"شتاء ريتا الطويل": حيرة التأويل وأسئلة التلقّي

الشاعر محمود درويش في شبابه

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

كثيرون ممّن قرؤوا عن محمود درويش، يعرفون عن حبّه أيّام شبابه لريتا، الاسم المستعار للفتاة اليهوديّة الّتي ربطته علاقة بها[1]، أمّا آخرون، فإنّ القصيدة الّتي غنّاها مارسيل خليفة ستكون أوّل ما سيصدح في البال: "بين ريتا وعيوني بندقيّة... والّذي يعرف ريتا ينحني ويصلّي لإله في العيون العسليّة"[2].

في هذا المقال، سأحاول تقديم قراءة تحليليّة لقصيدة "شتاء ريتا الطويل" لدرويش[3]، بناءً على مقاربات بنيويّة، وتأويلًا لاختلاف الأصوات داخل القصيدة، وكذلك بالنظر إلى كيفيّة تلقّي القصيدة، خاصّةً بعد صدور فيلم "سجّل أنا عربيّ" لمخرجته الفلسطينيّة ابتسام مراعنة عام 2014[4]، الّتي سلّطت الضوء على هذا الجانب من حياة درويش الشخصيّة.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

مبنى المعنى

يُلاحَظ من بنية القصيدة أنّ موسيقاها لا تقوم على إيقاعات وتتابع أصوات تقليديّة، بل ترتبط بمعاني القصيدة وتخليقها لمبانيها، وتقديم الصور حسب دفقات يحدّدها الشاعر. لهذا، ولفهم هذه القصيدة على نحو أقرب إلى مقاصد الشاعر، من المهمّ الاستماع إلى تسجيل درويش لها، حيث أيضًا الموسيقى الّتي عُزِفَتْ في الخلفيّة.

ريتا فتاة جميلة أحبّها الشاعر درويش، وهو يتحدّث بصوته عنه وعنها في هذا النصّ، ليرى القارئ أو السامع أنّ العلاقة مليئة بالتناقضات والتعقيدات ... إذ تحمل أبعد من الحبّ والحصار والحرب، وحالات من مساءلة الذات والعلاقة الموجودة...

البناء القديم للقصيدة العربيّة يقوم على التوزان والتوازي، وقد منح كسر هذا البناء للقصيدة الحديثة جانبًا مهمًّا من شخصيّتها، وبالتنازل عن بنية "البيت الشعريّ" التقليديّ، غدا طول السطر الشعريّ أو قِصَره يعتمد على المعنى الّذي يريده الشاعر وكيفيّة التعبير عنه بالإلقاء. في بعض الحالات يُعطي الشاعر دفقة طويلة - أي الجملة الشعريّة الطويلة - حتّى ينتهي المعنى، في حين يُعطي أحيانًا كلمة أو كلمتين، ويتوقّف. يقول درويش:

  "أتأخذني معك؟

فأكون خاتم قلبك الحافي؟

أتأخذني معك؟

  فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك لتصرعك؟

 وأكون تابوتًا من النعناعِ يحمل مصرعك؟"

 

يرتسم شكل الدفقات الشعريّة في القصيدة الحديثة وفق المعاني الّتي يريدها الشاعر، ووفقها أيضًا يكون الوقف أو الاستمرار؛ فهي قصيدة مكتوبة وتُقرأ، ولم تعد شفاهيّة الإلقاء في حالتها – على عكس القصيدة العموديّة - تتطلّب بنية القصيدة القديمة، حتّى تُحفظ وتُنقل ويسهل تذكّر شكلها وتتابعها.

 

تعدّد الأصوات

ريتا فتاة جميلة أحبّها الشاعر درويش، وهو يتحدّث بصوته عنه وعنها في هذا النصّ، ليرى القارئ أو السامع أنّ العلاقة مليئة بالتناقضات والتعقيدات، وليلاحظ وجود التردّد فيها؛ إذ تحمل أبعد من الحبّ والحصار والحرب، وحالات من مساءلة الذات والعلاقة الموجودة، ليُسائل الشاعر ذاته عن معنى العلاقة "لا أدرك المعنى. ولا أنا. تقول. لغتي شظايا"، فحتّى حالة التعبير عن التركيب في القصيدة تتضمّن حالة من الانتحار ضمن النصّ ذاته، وفيها شيء من التردّد بين أصوات القصيدة ذاتها.

المثير للتساؤل، أنّه على الرغم من أنّ القصيدة الحديثة من المفترض أنّ صوت المتكلّم فيها صوت الشاعر فقط، إلّا أنّ هذه القصيدة تحوي أصواتًا ليست فقط للشاعر؛ صوت المتكلّم الّذي من الممكن أن يكون الشخصيّة الأولى "قلتُ: يا ريتا… أأرحل من جديد؟/ ما دام لي عنبٌ وذاكرةٌ، وتتركني الفصول/ بين الإشارة والعبارة هاجسًا؟"، وصوت ريتا وهي تردّ على المتكلّم "حُكَّ لي قلبي وحُكَّ دمي"، وصوت السارد "تنام ريتا على حديقة جسمها"؛ وبهذا حتّى داخل بنية النصّ فإنّ المتحدّث ليس واحدًا، إذ تعدّدت الأصوات، وذلك على الرغم من سيادة صوت واحد في القصيدة الحديثة، وعلى عكس السرد الّذي يحتمل داخله العديد من الأصوات.

لماذا اضطرّ الشاعر إلى استخدام هذه الأصوات المتعدّدة؟ هل كان يحاول وضع التساؤلات بصفتها شكلًا مزدوجًا أو حوارًا، حتّى لا يضطرّ إلى أن يُسائل نفسه فقط؟ هل وضَع الأبعاد الثلاثة هذه للمتكلّمين حتّى يهرب من ذاته

لماذا اضطرّ الشاعر إلى استخدام هذه الأصوات المتعدّدة؟ هل كان يحاول وضع التساؤلات بصفتها شكلًا مزدوجًا أو حوارًا، حتّى لا يضطرّ إلى أن يُسائل نفسه فقط؟ هل وضَع الأبعاد الثلاثة هذه للمتكلّمين حتّى يهرب من ذاته، ومن أيّ تبريرات قد تضع المتكلّم الأوّل في ورطة أمام نفسه؟ هل حاول الشاعر بهذه التعدّديّة في قصيدة واحدة أن يُعيد ترتيب الحوار، بما يخدم راحة القارئ أو يُجيب عن أسئلته، ليُخرج نفسه من أيّ ورطة من الممكن أن تلحق بالمتكلّم فقط؟ وهذا المتكلّم، هل حاول تبرير نفسه أمام نفسه فوقع في ورطة حلقةٍ مفرغة من التساؤلات الّتي لم تُوَلِّد إلّا التناقضات داخل النصّ؟

 

حيرة التأويل

في تأويل هذه القصيدة، استغرب الكثيرون من درويش، وتحديدًا بعد أن عرف كثيرون حبّه ليهوديّة، وإن كانا قد انفصلا بسبب اختلاف مواقفهما من القضيّة الفلسطينيّة.

تأويل هذه القصيدة من داخلها أبعدُ قليلًا عن حياة درويش الخاصّة، أبعدُ قليلًا عمّا درسناه تقليديًّا في مدارسنا وجامعتنا.

توتُ السياج على أظافرها يضيء الملح في جسدي.

أحبّك! نام عصفوران تحت يدي

نامت موجة القمح النبيل على تنفّسها البطيء

ووردةٌ حمراء نامت في الممرّ

ونام ليلٌ لا يطول

والبحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتا

يعلو ويهبط في أشعّة صدرها العاري

فنامي!

 

بعيدًا عن جماليّة النصّ؛ فإنّ التبحّر قليلًا في هذا المقطع يعطي صورة لجلسة حميميّة جدًّا، بدايةً من نوم العصفورين تحت يديه، وكأنّهما نهدان، وكأنّما القمح النبيل كان في تنفّسها البطيء؛ لحظة جسديّة حميميّة يتجلّى فيها هو، والممرّ جسد الفتاة وما في داخله، ويستمرّ المشهد كأنّما هي ليلة مميّزة.

النصّ داخل نفسه يفتح تأويلًا طويلًا، يحيل تارةً إلى مشاهد حميميّة عبر صور أدبيّة رفيعة، ويدلّ تارةً أخرى على وطن سُلِب في مبنًى أوضح؛ فالنهر هو الأقرب إلى نهر الأردنّ، والتيه حول النهر، وحالة الارتباك بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، وأن يغدو النهر واحدًا.

أهي ريتا واحدة أم عدّة؟ أهي حالة يجب على المتلقّي أن يفهمها تبعًا لتسلسل وحمولة تاريخيّة عميقة، أم هي حالة رفض له ولصوته ولصوتها الّذي وظّفه ووظّفها...

هل يُعقَل أن تكون ريتا درويش جزءًا فعليًّا من مشكلة، كما واجهها درويش واجهها الكثيرون في حبّ إنسان إسرائيليّ، ليتفجّر مجدّدًا سؤال حول إنسانيّة هذا الحبّ الطويل والبعيد[5]، والمربوط بالمجهول وبالزحف والخوف، بحالة الدخول والخروج وسيل الذاكرة والقضيّة والاحتلال، وسيل دماء الشهداء في درب قطعه الكثيرون عبر الأقدام، هروبًا من الاحتلال في مياه هذا النهر الّذي عبره الكثير من الفدائيّين، هربًا من نتائج الاحتلال المتوحّش.

لو تعبرين النهر يا ريتا!

وأين النهر؟

قالت…

قلت: فيكِ وفيَّ نهرٌ واحدٌ

وأنا أسيل دمًا وذاكرةً أسيل

لم يترك الحرّاس لي بابًا لأدخل

 

أسئلة التلقّي

تلقّى القرّاء، المحبّون والكارهون، هذه القصائد بأشكال مختلفة، تلقّوها بناءً على خلفيّة كاملة لرمز الشاعر محمود درويش السياسيّ والوطنيّ[6] الّذي كتب خطاب أبو عمّار في الجزائر، رافضًا إسقاط غصن الزيتون من يد الفلسطينيّين، وهو ذاته الّذي عمل مع المنظّمة ومع السلطة الفلسطينيّة سنوات طويلة، ومَنْ كتب "سجّل أنا عربي... ورقم بطاقتي خمسون ألف... ولكنّي إذا جعت آكل لحمَ مغتصبي". في المقابل، هذا الفلسطينيّ هو ذاته الّذي تغنّى بريتا الإسرائيليّة اليهوديّة في قصائد عدّة؛ فغنّاها مع البندقيّة ومع دمها في كلّ القصائد الّتي تخصّها[7]، والّذي تكلّم عنها بكلّ صراحة في أفلام عدّة مصوّرة له، وكشف عنها وعن اسمها، فوقع التساؤل: أهي ريتا واحدة أم عدّة؟ أهي حالة يجب على المتلقّي أن يفهمها تبعًا لتسلسل وحمولة تاريخيّة عميقة، أم هي حالة رفض له ولصوته ولصوتها الّذي وظّفه ووظّفها، ليشرحوا حالة الارتباك الّتي تلفّ هذا النصّ، والقصائد الأخرى الّتي لحّنها مارسيل بكلّ رشاقة ورومانسيّة حتّى اشتهرت الأغنية والقصيدة ولم تُنهِ التساؤل؟

"والحربُ ليست مهنتي  

 وأنا أنا… هل أنت أنت؟".

..........

إحالات:

[1]  Alhob kollo، "فيديو... ريتا معشوقة محمود درويش تكشف عن هويّتها"، من فيلم ابتسام مراعنة "سجّل أنا عربي"، YOUTUBE ،22/05/2014، شوهد في 01/02/20202، في: https://bit.ly/39El5YS

[2] Farès B. ، مارسيل خليفة - ريتا والبندقيّة (قصيدة محمود درويش)avec traduction française ،YouTube ،22/04/2014، شوهد في 01/02/2020، في: https://bit.ly/2vxbGnw

[3] محمود درويش، "شتاء ريتا الطويل". موقع الديوان، شوهد في 01/02/2020، في:  https://bit.ly/2u4nJZ2

 [4] Ibtisam Mara'ana،  سجّل أنا عربي - الفيلم من إخراج وإنتاج ابتسام مراعنة. تريلر (فلسطين، إسرائيل 2014)، YouTube ،17/04/2014، شوهد في 01/02/2020، في: https://bit.ly/37uqoZF

[5] "بالصورة- هذه هي "ريتا" اليهوديّة الإسرائيليّة حبيبة وبطلة قصائد محمود درويش"، مجلّة لها، 24/06/2015، شوهد في 01/02/2020، في: https://bit.ly/37s1XMw

[6] راشد عيسى، "ريتا اليهوديّة ... جرح متأخّر في مخيلة نضاليّة"، موقع المدن، 26/05/2014، شوهد في 01/02/2020، في: https://bit.ly/2HsXbUc

 [7]  محمّد الماطري صميدة، "من قصص العشاق: محمود درويش وريتا: احتراق في نبيذ الشفتين!"، الشروق، 24/10/2015، شوهد في 01.02.2020، في: https://bit.ly/2HnbBoW

 

 

مجد حمد

 

 

حاصلة على البكالوريوس في الإعلام من جامعة بيرزيت، وعلى الماجستير في الأدب المقارن من معهد الدوحة للدراسات العليا. مهتمّة بالأبحاث والنصوص التي تجمع النظريّات من مختلف التخصّصات؛ تأثيراتها في المجتمع وتفاعله معها، ولا سيّما الدراسات المرتبطة بالمدن وفهم الحيّز والفضاء.

 

 

تعليقات Facebook