الشباب والفعل الثقافي: الحركات اللاحزبيّة خطابًا شبابيًّا بديلًا (3/4)

عدسة محمود أبو سلامة

 

في ضوء فقدان الثقة بالأحزاب السياسيّة والنظام السياسيّ، وارتفاع أعداد هجرة الشباب، ظلّ الخطاب السياسيّ الرسميّ وخطاب الأحزاب مُنْحَصِرَيْن في تابعيهما ومناصريهما؛ ممّا دفع الشباب إلى اتّجاهات جديدة في العمل السياسيّ والثقافيّ، ومحاولة التأسيس لخطاب بديل ثقافيًّا وسياسيًّا، وهذه الاتّجاهات - على الرغم من أحقّيّتها - إلّا أنّها ظلّت غير منظّمة لاعتبارات كثيرة، أهمّها: غياب حرّيّة الرأي والتعبير، وتغوّل السلطة السياسيّة على الفضاءات العامّة، ومحاولات فرض الأيديولوجيّة الحزبيّة في الحياة العامّة.

يُعَدّ «الانقسام» بين سلطتي رام الله وغزّة حدثًا فاصلًا في التاريخ الفلسطينيّ، ولّد أزمة أخلاقيّة في المجتمع، حيث ضرب المنظومة الأخلاقيّة، وأدخل مفاهيم جديدة لم تكن موجودة، أنتجتها الخلافات الحادّة بين القوى السياسيّة الّتي امتدّت إلى خلافات أيديولوجيّة وفكريّة بين القوى الإسلاميّة والعلمانيّة، انتقلت هذه الخلافات من أعلى الهرم السياسيّ إلى البنى الاجتماعيّة والقواعد الجماهيريّة. دفعت هذه الظروف الشباب إلى البحث عن البوصلة السياسيّة والثقافيّة خارج فلك الأحزاب السياسيّة، باعتبار أنّ القضايا الّتي تهمّ الأحزاب هامشيّة؛ وهو ما دفع الكثير من الشباب إلى الخروج من الأحزاب، والبحث عن بدائل أكثر وطنيّة تراعي حقوقهم، وتهتمّ بوجودهم، وتؤمن بقدراتهم وحيويّتهم. أسّس الشباب، في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة وأراضي 48 والشتات، الكثير من الحراكات الّتي انصبّ عملها على التثقيف السياسيّ، والمعارضة الناعمة لمنظومات سيطرة النظام السياسيّ.

أنتجت الفضاءات الثقافيّة الشبابيّة بعد الانقسام مساحة جديدة للتثقيف السياسيّ الحرّ، لكنّ ذلك لا يعني بدقّة أنّ الشباب أنتجوا حراكًا سياسيًّا كاملًا، لكنّهم أنتجوا خطابًا ثقافيًّا سياسيًّا ولّد الكثير من الحراكات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة...

في الضفّة الغربيّة، أخذت الحراكات الشبابيّة شكلًا مأسسيًّا إلى حدّ كبير، مثل حركة مقاطعة إسرائيل ومقاطعة منتجات المستوطنات[1]، وهذه الحراكات أخذت مسارًا وطنيًّا وسياسيًّا واضحًا، لكنّه غير مرتبط بالنظام والأحزاب السياسيّة، وكوّن الشباب وعيًا جديدًا يتكيّف مع المرحلة السياسيّة الّتي وصلت إليها القضيّة الفلسطينيّة، من خلال ابتكار أدوات مقاومة جديدة سلميّة ولاعنفيّة، بينما في غزّة أخذت الحراكات الشبابيّة شكلًا ثوريًّا ضدّ حكومة غزّة، فبعد فضّ حراك «15 آذار» 2012 وقمعه لإنهاء الانقسام، زادت حكومة «حماس» من القطيعة بينها والشباب الّذين لا ينتمون إلى المعسكر الإسلاميّ، وزادت فرص الصدام بينهما.

في عام 2014 خرجت مظاهرات الكهرباء في مخيّم جباليا، وامتدّت إلى محافظات قطاع غزّة، نادت بالمتطلّبات المعيشيّة وتوفير الكهرباء والوظائف للشباب، لكن انتهى الحراك بقمع مستمرّ واغتيال معنويّ لكلّ نشطائه. في آذار (مارس) 2019، خرج حراك شبابيّ هو الأكبر والأعنف في غزّة، حمل شعار «بدنا نعيش»، واستمرّ أسبوعًا. هذه الحراكات لم تكن عفويّة، لكنّها في ذات الوقت لم تكن منظّمة من قِبَل حزب سياسيّ أو جماعة سياسيّة، بل بتحرّك شبابيّ فاعل يحمل اتّجاهًا سياسيًّا وثقافيًّا مختلفًا. في أراضي 48 ظلّت الحراكات الشبابيّة منصبّة على رفض محاولات الأسرلة، وعلى التضامن مع الأسرى والمظاهرات الحقوقيّة والرافضة للتمييز العنصريّ والأبارتهايد، لكنّها لم تكن بعيدة عن تفاعلات الشباب في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.

 

حراك سياسيّ أم ثقافيّ؟

أنتجت الفضاءات الثقافيّة الشبابيّة بعد الانقسام مساحة جديدة للتثقيف السياسيّ الحرّ، لكنّ ذلك لا يعني بدقّة أنّ الشباب أنتجوا حراكًا سياسيًّا كاملًا، لكنّهم أنتجوا خطابًا ثقافيًّا سياسيًّا ولّد الكثير من الحراكات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة؛ فالرفض الكبير للأفكار الّتي حاولت حركة «حماس» في غزّة فرضها على المجتمع، لم يكن حراكًا سياسيًّا بل كان قانونيًّا ثقافيًّا، ركّز على تعدّديّة المجتمع والتنوّع الثقافيّ والدينيّ فيه.

 إنّ تبادل الخبرات بين المجموعات الشبابيّة الثقافيّة في جميع مناطق الوجود، أنتج تناغمًا ثقافيًّا جديدًا، لم تكن المؤسّسة الرسميّة قادرة على إنتاجه في ظروف الانقسام.

 

المطالبة المستمرّة بإنهاء الانقسام، والدعوة إلى المصالحة الوطنيّة، لم تكن حراكًا سياسيًّا مباشرًا، بل كان حراكًا اجتماعيًّا ثقافيًّا في الأساس، ركّز على الدعوة إلى إنهاء الشقاق وتوحيد الصفّ، وإصلاح الأعطاب في النسيج الاجتماعيّ، وإنهاء ثقافة نبذ الآخر والتعصّب الحزبيّ والدينيّ؛ إذ إنّ المحاولات الشبابيّة غير المنتظمة راكمت بعضها بعضًا، لتكون خطابًا ثقافيًّا ينادي بالحرّيّة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والدينيّة. نلاحظ ذلك في أفكار الجيل الجديد الناشئ بعد الانقسام واتّجاهاته؛ فَرَصْد الأفكار الّتي ينتمون إليها يختلف كلّيًّا عن الأجيال الّتي نشأت قبل الانقسام السياسيّ.

 

الحراكات اللاحزبيّة فاعلًا سياسيًّا

لم يشكّل الشباب حراكًا ديموميًّا في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، بل مجموعة من الحراكات المتعاقبة الّتي تراكم الفعل السياسيّ الثقافيّ للشباب، حتّى أنتجوا حالة من التغيير والرفض، تمثّل بشكل كبير في الرفض المطلق لاستمرار الانقسام السياسيّ، من خلال فتح قنوات تواصل مع الشباب الفلسطينيّ في مختلف أماكن وجوده[2]، حيث انتشرت المبادرات المشتركة بين شباب قطاع غزّة والضفّة الغربيّة وأراضي 48، وقد مثّلت هذه المبادرات حالة من رفض قيود الفصل الجغرافيّ والتقسيم الاحتلاليّ للجغرافيا الفلسطينيّة، وللثقافات المتباينة الّتي سادت في مجتمعات الانقسام؛ فالثقافة العامّة في الضفّة الغربيّة بعد الانقسام لا تشبه الثقافة العامّة في قطاع غزّة، وكذلك أراضي 48.

إنّ محاولات تقريب وجهات النظر، والتواصل السياسيّ والثقافيّ، وتبادل الأفكار والآراء بين الشباب، أنتجت حالة وطنيّة لافتة. ثمّ إنّ تبادل الخبرات بين المجموعات الشبابيّة الثقافيّة في جميع مناطق الوجود، أنتج تناغمًا ثقافيًّا جديدًا، لم تكن المؤسّسة الرسميّة قادرة على إنتاجه في ظروف الانقسام.

 

الشباب من اللاخطاب إلى الخطاب

لم يأخذ الشباب دورًا أساسيًّا في صناعة القرار على كلّ المستويات السياسيّة والثقافيّة، لا على مستوى النظام الرسميّ، ولا على مستوى الأحزاب والمؤسّسات القاعديّة، حيث تشكّل مشاركة الشباب في صناعة القرار 1% فقط، حسب «مركز الإحصاء المركزيّ الفلسطينيّ» لعام 2018[3]، بل استخدمت الأحزاب السياسيّة الشباب في صراعاتها السياسيّة والأيديولوجيّة والثقافيّة، وجعلتهم أدواتٍ لتنفيذ سياساتهم الانقساميّة والقمعيّة، وبالضرورة أنتج ذلك صراعًا بين الشباب أنفسهم، أولئك الّذين ينخرطون في الأحزاب وغير المنخرطين فيها. وولّد الرفض لواقع الشباب في المجتمع الفلسطينيّ بروز حراكات كثيرة، ومبادرات كثيرة، ونداءات متتالية، لإشراكهم في صناعة القرار والفضاء العامّ، وتقدير جهودهم، خاصّة أنّ فئة المتعلّمين، إلّا أنّ النظام السياسيّ استمرّ في إقصاء الشباب، واتّباع أساليب الاحتواء معهم.

على الرغم من أنّ الشباب لم يشكّلوا خطابًا موحّدًا، ولم يؤسّسوا كيانًا شبابيًّا موحّدًا، إلّا أنّ الخطاب الّذي خلقوه، ولا سيّما عند جيل ما بعد الانقسام، حمل قيمًا وأفكارًا واتّجاهات فكريّة وطنيّة، عبّرت عن الوحدة الوطنيّة، والتعدّديّة السياسيّة...

على الرغم من أنّ الشباب لم يشكّلوا خطابًا موحّدًا، ولم يؤسّسوا كيانًا شبابيًّا موحّدًا، إلّا أنّ الخطاب الّذي خلقوه، ولا سيّما عند جيل ما بعد الانقسام، حمل قيمًا وأفكارًا واتّجاهات فكريّة وطنيّة، عبّرت عن الوحدة الوطنيّة، والتعدّديّة السياسيّة، وقبول الآخر المختلف سياسيًّا وثقافيًّا ودينيًّا وأيديولوجيًّا، والمطالبة بالديمقراطيّة خيارًا للحكم وتداول السلطة، وحمل أيضًا خطابهم السياسيّ مفاهيم أقرب إلى العدالة الاجتماعيّة وحقوق الإنسان، وتظلّ فرص التعبير عن المفاهيم السياسيّة في الفعل الثقافيّ أكثر منها في الفعل السياسيّ، بسبب استمرار تغوّل السلطات، وقمع الحرّيّات، واستمرار إقصاء الأفكار والاتّجاهات الجديدة الداخلة إلى المجتمع الفلسطينيّ.

.....

إحالات:

[1] محمود جرابعة، حركة مقاطعة إسرائيل: الإنجازات، والمعوّقات، والآفاق، مركز الجزيرة للدراسات، 06\05\2011، شوهد في 18\01\2021، في: https://bit.ly/3fg0uQW

[2] أحمد جميل عزم، الشباب الفلسطينيّ من الحركة إلى الحراك 1908-2018، الطبعة الأولى (رام الله: المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّة - مسارات، 2019)، ص 86.

[3] الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، بيان واقع الشباب في فلسطين، 2018، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينيّة «وفا»، https://bit.ly/3fl1Bi9

 

 

كريم أبو الروس

 

 

كاتب وباحث فلسطينيّ، من مواليد مدينة رفح جنوب قطاع غزّة، صدرت له رواية بعنوان «غريق لا يحاول النجاة» (دار خطى للنشر والتوزيع). ينشر المقالات والدراسات في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook