عودة الكلمات إلى البيت... كاتيا-صوفيا حكيم

كاتيا صوفي-حكيم | CatalyzHer

 

التقيت الشاعرة كاتيا-صوفيا حكيم Katia-Sofia Hakim في معرض للمجلّات الأدبيّة في باريس، كنت أخمّن من اسمها أنّ لها أصولًا شرقيّة، والمفاجأة كانت حين قالت لي إنّها فرنسيّة من أصول فلسطينيّة. هي مترجمة أيضًا وباحثة موسيقيّة، وناشطة ثقافيّة تعمل محرّرة لأكثر من موقع أدبيّ في فرنسا والمكسيك وبنغلادش. جدّها لأبيها وُلِدَ في حيفا، ولجأ أواخر عام 1947، حين بدأت عمليّات التطهير العرقيّ لسكّان حيفا، الّتي قامت بها عصابات «الهاغانا». ولاحقًا لجأ والدها من لبنان هاربًا من الحرب الأهليّة إلى فرنسا. وُلِدَت في عائلة حرصتْ على إخفاء أصولها الفلسطينيّة، ولا سيّما بعد تجربة الحرب الأهليّة في لبنان، واستمرّ هذا في فرنسا. تقول: "لا أتحدّث العربيّة، لقد بتروا جزءًا من هويّتي، لا أعرف شيئًا عن فلسطين كأنّها نقطة معتمة بعد حادث، لا أعرف عنها إلّا الخطر والصمت والمنفى. أبحث في شعري عن لغة مألوفة وغريبة، وأبحث أيضًا عن أرض مفقودة. يسعدني أن يكون نشر هذه الترجمات إلى العربيّة المناسبة الأولى الّتي أصرّح فيها بهويّتي. ويسعدني وصول قصائدي المترجمة إلى حيفا، كأنّ جزءًا منّي يعود إلى البيت".

وتنتمي كاتيا إلى جيل واسع من الشعراء المعاصرين في فرنسا، ينحدرون من أصول ثقافيّة متعدّدة المشارب، ويعيشون فيها منذ أن تكاثرتْ إليها الهجرات خلال القرن العشرين، من عرب وإيطاليّين وإسبان وأفارقة وغيرهم؛ إذ صار وجود الشعراء أصحاب الثقافة أو اللغة المزدوجة ظاهرة مهمّة في الشعر الفرنسيّ المعاصر. وتبرز انعكاسات هذا التعدّد الثقافيّ في قصائد هؤلاء الشعراء من خلال استخدامهم رموزًا ثقافيّة، ومفردات، وأجواءً تضخّ ماءً جديدًا في اللغة والأدب الفرنسيّين، كما نرى هنا في قصيدتها «زعتر».

وتبرز ثقافتها الموسيقيّة في قصائدها، حيث توظّف إيقاع الكلمات في تقطيع المعنى داخل القصيدة الواحدة. ويقول جيوفري يوسف، زميل لي بالجامعة، وهو قارئ نهم للشعر الفرنسيّ والعالميّ، تجمعني به نقاشات كثيرة عن الشعر، يقول ملخّصًا عالمها الشعريّ: "تأتي قصائدها في جمل مقتضبة معبّرة، أحيانًا تأتي باندفاع، بروح ضاحكة وحاسمة ومثيرة تتقن فنّ التقاط الكلمة الّتي تلسع. ولديها روح متمرّدة واحتجاجيّة تتشكّل في خيالٍ خاصّ. يتناول شعرها الحياة اليوميّة دون أن يكون مملًّا أو شائعًا، وتداعب الأشياء الّتي يهملها المجتمع بمفردات تتدفّق في حيويّة عالية. أشكركَ على منحي هذه الفرصة لاكتشاف صوتها".

بقي أن أشير إلى أنّ قصائدها الّتي ترجمتها، لتُنْشَر في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، نُشِرت في مجلّات فرنسيّة عدّة.

 

التاسعة والعشرون

Vingt-neuf

الليلُ بطيءٌ كقطار الضواحي، إنّه الشتاء الأخير من عمري العشرينيّ، الوركان، ونقطتان تفتحان الاقتباس: إنّني نحيفةٌ كفتاةٍ في السابعة عشرة. الثلج يحمل خطوات أمّي لخفّتها. الوقت صرخاتٌ في كمانٍ، حزنٌ، حزن سيّارةٍ لا تنطلق.

خَفَقْتُ بياضَ عينيّ، هل سيتساقط لون شَعري قريبًا؟ الليل المنحدر مثل قطار الضواحي يخترق صوف المعاطف الزرقاء القديمة.

.......

رُسُلُ الهرب المتوهّجون،

ريشُ مَنْ هذا الّذي في الطريق؟

يبدو أنّ دمًا يهرب من الدخان

رُسُلُ الهرب المتوهّجون،

مَنْ يمضغ هذه السحابة؟ من يكسر قنانيّ البحر؟

هناك رائحةٌ مبلّلةٌ للحجر الساقط.

احفري إذن، أيّتها الجميلة الجريحة والسعيدة،

احفري خدوشًا في المشهد الصدِئ!

 

 

بلا تذكرة* (مواصلات)

(San Titre (De Transport 

مداخل مترو الأنفاق، أفواه الحقائق، مسارح لعوالم تحت الأرض، وثقوب سوداء.

أفواهٌ مزدحمةٌ، مشرّعة للجوع، للموت، للطيران. والسرقة أيضًا، البحث عن الحبّ، حقائب مهيّأة للعمل، ودوافع للجريمة... سيقانٌ في تناغمٍ مع العصر، جمهورٌ من الإعلانات، مشاهد من فنٍّ ومن ناسٍ. وكُتُبُ الجيب دائمًا، والجيوب دائمًا فارغة.

لا بأس بقليلٍ من العنف في هذا العالم الرومانسيّ!

 

 

زعتر

Zaatar

كطحين الأَرْزِ، الخبز الممزّق يلفّكِ بالجمال، مغمورةً بالأغصان حتّى القدم، السمسم يتفتّح على شفتيكِ، والزعتر يلمع على «منقوشةٍ» ساخنة، كأنّها رسمةٌ داكنةٌ على البلاط.

الوقت متأخّرٌ، زيت الزيتون البِكر، والصحن عميق. بيتكَ ينام،

وهنّ يَشْدُدْنَ الأحمر الغامق في سمّاقٍ سوف يأخذكَ في نزهة!

 

 

خوفٌ من الأبيض

Peur du blanc

خائفةٌ الأمّ خائفةٌ

شجرة التفّاح تُلْقي أزهارها على الجمرْ

هل ستأخذني قدماي بعيدًا؟

خائفةٌ الأمّ خائفةٌ

أستيقظ في الليل

كي أذهب للمرحاض

أمشي مثل فقيرٍ

على أطراف البلاط

قرقعة الماء البيضاء

أَشُدُّ حبل السيفون

كمَنْ يشنق وحشًا

يُطْبِق على العينين!

خائفةٌ الأمّ خائفةٌ

لساني جافّ

جسدي مثل كفوفٍ مقلوبة

عليّ أن أكون قويّة

رغم أنّني أمٌّ الآن!

خائفةٌ الأمّ خائفةٌ

قد ترى يداي سوداوين

مثل زبدةٍ في قاع المقلاة

ولساني ممنوحٌ لكلب الجار

مَنْ سيغطّي جسدي الليلة؟

ومَنْ الّذي سيوقظكَ الليلة وألف ليلة؟

العلبة البلاستيكيّة تُفْرِغُ الهواء من رئتيّ

لا سيّما حين أصرخ نحوك

مثل كيس طحينٍ مشرع

خائفةٌ الأمّ خائفة.

 

 

لمبة

Halogène

إنّني الحشرة

الملتهبة الّتي تحترق

على لمبة كهرباء

عندما

تتراكم فقرات ظَهْرِكَ

في الكتابة

 أتبخّر

في معدنٍ غامر!

 ما سيبقى لكَ منّي

هذه الرائحة

الغامقة في السقف

رائحة حادّةٌ

وصارخةٌ

لوقتٍ كان قد انهار.

 

 

أنس العيلة

 

 

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ مقيم في باريس، أصدر عدّة مجموعات شعريّة تُرجمت إلى الفرنسيّة، آخرها "عناقات متأخّرة". ينشر مقالاته في مجلّات ثقافيّة وأكاديميّة.

 

 

 

تعليقات Facebook