، أرملة ومعيلة لأطفالها الأربعة عن طريق التطريز وبيع الورد، كانت إحدى اللواتي التقين بهذا المبشّر، وهو اللقاء الّذي غيّر مجرى حياة عائلتها.

في أحد أيّام الصيف الحارّة، أعدّ المبشّر البوظة على طريقته الخاصّة، وهو الأمر الّذي تلقّفته سارة؛ إذ بدأت بتجربة ذلك، ومن ثَمّ أصبحت تُنْتِج وتُعطي أبناءها وعاء مليئًا بالبوظة لكي يبيعوه في رام الله والبيرة، وخاصّة أمام المدارس وأثناء المناسبات ومباريات كرة القدم.

 

رخصة بائع متجوّل لجميل ركب، موقّعة عام 1943

 

يقول حفيد سارة، إحسان ركب، إنّ البوظة لم تكن رائجة في رام الله آنذاك، على عكس يافا الّتي ازدهرت فيها تجارة البوظة وتقنيّات إنتاجها. لطالما حمل البحر المتوسّط لفلسطين أمواجًا وتيّارات متناقضة، فمنها ما أثرى الحياة الاجتماعيّة، ومنها ما حمل معه الخراب والدمار.

 

ضعف الكهرباء والمنع الأردنيّ

تخرّج جميل، ابن سارة الأصغر، في مدرسة «الفرندز» عام 1941، وأعطته سارة مئة جنيه فلسطينيّ لشراء المحلّ الحاليّ في رام الله. أراد جميل تطوير عمله، فاشترى ماكينة أوتوماتيكيّة لصناعة البوظة من تاجر يهوديّ، وبدأ المحلّ بتصنيع البوظة على نطاق أوسع. أحد المعيقات الّتي وقفت أمام تطوير العمل، تمثّلت بضعف التيّار الكهربائيّ وانقطاعه المستمرّ، وهو الأمر الّذي دفع جميل إلى مدّ خطّ كهربائيّ من محددة دانيال حدّاد المجاورة، الّتي توفّر فيها مولّد كهرباء.

مع بداية الحكم الأردنيّ للضفّة الغربيّة، مُنِعَت «بوظة ركب» من الوصول إلى الأسواق في شرق الأردنّ، بحجّة عدم مطابقة المواصفات الصحّيّة الأردنيّة، وكانت البوظة تتلف في منطقة الشونة. لإزالة هذا الحكم الجائر، سافر جميل ركب ومعه وفد من رام الله إلى عمّان، حيث اجتمعوا مع البلاط الملكيّ، وعلى إثر ذلك حُلَّ الإشكال.

أحد المعيقات الّتي وقفت أمام تطوير العمل، تمثّلت بضعف التيّار الكهربائيّ وانقطاعه المستمرّ، وهو الأمر الّذي دفع جميل إلى مدّ خطّ كهربائيّ من محددة دانيال حدّاد المجاورة...

وصل مراقب من «وزارة الصحّة» إلى معمل «ركب» وأثنى على الشروط الصحّيّة المتّبعة. مع بداية الستّينات، اكتسحت شركة «ألدورادو» الأردنيّة الأسواق في فلسطين، لكنّها لم تلبث أن خرجت من السوق بعد منافسة شديدة كسبتها «بوظة ركب». بعد ذلك أصبح «لبوظة ركب» وكلاء في الضفّة الغربيّة، ووكيل واحد في عمّان، في منطقة جبل اللويبدة.

 

إلى بيروت والشام

ذاع صيت «بوظة ركب» في فلسطين والأردنّ، بل تخطّاهما إلى بيروت والشام، وصار محلّ «ركب» في وسط المدينة محطّة لزوّار المدينة. البعض زار المحلّ لتذوّق البوظة، والبعض الآخر أراد معرفة سرّ هذه الوصفة، ووصل الأمر حدّ إرسال عائلة بكداش الدمشقيّة مندوبين لاستطلاع سرّ هذه الوصفة.

في المقابل، زار جميل ركب الشام حيث تعلّم هناك طريقة صناعة السحلب، وعمل جاهدًا على تطوير تقنيّات الإنتاج والتوزيع مواكبًا كل جديد، فاستورد 500 «ثيرموس» من مدينة أوساكا في اليابان، لكي يستخدمها الباعة المتجوّلون لحفظ البوظة من الحرارة، وصار الباعة يأتونه من كلّ حدب وصوب.

 

بائع متجوّل لـ بوظة ركب

 

قبل النكسة ببضع سنين، حوّلت عائلة ركب قسمًا من منزل العائلة إلى «بنسيون»، في وقت نشطت فيه السياحة إلى رام الله والبيرة، وخاصّة من الكويت، حيث نزلت في «بنسيون» العائلة الشيخة الكويتيّة رقيّة الصباح، وأبناؤها جابر وشهرزاد وعليّ وحاشيتهم.

 

في اليوم الثامن عشر

في أثناء اجتياح الاحتلال الإسرائيليّ للضفّة الغربيّة في نكسة حزيران عام 1967، قصفت القوّات المغيرة حيّ الإذاعة والإرسال بضراوة، وبالتالي تعرّض منزل ركب إلى بعض الشظايا، وانفجرت شاحنة الشركة أيضًا. أمضت العائلة 18 يومًا في ملجأ تحت المنزل، وانضمّ إليهم جيرانهم من عائلة الزرو. ولتأمين بعض الحماية، وضعوا أوعية الزهور المصنوعة من التنك على الشرفات لعلّها تحميهم من القذائف، وفي مخزن المنزل استُخدمت صحاحير شوكلاتة «الكادبري» الفارغة أيضًا لتأمين بعض الحماية.

في اليوم الثامن عشر للحرب، قرع جيش الاحتلال باب المنزل باحثًا عن نديم الزرو، رئيس بلديّة رام الله آنذاك، واستقبلهم جميل ركب ونديم الزرو. ادّعى الجيش أنّه في حاجة إلى رئيس البلديّة كي يشاركهم في جولة تفقّديّة لحصر الأضرار الّتي خلّفها القصف العشوائيّ.

في أثناء اجتياح الاحتلال الإسرائيليّ للضفّة الغربيّة في نكسة حزيران عام 1967، قصفت القوّات المغيرة حيّ الإذاعة والإرسال بضراوة، وبالتالي تعرّض منزل ركب إلى بعض الشظايا، وانفجرت شاحنة الشركة...

بعد هذه الجولة، دفن جميل ركب ونديم الزرو طفلتين يتيمتين - دينا ولوسي - كانتا تعيشان في ملجأ الأيتام الخاصّ بـ «مركز البيت الإنجيليّ»؛ إذ تعرّضتا لقذيفة مدفعيّة أودت بحياتهما في أثناء القصف.

طلب جيش الاحتلال عبر مكبّرات الصوت من الأهالي تسليم أيّ قطعة سلاح ناريّ، بوضعها أمام المنزل، وهدّد الاحتلال بإيقاع عقوبات صارمة لمَنْ يحاول المقاومة، ومن ثَمّ سمح للمخابز بالعودة إلى العمل، وتدريجيًّا بدأت الحياة تعود إلى مجاريها تحت واقع مغاير. تفقّدت العائلة مصنعها المقابل للمحلّ، وبعد ذلك رمت التالف من الموادّ، وعاودوا العمل في المحلّ.

إلى وقتنا هذا، يُسمّى الشارع الرئيسيّ في رام الله باسم «شارع ركب»، حيث يتربّع المحلّ في قلب المدينة. وعلى الرغم من التغييرات وطفرة البناء والتوسّع الّتي أصابت رام الله والبيرة، خاصّة بعد عام 1994، لا يزال هذا الشارع العصب الرئيسيّ للتجارة في المدينة. وتخطّط عائلة ركب لبناء مصنع حديث لتطوير صناعة البوظة في فلسطين. ورغم جائحة كورونا (Covid-19)، فإنّ التخطيط جارٍ على قدم وساق، على أن يكون تشييد المصنع في أقرب وقت ممكن.

 

شاحنة شركة ركب المتضرّرة من أثر القصف الإسرائيليّ العشوائيّ عام 1967

 

إذا أردنا البحث في التاريخ الاجتماعيّ لفلسطين، بعيدًا عن الإسقاطات الاستعماريّة وزخرفات العائلات الإقطاعيّة، علينا الالتفات إلى قصص تطوّر الصناعات والحِرَف، الّتي من خلالها تشكَّل الحيّز المدنيّ فيها.

 

 

سعد عميرة

 

 

 

من مواليد القدس، طالب دكتوراه ومحاضر في "جامعة بازل" - سويسرا، باحث في التاريخ الشفويّ والتاريخ الاجتماعيّ المعاصر لفلسطين.

 

 

 

تعليقات Facebook