بين شنق سيّد قُطب واغتيال كنفاني

غسّان كنفاني (1936 - 1972)

 

بين إعدام سيّد قطب (1906 - 1966) في 29 آب (أغسطس) 1966 في مصر، وحتّى اغتيال غسّان كنفاني (1936 - 1972) في 8 تمّوز (يوليو) 1972 في بيروت، شهدت الأعين والآذان العربيّة سلسلة قاسية جدًّا من أحداث خلّفت ندبات داكنة وبارزة في الجسد الجمعيّ. على رأسها النكسة في سنة 1967، وما تلاها من استنزاف وإعادة هيكلة الخرائط والحدود، من ثَمّ أحداث أيلول الأسود في الأردنّ، الّتي اندلعت في أيلول (سبتمبر) 1970، وموت جمال عبد الناصر في نفس الشهر (أيلول 1970)، إلى توغّل الاغتيالات الإسرائيليّة للقيادات والمثقّفين الفلسطينيّين، الّتي سلبت حياة الأديب والفنّان غسّان كنفاني وابنة أخته لميس نجم (17 سنة). منذ آب (أغسطس) 1966 حتّى تمّوز (يوليو) 1973، هي زهاء ستّة أعوام يرجع اختيار بدايتها ونهايتها على محور التاريخ للسؤال: "ما المشترك بين شنق أديب ونسف أديب آخر؟".

 

بين قطب وكنفاني 

اتُّهم سيّد قطب بأنّه من المخطّطين لاغتيال الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر، وسُجن مرّتين؛ الأولى بعد حادثة المنشيّة في 1954 لمدّة عشر سنوات، والثانية في 1965 فيها أُصدر حكم إعدامه شنقًا. خلال هذه السنوات استمرّ سيّد قطب في الكتابة والإنتاج، رغم ظروف السجن الصعبة من التعذيب والتنكيل. من السهل ملاحظة تأثير السياق في هذه الحالة – ظروف السجن والملاحقة - في فِكر سيّد قطب وكتاباته؛ فهو الّذي بدأ سيرورته ناقدًا أدبيًّا انتهى به المطاف إلى التنظير الدينيّ، وإلى محاولات التفسير القرآنيّ الّتي قد تكون أشبه بالنقد الأدبيّ للقرآن على أنّها تفسير تقليديّ. بهذا؛ أي بمحاولات التأويل المستقلّة المستخدِمة لأدوات النقد الأدبيّ الحداثيّة (انظر كتابيه «التصوير الفنّيّ في القرآن» (1945) و«في ظلال القرآن» (1978))، فإنّه بالإمكان القول إنّ سيّد قطب كان ذا نهج متمرّد على التراث، ومُجدّدًا بعض الشيء؛ فهو لم يمنع نفسه من الكتابة والنشر بهذه المواضيع الحسّاسة، بالرغم من أنّه لم يتلقّ التأهيل التقليديّ الملائم لها.

بدأ قطب سيرورته ناقدًا أدبيًّا انتهى به المطاف إلى التنظير الدينيّ، وإلى محاولات التفسير القرآنيّ الّتي قد تكون أشبه بالنقد الأدبيّ للقرآن على أنّها تفسير تقليديّ

في المقابل، وفي عالم مُوازٍ، في هذه السنوات - أي الخمسينات والستّينات - كان غسّان كنفاني مهاجرًا من سوريا إلى الكويت، ومن ثَمّ إلى بيروت. في هذه السنوات عمِل كنفاني الشابّ في التحرير وفي الثقافة، وألّف أبرز أعماله: «أرض البرتقال الحزين» (1962)، و«رجال في الشمس» (1963)، و«عائد إلى حيفا» (1969). بشكل معاكس لتقلُّب هويّة سيّد قطب الفكريّة، كان غسّان صاحب رسالة حادّة وواضحة في كلّ مراحل حياته؛ إذ شكّلت القضيّة الفلسطينيّة مركز كينونته، وتربّعت في لُبّ أعماله – "إذا كنّا مدافعين فاشلين عن القضيّة... فالأجدر بنا أن نغيّر المدافعين، لا أن نغيّر القضيّة"؛ فالحرمان من الوطن، ومن السيادة، والحياة المتنقّلة في الشتات بين أوطان الآخرين، هي عوامل تجعل من الفلسطينيّ المُهجّر ابن النكبة مهووسًا في قضيّته منذ نعومة الأظافر. أمّا من ناحية الإنتاج الأدبيّ والفكريّ الّذي قدّمه كنفاني، فقد ساهم غسّان في تصميم وعي أجيال كاملة على العُمق القيميّ في رواياته. إنّه هو من أوّل من بدأ بمسيرة تفكيك الشخصيّة العربيّة الفلسطينيّة المهزومة وتحليلها: أبو الخيزران المنكوب والـ’مخصيّ‘ في «رجال في الشمس»، أو الجدليّة في «عائد إلى حيفا»، بين شخصيّات ’دوف‘ المُتأسرِل الفاقد الهويّة المنقطع عن التراث، وبين سعيد وصفيّة اللذين يحاولان فهم ماضيهما وما خسراه في فعل شجاع ومُواجِه.

في نظرة كلّيّة إلى إنتاجه، لا بدّ من أنّ حياة غسّان كنفاني غدت أنموذجًا للرجل الفلسطينيّ الخارق؛ فقد كان يحرّر ويكتب ويُنتج أدبًا للبالغين وللأطفال، ويرسم وينحت، وكلّ هذا الزخم في عمر يناهز الـ36 عامًا إبّان اغتياله.

 

مساران متوازيان 

ممّا هو مثير للاهتمام توجّه الأديبَين، سيّد قطب وغسّان كنفاني، إلى إنتاج أدب الأطفال خلال سيرورتهما الأدبيّة. أنتج سيّد قطب قصّة «المدينة المسحورة»، وبعدها بنحو عقد أنتج كنفاني قصّة «القنديل الصغير». في إنتاجهما لأدب الأطفال، ثمّة رمز واضح برغبتهما في التأثير الفوريّ والعميق في واقعهما عن طريق الثقافة والأدب. لكن سرعان ما تخلّى الاثنان عن الاستمرار في ذلك من أجل التفرّغ لأدب ’البالغين‘، وكأنّهما مرّا بسيرورة أدبيّة وفكريّة واحدة.

التحرّكات الفكريّة والأسلوبيّة في إنتاج سيّد وغسّان، كغيرهما، مرتبطة بالتغيّرات السياقيّة الّتي مرّا بها. سيّد قطب، بالرغم من تأييده لثورة الضبّاط الأحرار في بدايتها، إلّا أنّه غدا مُعارضًا شرسًا لنظام جمال عبد الناصر بعد اصطفافه في تيّار الصحوة الإسلاميّة، ومع حركة «الإخوان المسلمون» في مصر، وهو ما أدّى في النهاية إلى سَجنه وإعدامه. في تلك الفترة بالإمكان رؤية تأثير الأسر والتعذيب في إنتاجه الفكريّ، من «المدينة المسحورة» و«التصوّر الفنّيّ في القرآن»، إلى «في ظلال القرآن» و«معالم في الطريق».

في «رجال في الشمس» (1963)، طغا الضعف والهزيمة واللا حيلة على شخصيّاته الرئيسيّة مثل أبي قيس وأبي الخيزران، بينما في «عائد إلى حيفا» (1969) يمكن ملاحظة زمام المبادرة، واسترجاع الرغبة...

أمّا كنفاني، فمن المثير رصد تطوّر رؤيته وأفكاره وفق التغيّرات في معالم الشخصيّات المركزيّة في مؤلّفاته الأدبيّة. مثلًا، في «رجال في الشمس» (1963)، طغا الضعف والهزيمة واللا حيلة على شخصيّاته الرئيسيّة مثل أبي قيس وأبي الخيزران وغيرهما، بينما في «عائد إلى حيفا» (1969) يمكن ملاحظة زمام المبادرة، واسترجاع الرغبة والكلام عن تحديد المصير عند سعيد وصفيّة، في عودتهما إلى ماضيهما (حيفا)، واكتشافهما المتمثّل في الاقتباس "لقد أخطأنا حين اعتبرنا أنّ الوطن هو الماضي فقط، فالوطن هو المستقبل". وإذا رجعنا إلى العوامل السياقيّة المؤثّرة في الإنتاج الأدبيّ، فبين «رجال في الشمس» وبين «عائد إلى حيفا» حدث الكثير في العالم العربيّ، من أهمّه انتكاسة الـ67، وتسليط الأضواء والآمال على الذات، أي «منظّمة التحرير الفلسطينيّة».

 

خلود ما بعد الإفناء 

فِعل إنهاء حياة الكاتب أو المفكّر لطالما كان فِعلًا متطرّفًا صاحب تبِعات متطرّفة؛ فليس صدفة أن يُقتل ويُغدَر الأنبياء على يد الهيمنة الّتي جاؤوا لإصلاحها، ولا يوجد نبيّ لم يقدّم التضحيات الصعبة الشديدة المرارة. وربّما يكون فِعل القتل أو التنكيل بالنبيّ هو ما يجعله نبيًّا في أنظار البسطاء من حوله؛ فاعتبار سقراط في رتبة الأنبياء بعد إعدامه قد يكون دليلًا على ذلك. لذا؛ بالرغم من نيّة الجهة المهيمنة لِكَمّ فم المتكلّم، ما يحصل بالفعل هو رفع من رتبته ليصبح بطلًا أو شهيدًا أو نبيًّا، وبهذا تخليد أعماله وأفكاره أيضًا. تكون عمليّة التخليد هذه عن طريق ردّة الفعل المضادّة الطبيعيّة للفعل السلطويّ العنيف المتمثّل بقتل الأديب، وهي نشر أعماله وإعطاؤها قيمة تعلو مثيلاتها من مثقّفين آخرين لم يقدّموا تضحيات مشابهة؛ فحكمة الإنسان البسيط تقول بأنّ من يُقتَل أو يُنكَّل به أو يُهجَّر أو يُنفى؛ من أجل أفكاره، حتمًا تستحقّ أفكاره الاحترام والقراءة. تبعًا لذلك، ربّما أكبر خدمة يمكن تقديمها لأفكار المثقّف هي قتل - أو إعدام - صاحبها على يد جهة ’رسميّة‘.

رغم ذلك، ففي إعدام سيّد وغسّان واغتيالهما ما يبعث الأسى العميق. قد تكون أفكارهما قد خُلّدت، لكنّ مشاريعهما لم تكتمل، ولا أقصد هنا مشاريعهما الجمعيّة، بل أعني بالخصوص مشاريعهما الذاتيّة في نموّهما ونضوجهما الفكريّ. الأسئلة الّتي بقيت مفتوحة إلى الأبد بهذه الحالة هي كثيرة وثقيلة؛ أسئلة قد تكون إجاباتها بمنزلة شهادات على تأثير السياق في فكر الإنسان وعاطفته وإبداعه، وهي حيويّة لفهمنا المثقّف أو الأديب المغدور على بساطته الإنسانيّة، ولنزع الأسطرة عنه، ولإزاحته عن خانة المثاليّة والنبوّة.

في إعدام سيّد وغسّان واغتيالهما ما يبعث الأسى العميق. قد تكون أفكارهما قد خُلّدت، لكنّ مشاريعهما لم تكتمل (...) بالخصوص مشاريعهما الذاتيّة في نموّهما ونضوجهما الفكريّ...

 لنزع الأسطرة وهالة النبوّة عن المثقّف أهمّيّة كبيرة في عصر ما بعد المعجزات؛ عصر الحداثة والمدن الكبيرة العالميّة المتغيّرة الّتي لا تتناغم والأصنام الصلبة والثابتة. تكمن هذه الأهمّيّة في شهادة حياة المثقّف على إنسانيّته وعدم كماله؛ لتقول هذه الشهادة لجماهيره إنّ عليهم إكمال المسيرة الفكريّة بالتشكيك والتفكيك والترميم، وإعادة البناء للقِيم والثقافة. لذا؛ يمكنني ادّعاء أنّ في قتل الأديب والمثقّف ما هو مُصَنِّم للثقافات، وما هو مُبطِئ لعجلة الزمن والتقدّم. وربّما، ولهذا السبب تحديدًا، علينا إعادة أنسنة رموزنا؛ عن طريق فهم سيروراتهم وحدودهم وفق سياقاتهم الاجتماعيّة والنفسيّة والتاريخيّة.

 

* تُنْشَر هذه المقالة ضمن ملفّ خاصّ لمناسبة مرور خمسين عامًا على اغتيال الشهيد غسّان كنفاني على يد الاستعمار الإسرائيليّ، تُنْشَر موادّه على مدار شهر تّموز (يوليو) 2022.

 


 

تسمية

 

 

 

باحث ومدرّب وناشط. متخصّص في علوم الدماغ (بيولوجيا وعلم نفس)، وعلم النفس الإدراكيّ اللسانيّ. يدرس حاليًّا ضمن برنامج الدكتوراه في الدراسات الإدراكيّة اللسانيّة، في «جامعة تل أبيب». معلّم بسيخومتري منذ 2007، ومدرّب للدبكة التراثيّة الفلسطينيّة.