هويّة جديدة للأدب... بفعل التكنولوجيا

لم يتخيّل أحد من معمّري المشهد الثقافيّ العربيّ، أو حتّى من صانعيه ومبدعيه، أنّ مطلع القرن الواحد والعشرين سيشهد مثل هذا التناقل جنونيّ السرعة للمنتج الإبداعيّ، في مختلف مجالاته، ومن ضمنها الأدب. إذ صار بإمكان أيّ مهتمّ أن يحصل على الفرصة الكافية لمتابعة كتابات وأعمال أيّ مبدع، بل والاحتفاظ بمنتجه. كلّ ما عليه أن يمتلك خطّ إنترنيت وشاشة صغيرة، ليكون في عمق تجربة كثير من المبدعين، بل والتواصل معهم بالدردشة عبر موقع 'فيسبوك' مثلًا، والتعليق على منتجاتهم.

يغيّرون العالم

ميرفت جمعة

كتب خالد عزب في إحدى مقالاته: 'بعد قفزات مذهلة في التقنيّات الرقميّة، لم تَعُد المسألة بالنسبة إلى الأدب تتمثّل في اعتراف، أو استفادة، أو حتّى لهاث. إذ تتجّه هذه التكنولوجيا إلى ما يشبه وضع الهيمنة التامّة على مرافق الحياة اليوميّة ومستوياتها، ما يعتبر تصديقًا معاصرًا لمقولة أحد مفكّري القرن الـ 19 إنّ ‘التكنولوجيّين هم الذين يغيّرون العالم، لا الفلاسفة‘. وفي مثل هذا الوضع يجد الأدب نفسه بين اختيارين، أحلاهما مرّ: إمّا الدخول تحت عباءة التكنولوجيا، أسوة بأنواع النشاط الفكريّ والعلميّ للإنسان، وإمّا أن يقبع في زاوية محصورة جدًّا، ويقنع بالدفء الداخليّ والحدّ الأدنى من الإشعاع'.

ولا يمكن تجاهل ما أضافته التكنولوجيا إلى مرافق الحياة كافّة، من سرعة في تناقل المنتج والمعلومة، وفائض في المعرفة الإنسانيّة عبر العصور. وهذا ينطبق على الموروث الأدبيّ، فقد أصبح من السهل اقتحام عالم المعرفة من خلال المكتبات الرقميّة المتوفّرة على شبكة الإنترنيت، مثلًا.

قد يرى البعض في هذا الواقع جنونًا، أن يكون الإنتاج الإنسانيّ مادّة سهلة في يد المتلقي، من دون مشقّة أو عناء يذكر، وكأنّ المبدع يدحرج كرة المعرفة إليك حال ملئها بهوائه، وما عليك إلّا أن تداعبها وتركلها إلى ملعب عقلك بكلّ هدوء.

سائل دافئ

ساهمت تعدّديّة منصّات النشر الإلكترونيّ، من وسائل تواصل اجتماعيّ، ومواقع مهتمّة بالثقافة، وغيرها، في حمل الطريق إلى أقدام الكاتب المبتدئ، وتسهيل حصوله على فرصة لعرض منتجه، ما أدّى إلى اكتشاف العديد من الكتّاب المغمورين، وانتشار المتابعات اليوميّة لما ينشرونه.

ربّما سكبت التكنولوجيا سائلًا دافئًا حول الهالة المفترضة المحيطة بـ 'مجمع الكتّاب'، فأذابت تحجّرها، وهي التي كان من الصعب تخطّيها والانخراط فيها إلّا بعد بذل جهد كبير.

كما أنّ كثرًا من الكتّاب كانوا منعزلين، يقتصر ظهورهم على شكل قارب بعيد في البحر، لا يكاد المتلقّي يلمحهم إلّا في مناسبات لا يتسنّى للجميع حضورها، لكنّ فيضان التكنولوجيا دفعتهم إلى القفز في المياه، ومواصلة الانطلاق، فمَنْ لا يلتحق بالركب يكون منقطعًا عن الحداثة!

تطفّل

شيماء زعرور

أمّا عن الجانب المعتم للتكنولوجيا وأثرها السلبيّ في الإبداع، فإنّ كثرًا ممّن لا يمتلكون ملَكته ومقوّماته يتطفّلون عليه، فلا يضيفون إلّا أشواكًا تُغرس في جسد الثقافة العربيّة. وقد ساهمت في تفشّي ذلك، في مجال الأدب تحديدًا، دور نشر لا تفرض معايير وشروطًا نقديّة ومهنيّة على النصّ، ليكون ناضجًا ويستحقّ أن يُتداول.

كما أنّ توفّر المبدع اليسير عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، وزوال المسافة بينه والمتلقّي، أدّى في بعض الأحيان إلى فقدانه هيبته التي كان يحظى بها في نظر متابعيه ومحبّيه. بالإضافة إلى أنّ الإقبال على إصدارات الكاتب بسبب توفّر منتجه الإبداعيّ في المنابر المختلفة على نحو دائم، قلّ، فالمتلقّون يفضّلون، غالبًا، ما هو مجّانيّ، كما أنّ كثرة عرض المنتج ووفرته يقللان من شغف وفضول الحصول على إصدار ما للاطّلاع على محتواه.

وهنا لا بدّ من طرح سؤال: هل حدّت التكنولوجيا من ضعف القراءة في المجتمعات العربيّة؟ والتي كانت تركن في قاع محيط العادات اليوميّة، فنقلتها من فكرة التلاشي إلى فكرة الإنبات من جديد بفعل الشاشة المتاحة، فصارت، إلى حدّ ما، عنصر ترفيه يوميّ للمتلقّي؟

انفكّ السحر

ميرفت جمعة، روائيّة فلسطينيّة كانت ممّن ساهمت التكنولوجيا في توفّر إبداعها وانتشاره، وبالتالي اتّجاهها نحو طباعة روايتي 'ما وراء الجسد' (2014) و'ماميلّا '. تقول في ما يتعلّق بتأثير التكنولوجيا في الأدب:

'كان ثمّة حرص دائم من الكاتب على ألّا يخون طقوس الكتابة المعهودة لديه بأيّ شكل، خوفًا من أن تهرب غزالة الإلهام بعيدًا، فلا يعود من السهل اصطيادها، لذلك، تجد الكاتب يتصرّف كصائد الغزلان، فهو حريص على وحدته، وحزنه، وصمت فجره، وانفتاح روحه على الكون، كما أنّه يعشق أدوات الكتابة ويخلق بينهما حميميّة عميقة، وهو شديد الحساسيّة تجاه كلّ ذلك، فصيد غزلان الدهشة يستلزم الصبر، والمران، والتوقيت. الآن، في عصر السرعة، وبوجود التقنيّات التكنولوجيّة الحديثة، انفكّ السحر، وأصبح الأمر بمثابة استحضار لمزاج الكتابة من خلال المنبر الإلكترونيّ، وهو يحدث في أيّ وقت وتحت أيّ ظرف، فالصور التي تعرض لعين الجمهور، مثلًا، قد تستفزّه لكتابة نصّه المتسرّع، الذي لا يمتلك من النضج ما يتطلّبه ليصير نصًّا إبداعيًّا'.

وعن الحنين لرائحة الكتاب الورقيّ، تقول جمعة: 'شيئًا فشيئًا، فقدت الكتب رونقها ورائحتها المعتّقة، وسكن عثّ النسيان بين صفحاتها، وهكذا، ومثل الأغاني الحديثة، صار بإمكان أيّ شخص لديه مهارات تكنولوجيّة أن يروّج لنتاجه بسرعة البرق، وهو أمر كان من المجهد تحقيقه في الماضي، كما أنّ ذلك عزّز ثقافة ’الكيتش‘، وتعمّدت أن أدرجها كما تقال، فهي لفظة تطلق على العمل الأدبيّ الزائف، وعلى كل ما هو زائف من حولنا، وكان عليّ ألّا أحاول تجميلها'.

القارئ بوصلة

كاظم خنجر

وعن أثر التكنولوجيا في تكوين هويّتها الأدبيّة، تقول جمعة: 'شهدتُ ولادة التكنولوجيا وتخوّف الناس منها، وكأنّها لقيطة حذفت بباب البيت الشرقيّ، ورأيت كيف أصبحت مع الوقت ساكنًا أصليًّا في بيوتنا، عدا عن كونها مقياسًا من مقاييس الافتخار، والنجاح، والعالميّة، فمع كلّ ما ذكرت من سيّئات وتخوّفات من الدخول السلس للتكنولوجيا في حياتنا، فنحن لا ننسى فضل الأجهزة الذكيّة التي سهّلت للكاتب الشابّ عدّة أمور، أهمّها إمكانيّة أن يروّج لنفسه من دون حاجة للأبواق الثقافيّة المعروفة، والتي قد تستخدم مزاجها الخاصّ، أحيانًا، على حساب المضمون، كما أنّها يسّرت التلاحم مع القارئ في أيّ وقت، وسماع رأيه وتقييمه الدائم، وهكذا يصبح القارئ، لا الناقد، بوصلة الكاتب، وهو أوّل المتلقّين لبوحه، وهذا يؤثّر في نوعيّة الكتابة التي ستصدر عن الكتّاب الشباب لاحقًا، ما من شأنه أن يزيل التوتّر الذي يسبّبه حرّاس النصوص القساة، والذين بلا شكّ يطردون غزالة الدهشة من النصّ. كما أنّ التكنولوجيا، وكأيّ وسيلة إعلام جماهيريّة، جعلت الكاتب يستشفّ مزاج الشارع. وذلك، على ’علّاته’، كما في حالة الكتابة المتسرّعة والانفعاليّة، مفيد إن استطاع الكاتب، الروائيّ بخاصّة، أن يجيّره لحساب احتمالات وجوديّة حالمة، لكن بأدوات واقعيّة. ومع كلّ ذلك، يبقى النصّ الغنيّ، الخفيّ، البتول، محافظًا على قيمته، وعمره أطول من عمر الأدب في زمن الـ ’تيك أواي’. و أستطيع أن أجزم بأنّ ثمّة كاتب ما زال يحبّ أن يقبع بين رفوف الكتب مستلذًّا، كأنّه يجلس في فيء شجرة مثمرة، حتّى في وقتنا هذا. لهذا الكاتب تحديدًا أحبّ أن أقرأ'.

انتزاع القداسة

أمّا الكاتبة التونسيّة شيماء زعرور، فقد تناولت الموضوع من جانب آخر، قالت: 'ممّا لا شك فيه أنّ التكنولوجيا الحديثة لها دور في تكوين الهويّة الأدبيّة، لكنّنا يجب ألّا نغفل عن حقيقة أنّ هذا الدور ثنائيّ. انطلاقًا من تجربتي الخاصّة، قدّمت لي التكنولوجيا، بما تتضمّنه من مواقع أدبيّة، الكثير الكثير، إذ أتاحت إيجاد الكتب التي يصعب العثور عليها، وكذلك النشر. لكن في الوقت نفسه، أصبح كثيرون ممّن يفتقرون للمواهب والقدرة على الكتابة، ينشرون ما يحلو لهم'.

وأضافت: 'يعدّ موقع فيسبوك تحديدًا، ملاذًا لكلّ مَنْ لا موهبة له، ولهذا أثر سلبيّ في الأدب العربيّ بعامّة. نعم، أتاحت لنا التكنولوجيا الحديثة فرصة التعرّف إلى أقلام مبدعة من جهة، لكنّها انتزعت من النصّ قداسته من جهة ثانية'.

صياغة الشكل المعرفيّ

الشاعر العراقيّ كاظم خنجر، والذي وضعت التكنولوجيا اسمه بين أبرز الشعراء على موقع 'فيسبوك'، وقد صدر له كتاب 'نزهة بحزام ناسف' (2016)، أفادنا حول الموضوع بقوله:

'أدّت وسائل التواصل الاجتماعيّ دورًا مهمًّا في تغيير بوصلتي في التعامل مع الثقافة، استقبالها وطرحها، فـ ’الفيسبوك’ تحديدًا قدّم لي تلخيصًا شاملًا لمعنى الثقافة، إذ أعدّ الأصدقاء الذين في لائحتي مراجع معرفيّة لي، ولا سيّما أنّهم متعدّدو التخصّصات، أطّلع على ما يفكّرون به كلّ يوم. من ناحية أخرى، أكتب كلّ ما أريده مباشرة على ’الفيسبوك’، ليحدّد المتلقّي بعد ذلك أهمّيّة ما أكتب، وأنا أثق بآراء أصدقائي ومن يتابعونني. لذلك كلّه، تؤدّي التكنولوجيا، ولا سيّما وسائل التواصل الاجتماعيّ، دورًا محوريًّا في صياغة الشكل المعرفيّ الكلّيّ، على الأقلّ لدى المبدعين الجدد'.

إنّ ما سرقته التكنولوجيا من الأدب بخاصّة، ومن المنتج الإبداعيّ بعامّة، وما أضافته لهما، يُبقي الباب مواربًا على الحالة الجدليّة في عمق التجربة الإبداعيّة، وما قد تؤول إليه في مستقبل أصبح معلّقًا بالهواء في ما يخصّ هذه التجربة. فلا أحد يعرف إلى أين ستنتهي حدود الحالة، في ظلّ تخليق مستمرّ للمنتج الإبداعيّ المهجّن بفعل توفّر الإحالات المتنوّعة، ومن خلال التفاعل المستمرّ للمبدعين عبر وسائط التكنولوجيا.

 

حسام معروف

 

شاعر ومحرّر. عضو هيئة تحرير مجلّة 28 الغزّيّة، ويدير أنشطتها. يدير صفحة بيانات الأدبيّة على 'فيسبوك'. عضو مؤسّس في التجمّع الشبابيّ من أجل المعرفة 'يوتوبيا'. حاصل على جائزة متحف محمود درويش عن قصيدة النثر (2015)، وجائزة مؤسّسة بدور التركي للتنمية الثقافيّة (2015) والتي صدرت في إطارها مجموعته الشعريّة، 'للموت رائحة الزجاج'.

تعليقات Facebook