"التعليم سلاحنا": صعوبات التعلّم تحت الاحتلال

 طلّاب فلسطينيّون على أحد الحواجز في الخليل | EAPPI/I. Tanner

 

المصدر: Palestine Monitor.

ترجمة: فريق تحرير روزَنَة - فُسْحَة.

 

عاد حوالي 1,3 مليون طفل فلسطينيّ في الأراضي المحتلّة [عام 1967]، إلى المدارس مع نهاية شهر آب (أغسطس)، وعلى الرغم من أنّ هذا حقّ أساسيّ؛ يعدّه كثيرون بديهيًّا، إلّا أنّ بداية العام الدراسيّ كانت صعبة؛ بسبب استمرار سقوط النظام التعليميّ الفلسطينيّ في وضع سيّئ، بعد خمسة عقود على الاحتلال الإسرائيليّ، الّذي يهدّد ولوج عدد كبير من أطفال فلسطين في التعليم.

في شباط (فبراير) من هذه السنة، حدّدت الأمم المتّحدة حوالي 44 مدرسة، من المقرّر أن تتعرّض إلى الهدم الجزئيّ أو الكلّيّ، في مناطق "ج" - مناطق تشكّل قرابة 60٪ من مجموع مساحة الضفّة الغربيّة، وتقع تحت السيطرة العسكريّة والإداريّة الإسرائيليّة الكاملة - وتبرّر السلطات الإسرائيليّة قرار الهدم هذا؛ بالقول إنّ هذه المدارس بُنيت بطرق "غير قانونيّة".

 

طلّاب في إحدى مدارس غزّة الّتي دمّرتها إسرائيل عام 2014 | خليل حمرا (AP)

 

يرفض الجيش الإسرائيليّ إعطاء رخص بناء للفلسطينيّين، في مناطق "ج"، وقد صادر 16 مدرسة على الأقلّ منذ 2010، كما يستهدف الاحتلال أيضًا، بشكل مكرّر، بعض المدارس الّتي تحاول إعادة بناء مبانيها، مثلما حصل مع "مدرسة أبو النوّار" في القدس، الّتي تعرّضت إلى الهدم ستّ مرّات منذ 2016.

يدفع هدم الجيش الإسرائيليّ لهذه المدارس، عددًا من تجمّعات البدو في مناطق "ج"، إلى الشعور بالإكراه على التنقّل والاستقرار في مناطق أخرى؛ أمر ينتهك حقًّا دوليًّا ويمثّل جريمة حرب، حسب تعبير عمر شاكر، مدير "هيومن رايتس ووتش" في فلسطين وإسرائيل.

يقول شاكر: "هدم المدارس أمر يصعّب الحصول على التعليم، وقد يجعله مستحيلًا في بعض الحالات"، ويضيف: "لا تملك ثُلثُ تجمّعات مناطق ’ج‘، مدارسَ ابتدائيّة في أماكن وجودها".

حسب "هيومان رايتس ووتش"، ثمّة قرابة 10 آلاف طفل في مناطق "ج"، ممّن يتعلّمون في خيم أو بنايات بلا تدفئة أو تكييف، وحوالي 1700 طفل، ممّن يضطرّون إلى المشي مسافة خمسة كيلومترات أو أكثر؛ للوصول إلى المدارس؛ بسبب إغلاق الطرق، ونقص المواصلات، أو عدم وجود مدارس في تجمّعاتهم.

 

طلّاب "مدرسة أبو النوار" الّتي هدمها الاحتلال 6 مرّات منذ 2016 | AP 

 

يقول شاكر: "إنّهم جميعًا ضحايا مجموعة من السياسات [الإسرائيليّة]؛ الّتي تهدف إلى جعل هذه المناطق غير قابلة للعيش، وتخلق ظروفًا ستدفعهم إلى التنقّل القسريّ، الّذي يمثّل جريمة حرب".

 

التنقّل القسريّ جريمة حرب

يقول آميت غيلوتز، الناطق الرسميّ باسم "مركز المعلومات الإسرائيليّ لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة - بتسليم": "إنّ هدم إسرائيل للمدارس يخلق بيئة تعلّم غير آمنة، وتكمن وراءه أسباب إستراتيجيّة محضة".

يشرح غيلوتز: "مناطق ’ج‘ هي المكان الّذي فيه كلّ ما تريده إسرائيل"، ويضيف: "إنّها المكان الّذي يضمّ أغلب الموارد الّتي تحتاج إليها الضفّة الغربيّة، لأيّ تنمية مستقبليّة لسكّانها؛ أمر دفع بإسرائيل إلى السعي جاهدةً - منذ 1967 - للسيطرة على كلّ ما يمكنها السيطرة عليه، من موارد وأراضٍ، مع أقلّ عدد سكّان فلسطينيّين ما أمكن".

رفض إعطاء تراخيص بناء مدارس، وهدم مدارس أخرى؛ بذريعة نقص التصاريح اللازمة، لا يعدو أن يكون إستراتيجيّة تستخدمها إسرائيل؛ لجعل حياة الفلسطينيّين أصعب - حسب تعبير غيلوتز - الّذي يضيف بأنّها منهجيّة غير مباشرة؛ لدفعهم نحو التنقّل القسريّ.

 

روضة "أزهار أبو النوّار" شرق القدس | PM

 

يشرح ذلك قائلًا: "لا يجب بالضرورة، أن يكون التنقّل القسريّ واضحًا جدًّا، كما تمثّله كُتيّبات التوجيه: تحميل الناس في شاحنات كبيرة، وإنزالهم في مكان آخر".

يستطرد قائلًا: "إذا كان الناس يغادرون؛ لأنّك خلقت لهم بيئة تُكرِههم على ذلك، لا يستطيعون معها الاستمرار؛ فهذا يكون تنقّلًا قسريًّا، وهو جريمة حرب واضحة، حسب تعريفات القانون الدوليّ"، ويضيف: "في أغلب الأحيان، كانت إسرائيل تتجنّب أساليب جرائم الحرب، كما تصفها كُتيّبات التوجيه".

إنّ إسرائيل، وحسب تعبير غيلوتز، "تلعب لعبة إستراتيجيّة، تمكّنها من السيطرة على خمسة ملايين فلسطينيّ، وتحرمهم من حقوقهم السياسيّة والإنسانيّة الأساسيّة من جهة، في الوقت الّذي تتخفّى فيه عن ’الرادار‘ العالميّ، وتقدّم نفسها باعتبارها ’ديمقراطيّة غربيّة‘ من جهة أخرى".

 

التعليم سلاحًا

وفقًا لتقرير صادر عن "يونيسيف" نهاية تمّوز (يوليو) 2018، غادر قرابة 25٪ من الأطفال الفلسطينيّين، وقرابة 7٪ من الطفلات الفلسطينيّات، غادروا المدرسة من دون إكمال تعليمهم.

أمر يعود إلى أسباب من مثل: جودة التعليم المنخفضة، والعنف الجسديّ والمعنويّ في المدارس من الأساتذة والأقران على حدّ سواء، والصراع المسلّح، والاعتداءات الّتي يتعرّض إليها التلاميذ، من قِبَل المستوطنين والجيش الإسرائيليّ، عند عبور الحواجز.

 

ناشطون فلسطينيّون يقيمون خيمة لتكون "مدرسة جبّة الذّيب"، بعد هدم القوّات الإسرائيليّة مدرستها عام 2017 | يمنى بطل (mondoweiss)

 

ثمّة علاقة مباشرة، حسب "هيومن رايتس ووتش"، بين المسافة الّتي يمشيها الطفل إلى المدرسة، وبين نسب الاستمرار في الدراسة أو تركها. يقول تقرير للمنظّمة: "كلّما طالت المسافة زادت المضايقات، ولا سيّما من طرف المستوطنين؛ وهو أمر يدفع كثيرًا من الآباء إلى منع أبنائهم من الذهاب إلى المدارس".

يقول عمر شاكر: "غالبًا ما يجري إيقاف الفتيات أوّلًا عن الانخراط في المدارس، كلّما وُجدت مخاوف على سلامتهنّ، أو مخاوف بسبب الصعوبات الّتي تواجههنّ قبل الوصول إلى المدرسة".

في ذات الصدد، يقول محمّد الهوّاش، مدير عامّ "دائرة الاستشارة في وزارة التعليم الفلسطينيّة"، إنّهم مهتمّون باستمرار، بالصحّة الذهنيّة للأطفال الّذين تواجههم بيئة تعليميّة مدمِّرة، ويضيف: "يجب أن نتحدّث عن التلاميذ وسلامتهم الذهنيّة والجسديّة، حينما يشاهدون دمار مدارسهم وفصولهم الدراسيّة على يد الحكومة الإسرائيليّة؛ فكثير منهم لا يستطيع فهم لماذا يريدون تدمير مدرسة".

وعلى الرغم من أنّ التعليم في فلسطين يواجه ضغطًا هائلًا؛ بسبب الاحتلال الإسرائيليّ؛ إلّا أنّ فلسطين تُعَدّ من أكثر الدول الّتي تقلّ فيها الأُمّيّة في العالم؛ إذ كشفت إحصائيّات أصدرها "الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ"، في "اليوم الدوليّ لمحو الأُمّيّة" في 8 أيلول (سبتمبر)، أنّ 3,3٪ فقط من مجمل السكّان، الّذين تعدّوا سنّ الـ 15 عامًا، أُمّيّون، بانخفاض بلغ نسبة 10٪ خلال الأعوام العشرين الماضية.

 

مدرسة "الخان الأحمر" | Peter Tkac/CC BY-SA 2.0

 

يعلّق عمر شاكر على هذه الإحصائيّات: "إنّها دليل على مقاومة أناس يعيشون تحت ظروف قاسية"، ويضيف: "إنّها تُظهر الجهود الّتي سيبذلونها لتوفير التعليم وخدمات أساسيّة أخرى، لهؤلاء السكّان الّذين قضوا قرابة نصف قرن تحت الاحتلال".

لطالما حارب الفلسطينيّون من أجل الحقّ في التعليم، حسب تعبير الهوّاش، الّذي يضيف قائلًا: "إنّنا نؤمن بأنّ التعليم سلاحنا نحن الفلسطينيّين".

ويستطرد قائلًا: "سيعود الفلسطينيّون مرارًا إلى نفس المكان، محاولين بناء المدارس مجدّدًا. نعلم أنّهم - الإسرائيليّين - سيدمّرونها مجدّدًا، لكنّنا نعلم أيضًا أنّنا نريد أن نحفظ لتلاميذنا حقّهم في التعليم".

يختم الهوّاش قائلًا: "هذه أرضنا، ولا أحد يمكنه أن يمنعنا من بناء مدرسة، أو تقديم خدمات تعليميّة لأبنائنا"، "بناءً على ذلك؛ نحن في حاجة إلى أن نستخدم التعليم سلاحًا من أجل شعبنا".

 

 

روزَنَة: إطلالة على الثقافة الفلسطينيّة في المنابر العالميّة، من خلال ترجمة موادّ من الإنجليزيّة والفرنسيّة إلى العربيّة وإتاحتها لقرّاء فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، بإشراف المترجمين، أسامة غاوجي ومعاد بادري.

موادّ روزَنَة لا تعبّر بالضرورة عن مبادئ وتوجّهات فُسْحَة، الّتي ترصدها وتنقلها للوقوف على كيفيّة حضور الثقافة الفلسطينيّة وتناولها عالميًّا. 

* الصور والفيديوهات الواردة في هذه المقالة من اختيارات هيئة التحرير، لا المصدر الأصل.

 

 

تعليقات Facebook