"دانْفِرْ"... لا تستمعوا إلى الرجل الغريب!

من قصّة «دانْفِرْ - Denver»

 

الأهل يعترضون

مرّ أدب الأطفال بسيرورة تطوّر ملحوظة منذ القرن الثامن عشر، فمن كتابة قصص ذات مشاهد عنيفة وإيحاءات جنسيّة بلغة صعبة جدًّا، إلى فترة جعل قصص الأطفال أداةً للتربية الدينيّة والأخلاقيّة، وبكمّ هائل من الكلمات داخل الصفحة الواحدة، إلى حذر ومرونة أكثر في الموضوعات المطروحة الّتي تركّزت في محاور أساسيّة: الصداقة، والغيرة، والمشاركة، والطبيعة، والمواقف المسلّية والمضحكة، وغيرها من الموضوعات الّتي تصبّ في النهاية في دائرة تجارب الطفل المستقبليّة، حتّى تزوّده بمهارات مختلفة للتعامل مع المشكلات.

الرجل الغريب يأتي دون اسم ودون ملامح وجه، لأنّه لا يمثّل رجلًا واحدًا بعينه، بل يمثّل فئة كاملة من الناس، تلك الفئة الّتي "تثير الفتنة" وتلقي بالحجر في بركة المياه الهادئة لتسبّب القلق للجميع...

لكن ثمّة مفاهيم وقيم أخرى تمرّر من خلال أدب الأطفال، مفاهيم وقيم سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، يفكّر الأهل بشكل مطوّل ودقيق حول كيفيّة خوض نقاش فيها مع الأطفال، وقد نجد هذا جليًّا في تعقيبات الأهل على كتاب «دانْفِرْ - Denver» للكاتب البريطانيّ دايفيد ماكي David McKee، على موقع «Goodreads»، حيث انقسمت التعليقات بين مؤيّد ومعارض لتمرير ما فيه من مفاهيم وقيم في كتب الأطفال، وربّما هذا ما أدّى إلى حصول الكتاب على تقييم متدنٍّ، رغم ترشّحه لنيل ميدالية «Kate Greenaway» عام 2011؛ فما هذه المعايير الّتي أدّت إلى اصطدام آراء الأهل حول الكتاب؟ وما قصّة «دانْفِرْ»؟

 

قسمة غير عادلة!

تستند قصّة «دانْفِرْ» على فكرة مفادها أنّ لكلّ واحد منّا مكانًا ما في السلّم الهرميّ في المجتمع، وأنّ القصّة جاءت لتقول للطفل "اعرف مكانك". ثمّة أشخاص في أعلى السلّم مثل دانْفِرْ، الرجل الأبيض الّذي يملك ثروة طائلة تمكّنه من العيش في عزبة كبيرة، تحيط بها بيوت الفلّاحين الّذين يعملون لديه. عزبة دانْفِرْ مصدر دخل للكثير من العمّال، ووجوده في القرية يعود بالفائدة الاقتصاديّة على الجميع أيضًا، وليس فقط على العاملين لديه؛ فعندما يقصده الزوّار، وبالطبع لن يزوره إلّا مَنْ هو في نفس مكانته المادّيّة، فهذا يجلب الكثير من العمل والدخل الإضافيّ لأهل القرية وفق ما يذكر الكاتب.

لدى دانْفِرْ موهبة في الرسم، وهو يشارك في مناسبات علنيّة في تقديم جوائز وهدايا خيريّة، وهذه عادة مألوفة عند الرجال الأغنياء؛ فدانْفِر يمثّل المال، ووجوده في البلدة يجلب السعادة للناس، المال يساوي السعادة، وبدون المال هل يوجد سعادة؟ هذا ما يسأله الكاتب عندما يغادر دانْفِر قريته بسبب الرجل الغريب.

الرجل الغريب يأتي دون اسم ودون ملامح وجه، لأنّه لا يمثّل رجلًا واحدًا بعينه، بل يمثّل فئة كاملة من الناس، تلك الفئة الّتي "تثير الفتنة" وتلقي بالحجر في بركة المياه الهادئة لتسبّب القلق للجميع، الرجل الغريب بملابسه السوداء كإشارة على النوايا السيّئة يجوب القرية سائلًا الناس: "لماذا يوجد لدانْفِرْ كلّ هذا المال الوفير، بينما أنتم لديكم القليل منه، فهذه القسمة غير عادلة"؟

 

 

يستطيع الغريب أن يقلب الهدوء والسعادة والاستقرار الّذي كان منذ بداية الحكاية، حين يبدأ الناس بطرح السؤال على أنفسهم والتفكير فيه.

يمثّل عموم الناس الطبقة البسيطة من المجتمع؛ الفلّاحون الّذين لا يستطيعون أن يروا الظلم إلّا إذا أشار لهم أحدهم إليه، الّذين يفكّرون في أنّهم يتساوون مع الجميع، وأنّ بإمكانهم أن يكونوا ناجحين إذا توفّرت لديهم الإمكانيّات والمال. بدأ الفلّاحون في البلدة يفقدون سعادة الحياة من خلال مقارنة أنفسهم بدانْفِرْ، يتحدّثون في كلّ مكان عنه، حتّى سمع دانْفِرْ بالأمر، واستدعاهم لاجتماع قصير.

 

رأسماليّة/ شيوعيّة

ينتقد ديفيد ماكي، مؤلّف القصّة، النظام الشيوعيّ بطريقة واضحة مع تتابع الحكاية، ويؤيّد النظام الرأسماليّ، فهل لهذا علاقة بالانهيار الاقتصاديّ العالميّ الّذي حدث عام 2008؛ أي قبل صدور القصّة بعامين؟

إنّ سبب الانهيار الاقتصاديّ الرئيسيّ في ذلك الوقت، كان تراكم ضمانات الرهن العقاريّ الّتي كانت متاحة للجميع؛ إذ اشترى الكثير من المدنيّين بيوتًا بأسعار مرتفعة جدًّا، ومع الوقت لم يستطيعوا تسديد العمولة المترتّبة على عمليّة الشراء، الّتي تكبر قيمتها عامًا بعد الآخر، وذلك يتوافق مع ما آلت إليه أحداث القصّة؛ فقد باع دانْفِرْ جميع ممتلكاته، وقسّم الأموال بالتساوي بينه والفلّاحين، والقسمة بالتساوي فكرة أساسيّة ترتكز عليها الشيوعيّة.

بعد القسمة المتساوية في الموارد والإمكانيّات غادر دانْفِرْ القرية، واستأجر بيتًا جديدًا في قرية بعيدة، وعاد ليرسم بكثافة، بينما انطلق الفلّاحون إلى نزهات ورحلات استجمام أنفقوا فيها كلّ نقودهم، عندها فقط اشتاقوا إلى دانْفِرْ وشعروا بخسارة فقدانه، في حين كان هو قد حقّق ثروة طائلة من خلال بيع رسوماته بأسعار عالية. أصبح فنّانًا معروفًا يقصد الناس زيارة المكان الّذي يعيش فيه؛ وهو ما يشكّل فائدة مادّيّة ومعنويّة للبلدة الجديدة الّتي يقيم بها، علاوة على أنّه كان محبوبًا أيضًا من جميع الناس في المكان الجديد، دليل على أنّه أينما عاش فسيحبّه الجميع، وسيتدبّر أمره ويبني نفسه من جديد.

كأنّ القصّة تريد أن تقول إنّ المساواة الّتي تطلبها الشيوعيّة فكرة غير قابلة للتطبيق، لأنّ "الغنيّ سيبقى غنيًّا والفقير سيبقى فقيرًا"، والكلّ سيظلّ في مكانه داخل الهرم الاجتماعيّ...

كأنّ القصّة تريد أن تقول إنّ المساواة الّتي تطلبها الشيوعيّة فكرة غير قابلة للتطبيق، لأنّ "الغنيّ سيبقى غنيًّا والفقير سيبقى فقيرًا"، والكلّ سيظلّ في مكانه داخل الهرم الاجتماعيّ، بينما وجود النظام الرأسماليّ باستطاعته تنظيم الحياة بطريقة عادلة أكثر، وهو من خلال عمل الطبقة العاملة، واستفادتها من نجاح الرأسماليّة وأموالها. ومن جهة ثانية، من الممكن القول إنّ ديفيد ماكي يدافع عن نفسه وعن نظام الحياة الّتي يعيشها؛ لأنّه رجل غنيّ بدرجة كافية ليملك بيتًا في لندن، وآخر في فرنسا، ويُضَمِّن هذه المعلومة في ملفّه الشخصيّ في «ويكيبيديا»!

 

أليس العالم مليئًا بدانْفِرْ؟

هذه المضامين جميعها تمثّل نظرة دانْفِرْ الذاتيّة إلى ما جرى؛ وهو يظهر وحده في رسمة الغلاف وخلفه مستطيل أحمر. مع بداية القصّة، تدخل كلّ الرسومات داخل المستطيل، ولا تنتشر في جميع الصفحة، دليلًا على أنّنا نشاهد عبر عيونه، نتفرّج من بعيد، ولا نكوّن عاطفة معيّنة عبر الاقتراب من الشخصيّات. ثمّ إنّه يظهر دائمًا على مسافة من الناس، يفصله عنهم شيء ما، قد يظهر في الرسومات بأنّ الفاصل جماد، لكنّ الفاصل الحقيقيّ هو المكانة الاجتماعيّة.

لغة الكتاب بسيطة، كلمات قليلة جدًّا ترسم أفكارًا سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة ليس توصيلها هيّنًا، حبكة محكمة النسج، لقصّة تعرض وجهة نظر الشخصيّة المركزيّة، الّتي تصرّ على رأيها من خلال الجملة الأخيرة في النصّ، الّتي تؤكّد أنّ الرجل الغريب سيظلّ يتنقّل بين المدن والقرى، ليسأل الناس السؤال ذاته، لكن هذه المرّة ينصحنا الكاتب ألّا نستمع إليه؛ لأنّنا لو استمعنا لفقدنا السعادة والاستقرار الّذي نعيش فيه.

في النهاية، يصعب عليّ أخذ موقف حاسم في ما إذا كنتُ سأقرأ هذا الكتاب ذات يوم لأطفالي. رغم فزع الكثير من الآباء والأمّهات، ووصفهم الكتاب بأنّه «مروّع»، وبأنّ العقبى لن تُحْمَد لو وقع في أيدي الأطفال، لكن من جهة أخرى، وفي نظرة عجلى إلى الحياة من حولنا، ألا نعيش ضمن طبقيّة واضحة؟ ألا يلتزم كلٌّ منّا «مكانه»؟ فلماذا نودّ المحافظة على عالم الطفل نقيًّا ورديًّا، عالم يتحدّث عن الأمان والسلام والخير والمساواة؟ فإذا ما كبر واندمج في عالم الكبار اتّضح له بأنّ كلّ ما تصوّره كان كذبًا على الذات، أو كما سنقول لهم في ما بعد: "كلام ينفع فقط في الكتب"، ألا يجب علينا البدء بتعريف الطفل العالم الحقيقيّ المليء بدانْفِرْ وأمثاله، بل وبما هو أسوأ منه؟

 

 

نورة صالح

 

 

طالبة ماجستير في مجال ثقافة وأدب الأطفال بـ «جامعة تل أبيب»، حاصلة على البكالوريوس في اللغة العربيّة من «كلّيّة سخنين». خرّيجة ورشات الكتابة والنقد لأدب الأطفال في «دفيئة حكايا»، ومرشدة كتابة إبداعيّة للأطفال.

 

 

تعليقات Facebook