هؤلاء قادة المستقبل

FRANK'S

 

ابتسمتُ لدى رؤيتي الأستاذة لميس أمام المصعد مرّة أخرى. لو لم أكن سأخرج من هذه البلاد اللعينة لكنتُ قد دعوتها إلى شرب القهوة. شيء بها بعث فيّ التفاؤل، كانت مميّزة، أعطتني إحساسًا بأنّ ثمّة أملًا في نساء هذه البلاد. كانت راقية، ابنة أوادم، بل لم تحتج إلى أن تكون كذلك، لم تحتج إلى أن تكون ابنة أحد، فهي ذات مستقلّة ككوخ بعيد في جبال بلد أجنبيّ.

سلّمتُ عليها ووقفتُ بجانبها ننتظر وصول المصعد. انفتح الباب وسمحتُ لها بالدخول. ضغطتُ على زرّ الطابق الأوّل تحت الصفر، حيث موقف سيّارات المبنى.

- كيف المحاكم أستاذة؟

- كالمستشفيات! مشاكل! أنت تعرف...

- لكنّك تعملين في القضايا المدنيّة، لو تعملين في الجنايات والنيابة، الطبيب الشرعيّ كما أفعل، هنالك أفلام الرعب...

لاحظتُ أنّها صمتتْ قبل أن اصطنعتْ ابتسامة:

 - أنا أقول من ناحية مشاكل الناس ومصائبهم الّتي لا تنتهي...

عندما وصلنا الطابق الأوّل تحت الصفر، وفُتح باب المصعد، قلتُ لها: هل تعلمين؟ لقد نسيتُ شيئًا في المكتب، نراك غدًا!

كنتُ قد نسيتُ أنّني قد ركنتُ السيّارة على بُعْد مئات الأمتار في الشارع الخلفيّ؛ لأنّني عندما عدتُ من المحكمة وقت الظهر لم أجد مكانًا في موقف العمارة. ضغطتُ على زرّ الطابق الصفر، وانغلق الباب، وانغمستْ الأستاذة لميس في العتمة.

راودني جزع طفيف، كيف سأصل السيّارة بسلام هذه المرّة؟ هل سيظهر؟ كيف سأختبئ منه؟ انفتح المصعد، ومددتُ عنقي خارجه بحذر، لا أحد على المدخل. تسلّلتُ إلى الخارج ونظرتُ يمينًا فوجدتُ الشارع خاليًا، ونظرتُ شمالًا فلم أجد إلّا سيّارتي في آخر الشارع، بدت أبعد ممّا هي عليه، بل شعرتْ مقلتاي كأنّ المركبة ترجع إلى الوراء تلقائيًّا وكأنّها مسكونة.

 أخذتُ نفسًا عميقًا، وهممتُ بأن آخذ الخطوة الأولى.

- مَسَكْتَكْ!

- لا!

ظهر الحَوَش، كان كتلة مرعبة من عشرات الأجساد الملتصقة ببعضها بعضًا.

- مساء الخير! صحّ بدنو! كيفك يا سيدي؟

هرعتُ على قدميّ، حتّى لم أشعر بالأسفلت تحتهما.

- اكرهني! اكرهني! اكرهني! أوعك اتطيقني!

بقي ثلاثمئة متر.

- متى بدنا نجوّزك؟ شدّ حيلك؟ ليش لسّة عزّابي؟ آخذك معي على النادي؟ هناك في رقّاصة مرتّبة!

مئتان وخمسون مترًا.

- سلّفني مصاري! هَيَّكْ شاري تلفون جديد! عليك شيكّات! عليك محاكم! أنا شيوعي وبدّي أصادر كل شيء عندك!

مئتا متر.

- أنا حمار وخلّفت ولاد وبِعَيْطوا في سنسفيل وجهك! كواع كواع كواع! بدهم لعبة! بدهم كيندر! بدهم بوظة! بدهم البشريّة والكون!

مئة وخمسون مترًا.

- أنا بدخّن بالشارع! أنا بعرّد بالشارع! أنا برمي زبالة على الأرض! أنا ببزك في الشارع! حختفووو! أنا مش مربّى!

مئة متر.

- أنا مش بني آدم! أنا بدّي حَرِكْ!

خمسون مترًا.

- لازم يحكم هالبلد قائد عسكري ابن حرام مصفّى، علشان يعمل لي إبادة عن وجه الأرض! اكرهني اكرهني اكرهني!

وصلتُ السيّارة بعد ثوانٍ تشبه الأعوام. أخرجتُ المفاتيح من جيبي، أسقطتُها على الأرض، التقطتُها، فتحتُ السيّارة ودخلتُها وأغلقتُها بزرّ الأمان فانسحب الحَوَش بعيدًا. شعرتُ بالراحة، ليس فقط لأنّني في سيّارتي، بل لأنّ لميس أيضًا في سيّارتها، يا لها من اختراع عبقريّ يساعدنا على النجاة على هذا الكوكب اللعين!

فجأة وصلتني رسالة على هاتفي.

حصلتُ على المنحة لدراسة «القانون الدوليّ» في جامعة مرموقة في باريس.

فتحتُ المكيّف وقرأتُ رسالة القبول أربع مرّات، وما انفككتُ مبتسمًا.

***

آخر شيء فعلتُه قبل نهاية الدوام كان قراءة أحد تعليقات نتائج الانتخابات الأمريكيّة: "الشعب الأمريكيّ كره لغة المحامين الّتي يستخدمها بيل وهيلاري".

أغلقتُ صفحة الأخبار، ووضعتُ الهاتف في حقيبتي، وأخرجتُ مفاتيح المكتب والسيّارة والبيت. كنتُ كما دومًا خائفة من الخروج. ماذا لو كان هناك ينتظر أمام المصعد؟ خرجتُ وتنفّستُ الصعداء، ليس هناك. أنا محظوظة اليوم.

أو هكذا ظننتُ في البداية.

خرج سعادة المحامي الحَوَش يزحف نحوي كقطيع من الصراصير.

- أنا بحبّك! أنا بموت فيكِ!

انفتح باب المصعد. 

- أنا ذكر ذكر ذكر ذكر همجي ذكر ذكر!

الطابق الرابع.

- أنا مسّيح جوخ! أنا متملّق! أنا بشفّك... حبّيني! حبّيني! حبّيني!

الطابق الثالث.

 - أنا بنطنط في أنحاء المصعد زي المهرّجين علشان ألفت نظرك! وهوهوهوهو!

الطابق الثاني.

- أنا بعرفش أحكي مع إناث! أنا زيّ الولاد الزغار! كواع كواع كواع! أنا بدّي ماما وبابا يخَطّْبوني!

الطابق الأوّل.

- تعالي معي أحطّك بين أربع حيطان!

الطابق الصفر.

- أنا بدّي ديكتاتور عادل يبدّيني! أعطيني بوسة! حبّيني! حبّيني!

عندما وصلنا الطابق الأوّل تحت الصفر، كنتُ خائفة من أن يلتهمني في العتمة. لكنّه لم يزحف خارج المصعد كعادته. ركضتُ في المرآب نحو السيّارة كي أدخل فيها قبل أن يظهر مرّة أخرى، أوقعتُ المفاتيح، التقطتُها، فتحتُ الباب، دسستُ نفسي إلى الداخل، أغلقتُ الباب وأمّنتُه. تنفّستُ الصعداء.

كم أنا شكورة بسبب هذه السيّارة! لولاها لرأيته في الشارع والحافلة وفي كلّ مكان.

فتحتُ المكيّف قبل أن تجيئني على الهاتف رسالة.

حصلتُ على المنحة لدراسة «القانون الدوليّ» في إحدى جامعات باريس المرموقة.

سأذهب وأصبح حرّة، وقد أتزوّج حتّى أجنبيًّا!

وأخيرًا، سأتخلّص من الحَوَش!

 

 

فخري الصرداوي

 

 

كاتب وقاصّ من رام الله. يعمل في مجال القانون الدوليّ والعلوم السياسيّة، حاصل على الماجستير في العمل الدوليّ الإنسانيّ من "جامعة ديوستو" في إقليم الباسك. يهتمّ بالكتابة الساخرة من المجتمع التقليديّ، ومن ثقافة الصوابيّة السياسيّة على حدّ سواء.

 

 

تعليقات Facebook