جينز، حزام أسود، وطاقيّة صوف!

أسرى سياسيّون فلسطينيّون | b48.club

 

من غرائب وعجائب أنظمة وقوانين سلطة السجون الإسرائيليّة، ما يُسمح للأسير وما يُمنع عليه إدخاله من ملابس وأغراض شخصيّة إلى السجن. طبعًا لا غرائب ولا عجائب، بل سياسة واضحة تستهدف عزل الأسير عن كلّ ما كان يمثّل الحياة الطبيعيّة والاعتياديّة، مثل أن تقوم صباحًا وترتدي بنطالًا مع قميص، كما اعتدت أن تفعل طيلة حياتك. هكذا يجعلونك في توق شديد لأبسط الأمور، إنّه نوع من التنكيل والاضطّهاد النفسيّ، لعلّه أبشع من الاضطّهاد الجسديّ والأسر ذاته. هكذا تجد أسيرًا قضى 10 سنوات في السجن يعتزّ بقلم "باركر" نجح في الحفاظ عليه سنوات طويلة، وآخر يحتفظ بقميص نُصّ كُمّ مع جيوب خارجيّة وأزرار، يحافظ عليه معتزًّا به كأنّه أثمن ما يملك. إنّها طريقتهم لمقاومة هذا العزل، وللاحتفاظ بإنسانيّتهم على الرغم من صرامة القيود والأنظمة.

كنت أرتدي بنطال جينز عاديّ لدى دخولي السجن بتاريخ 2 حزيران (يوليو) 2017، أخذوه منّي ليعطوني لباسًا بنّيّ اللون، وقالوا إنّهم سيعيدونه إليّ بعد فترة. بعد أكثر من شهرين، أعادوا الجينز، والأهمّ الحزام الأسود الذي كان معه، وكان ذلك كمن يستلم كنزًا ثمينًا. بعد "خبرة" شهرين في السجن، أدركت معنى هذه المسألة، فاحتفظت بهما للمناسبات المهمّة!

عندما كنت أخرج للفورة لابسًا بنطال الجينز مع أيّ كنزة عاديّة، كان الأمر يلفت أنظار الجميع، فيبدؤون بالتساؤل: "لوين مشخّص دكتور؟" وإذا كان الجينز مع حزام أسود، فعندها يكون فعلًا حدثًا ذا شأن، لأنّ إدخال الحزام مع الإبزيم إلى السجن ممنوع منعًا باتًّا، ولا أعرف كيف ارتكبت الإدارة هذا الخطأ الفظيع فأعادت إليّ الجينز مع الحزام!

ربّما من الصعب أن يفهم حقيقة ما وصفت، والحالة النفسيّة المترتبة عليها، وكلّ حيثيّاتها الرمزيّة، مَنْ لا يقضي كلّ وقته مرتديًا إمّا ملابس الرياضة، أو ملابس النوم، أو ملابس السجن بنّيّة اللون خلال زيارات الأقارب ولقاءات المحامين.

نقلوني قبل شهرين من سجن الجلبوّع، وبعد أن أمضيت أكثر من ثلاثين ساعة في البوسطات والمعابر في سجون الرملة وبئر السبع، وصلت مرهقًا من دون نوم تقريبًا لسجن رامون الصحراويّ. فتّشوا أغراضي وملابسي قطة قطعة، وعلى الرغم من التعب والإنهاك الشديد، لاحظت فورًا اختفاء بنطال الجينز والحزام، فلا بدّ أنّهم صادروه، أو قل سرقوه، عند خروجي من الجلبوّع!

يسمحون لأهل السجين إدخال ملابس له مرّتين في السنة، رسميًّا، لكن في الواقع، يُسمح لهم إدخالها مرّة واحدة كلّ 3 شهور على الأغلب. كنت أنتظر موعد إدخال الملابس الشتويّة بشيء من الخشية والترقّب، خوفًا من منع إدخال بعضها، ولا سيّما الداخليّة المقاومة للبرد والصقيع، التي أستخدمها منذ سنوات وقاية من أوجاع الظهر التي تزداد حدّة مع البرودة. طاقيّتي أهمّ ما كان في بالي، تلك السوداء المصنوعة من الصوف، التي اعتدت عليها شتاءً منذ عشرات السنين، بعد أن خفّ شعر رأسي حتّى اختفى كلّيًّا، فصارت الرأس مكشوفة تمامًا للبرد والصقيع. بعد دهر من اعتمار الكوفيّة ومختلف أنواع الطواقي أيّام الشباب، وجدت أنّ الحلّ الأمثل طاقيّة الصوف الإنكليزيّ الأصليّ، مع الكاسكيت الأماميّ باللون الأسود.

عندما شاركت رفاقي وزملائي في الجلبوّع مخاوفي بشأن إدخال الطاقيّة، أبلغوني أنّه لا أمل على الإطلاق في السماح بإدخال الطاقيّة، أوّلًا لأنّه ممنوع إدخال طواقٍ للسجن، وثانيًا لأنّ طاقيّتي هذه بالذات، تحوّلت مع المعطف الأسود الطويل خلال أيّام الاعتقال الأولى والمحاكمات لتمديد الاعتقال، إلى رسم نضاليّ يلازمك وفق ادّعائهم! ولذلك، فلا يعقل أن يسمحوا لي بإدخالها. لم أفاجا عندما منعوني فعلًا من إدخال الطاقيّة، لكنّني بدأت أحسب للبرد القادم ألف حساب!

عندما جاء نقلي المفاجئ لسجن رامون، وخلال السفر في البوسطة، ولا سيّما خلال ساعات الانتظار في الأقفاص بسجن الرملة، كان البرد يقرص رأسي ليذكّرني بضرورة الطاقيّة الماسّة. تحدّثت في الموضوع إلى أصدقائي ورفاقي في الغرفة الجديدة، فبادر شادي، صديقي الذي قضينا معًا أشهرًا في الجلبوّع قبل أن ينقلونا إلى رامون، وقد عرفته خيّاطًا ماهرًا، فوعدني بطاقيّة سيخيطها خصّيصًا لي. لكن سرعان ما انتقلت إلى قسم آخر في السجن، ومع النقل، نسيت موضوع الطاقيّة. بعد أيّام زارني المسؤول التنظيميّ، إذ يسمحون لمسؤولي التنظيمات بالتنقّل بين الأقسام وزيارتها، ومعه هديّة ثمينة ورسالة؛ أمّا الهديّة، فكانت طاقيّة صوف من تصميم وخياطة شادي... جرّبتها فوجدتها صغيرة قليلًا، لكنّها تفي بالغرض. لقد فرحت بها فرحًا شديدًا!

في رسالة كتبها أحد الرفاق المخضرمين، عبّر عن تخوّف الرفاق في الخارج من أنّ الطاقيّة، تلك التي لم مُنِعَت من الوصول إليّ، كبيرة على رأسي، فهم لم يتمكّنوا من تقدير القياس، وبعد المشاورات المكثّفة والنقاشات حامية الوطيس، قرّروا أن يؤخذ القياس على رأس الرفيق خالد، معتقدين أنّها أكبر من رأسي، وكانوا يخشون من أن تكون واسعة، واقترحوا إعادتها للتضييق إن كان يمكن ذلك.

أرسلت إليهم رسالة أعبّر فيها عن امتناني الشديد، وتقديري اللّامحدود، على هذه الهديّة الثمينة، واختتمتها بالقول إنّه جاء الوقت لكي يعرفوا بأنّ رأسي أكبر رأس في المنطقة!

 

باسل غطّاس

 

قائد سياسيّ وبرلمانيّ فلسطينيّ سابق من أراضي 48. يقضي حكمًا بالسجن مدّة عامين في المعتقلات الإسرائيليّة بتهمة معاونة أسرى سياسيّين فلسطينيّين. حاصل على الدكتوراه في الهندسة البيئيّة من معهد 'التخنيون'، وله مؤلّف بعنوان 'بلا هوادة'، صادر عن مكتبة كلّ شيء عام 2017.

 

 

تعليقات Facebook