ثلاث برقيّات غير مستعجلة على الإطلاق

Arthur Morris

 

(1)

برقيّة إلى الشاعر

اللعنات الّتي تصيب الشاعر، أفكار لنصوص مؤجّلة...

مثلًا:

أن يتعثّر بحصاة قليلة في الشارع العامّ، فيكتب كيف تتساقط الأسماء من آذان المارّة، وتتحوّل إلى حجارة صغيرة، وكيف تأخذها العصافير لتسند عشّها الجديد، وكيف ستكون مشهدًا يوميًّا للفراخ يذكّرها بالبيت، وتبقي أصحاب الأسماء في حالة انتباه مستمرّة، كلّما نادت الفراخ منقارَ أمّها.

أن تنكسر شوكة الطعام وهو يتناول وجبة الغداء، فيتذكّر أنّ هذه الشوكة كانت فيما مضى رمح صيد، وأنّه كان صيّادًا، لكنّه دجّنها، تمامًا كما دجّن الوحشيّ النائم في عروقه، حين أعطاه جرعات مخدّر ضخمة من الحضارة، وكيف في طريق عودته، سيرى أيّ شجرة على أنّها كانت بيته ذات يوم، وكيف يصيبه حنين فجائيّ إليها.

أن تندلق القهوة على قميصه الجديد، فيعتقد أنّ ذلك صحو زائد سال مباشرة على قلبه، فيركض صوب أمّه، يتكوّر في حضنها، ويرفض أن تنظّف له القميص. يخاف هذا المسكين أن يصحو مرّة ثانية في عزّ صحوته، ويعود يراها عجوزًا تبتلع الكثير من الأدوية، يخاف ألّا يكتب مرّة أخرى عن الصحو.

أن يشتبك بشجار في الشارع العامّ، ويكتشف أنْ لا قدرة لديه على تحمّل لكمات جديدة في حياته البائسة، يرى أنّ كلّ لكمة تعود به كشريط سينمائيّ، إلى حبيبته الّتي هاجرت، بعد أمّ ملّت مزاجيّته المفتعَلة، وأبيه الّذي طرده من المنزل، لأنّه كتب عن ابنة الجيران، وأخيه الّذي سرق مكانه في العائلة، وتركه يعيش في غرفة مُستأجَرة، وكتبه الّتي باعها ليشتري علبتين من السجائر وربطة خبز، فيهرب، ثمّ يهرب، ويهرب، تمامًا كما هرب من كلّ اللكمات الّتي سبقت هذا الشجار العابر في الشارع العامّ.

 

 

(2)

برقيّة من الله

نحن الّذين خرجنا من الوسائد إلى المقبرة - ومثل "أهل الخطوة" - بلمحة عين نمنا في حُفَر أعدّوها لنا مسبقًا، لم نشتِمْ أزمة سير واحدة في أيّ شارع، فليس في طريقنا إلى النهاية، سيّارات تمارس الملل والحَرّ، وصوت مذيعة الراديو ثقيلة الظلّ.

ولا وقت لنقرأ أسماء المحالّ التجاريّة على الجانبين، استيقظنا من النوم ولم يرتطم رأسنا بأيّ مستقبل قريب.

كذبوا علينا... وقالوا إنّ الله هناك في الأعلى، وكنّا نرفع أيادينا في الدعاء، لنستقبل ما يسقط من العصافير، تمامًا كالمخابيل، وكان الله فينا وحولنا ولنا كلّ هذا الوقت، لكنّنا سرنا ووجوهنا محشوّة في السماء، كأيّ ضرير؛ لذلك عندما استيقظنا من الوسائد خرجنا مسرعين إلى المقبرة.

حاولنا أن نأخذ معطفًا يقينا من برد الأماكن المفتوحة، قالوا لنا إنّ القبور المغلقة تطلّ على القيامة، وهناك الطقس معتدل أو حارّ أكثر من اللازم، وبعضهم قال إنّ أعمالنا - الّتي لم يُسعفنا الوقت لإنجازها - هي معاطفنا عندما نصل.

كلّهم كذبوا، وصدقت العصافير فقط، الّتي سرقنا حبّات القمح الساقطة من مناقيرها.

 

 

(3)

برقيّة إلى أبي

فيما مضى، كنتَ حين تعود من جنازة تقول لي:

"وكأنّه نائم..."

ورحلت يا أبي مثلهم، كأنّك كنت نائمًا، ولم ترَ الموت بطبعته الجديدة، هذا الموت المشظّى كقطع "الشطرنج" في الأرض. أمواتنا الآن لا يرحلون، يعلّقون على باب السماء، يبحثون عمّا تبقّى من أجسادهم، يدٌ هنا، قلبٌ هناك، رئةٌ عالقة بثوب أحدهم، أو عين ظلّت في جيب الحانوتيّ.

قل لي يا أبي، وأنت ذو خبرة بالموت: كيف يلاقون الله ناقصين، وهو الّذي أتمّ عليهم اكتماله؟

 

 

محمّد المعايطة

 

شاعر أردنيّ، له مجموعتان شعريّتان، الأولى بعنوان "نبيّ الرماد" والثانية بعنوان "لم أفقد دهشتي". يعمل صحافيًّا في المجال الثقافيّ، ومعدًّا للبرامج، وكاتب سيناريو، كما عمل في المسرح معدًّا وممثّلًا، وعمل على سلسلة وثائقيّة بعنوان "أمراء الدمّ".

 

 

 

 

 

تعليقات Facebook