فلسطين السوريّة الفينيقيّة

سفينة منحوتة على تابوت من الحضارة الفينيقيّة - القرن الثاني ق.م | ويكيميديا

 

"فلسطين السوريّة الفينيقيّة - 700 - 300 ق.م: تفكيك ألغاز بونت، وإرم، وكلد، وفينيقيا، ومجان، وسريان"، هذا الكتاب الرابع من سلسلة كتب تبحث في تاريخ فلسطين القديم: حضارتها وثقافتها وأديانها المتعدّدة والمتوالية، ضمن رؤية يقول الكاتب إنّها جديدة، وفيها اكتشافات تطرح لأوّل مرّة، مثل أن مكوّن الشعب الفلسطينيّ القديم يتألّف من ثلاثة أقوام، هم الكنعانيّون والحوريّون والثموديّون، اثنان منهم عرب جزيريّون، والثالث هندوأوروبّيّ أصله من جنوب القوقاز وأرمينيا.

صدر الكتاب عن "مكتبة كلّ شيء" في حيفا، عام 2018، في 356 صفحة من القطع الكبير، ويتكوّن من مقدّمة ومدخل وعشرة فصول وخاتمة، ويتحدّث عن مرحلة الاحتلال الفارسيّ لفلسطين، في فترة القرن الخامس قبل الميلاد. 

 

تنشر فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مقطعًا من الكتاب بإذن من مؤلّفه.

*****

 

مدخل: فلسطين السوريّة - الاسم والدلالة التاريخيّة والدينيّة

في الخامس والعشرين من أيّار (مايو) عام 2014، زار البابا فرنسيس فلسطين المحتلّة التاريخيّة، بشقّيها؛ أي ما سُمّي بعد نكبة عام 1948، بإسرائيل، الّتي هجّرت العصابات الصهيونيّة المدعومة من العرب أغلب سكّانها، والضفّة الغربيّة لنهر الأردنّ، وقطاع غزّة؛ أي ما يُسمّى اليوم بالمناطق المحتلّة، وقد تجادل البابا فرنسيس، بابا حاضرة الفاتيكان الكاثوليكيّ، ورئيس وزراء دولة الاحتلال الصهيونيّ، البولنديّ الوالدين، ذوَي الأصول الخزريّة - الأشكنازيّة، و"يديشيّ" اللغة، بنيامين نتانياهو، بشأن اللغة الّتي كان يتحدّث بها السيّد المسيح، قبل ألفي عام.

قال بنيامين نتانياهو للبابا في اجتماع بالقدس: "ثمّة صلة قويّة بين اليهوديّة والمسيحيّة، المسيح كان هنا، على هذه الأرض، كان يتحدّث العبريّة".

قاطعه البابا: "بل الآراميّة".

ردّ نتانياهو: "كان يتحدّث الآراميّة، لكنّه كان على دراية بالعبريّة".

فردّ البابا فرنسيس أنّه لا يعلم، وأنّ معلوماته أنّ المسيح كان يتكلّم الآراميّة فقط.

 

 

إذن، وبناءً على هذه المقولة "الإثبات"؛ كان الآراميّون هنا، كانوا في فلسطين، وفرضوا لغتهم عليها، في مرحلة ما من التاريخ القديم، كيف لا، ولدينا إثبات على ذلك، في النصّ الإنجيليّ المقدّس، بأنّها كانت لغة السيّد المسيح، ولغة وثائق مخطوطات "قُمران" في وادي الأردنّ أيضًا؟

 من أين جاء الآراميّون إلى فلسطين؟

يُعتقد - من حيث المبدأ - أنّ تاريخ دخول اللغة الآراميّة إلى فلسطين، كان في أثناء السيطرة الأشوريّة على المشرق العربيّ، حيث استولى الأشوريّون على فلسطين، ومن ضمنها بلاد فينيقيا؛ أي صيدا، عام 774 ق.م، وصور عام 734 ق.م، والسامرة عام 721 ق.م، حيث قام سرجون الثاني بنقل سكّان بعض مناطق فلسطين، عام 701 ق.م، إلى مستعمراته في شمال شرق سوريا، وتكرّر الأمر نفسه، في أثناء الغزو البابليّ - الغزوة الأولى عام 597 ق.م، والثانية عام 587 ق.م - وعلى ذاك؛ يُسجَّل أنّ بدء انتشار هذه اللغة، جاء مع صعود الدولة الأشوريّة، الّتي سيطرت على الشرق العربيّ وجواره قرونًا عدّة، فقد كانت اللغة الآراميّة، الّتي هي سليلة الأكّاديّة، لغة هذه الدولة.    

ويُذكر أيضًا أنّه عام 700 ق.م، كانت آشور تضمّ إلى أملاكها جميع أراضي الهلال الخصيب، ولم تكتف بذلك، بل وسّعت نطاق سلطانها، حتّى البلاد الجبليّة الشماليّة - شمال أرمينيا والقوقاز - وما وراءها، إلى مدًى بعيد. وبفتحها لمصر بسطت حمايتها على الجهة الغربيّة من وادي النيل الأسفل، وصارت أعظم مملكة رآها العالم مُذ وجد، ولم تكن دولة في العالم تجرؤ على مناوأتها.

 

من شواهد الحضارة الآشوريّة: "بوّابة عشتار" البابليّة | متحف بيرغامون - برلين

 

ويرى ول ديورانت في كتابه "قصّة الحضارة"، أنّ حكومة آشور بانيبال، أقامت في غربيّ آسيا، حكمًا كفل لهذا الإقليم قسطًا من النظام والرخاء، أكبر ممّا يمكن، في هذا الجزء من الأرض، في ما جرى قبل ذلك العهد، أنّ حكومة آشور بانيبال، الّتي كانت تضمّ تحت جناحيها: بلاد آشور، وبابل، وأرمينيا، وميديا، وفلسطين، وسوريا، وفينيقيا، وسومر، وعيلام، ومصر، كانت - بلا جدال - أوسع نظام إداريّ شهده عالم البحر المتوسّط، أو عالم الشرق القديم، حتّى ذلك العهد، ولم يدانِ آشور بانيبال فيه إلّا حمورابي.

وازداد انتشار اللغة الآراميّة مع غزو نبوخذ نصّر الكلديّ - الأكّاديّ لفلسطين، فمن المعروف أنّ هذا القائد، الإمبراطور، الّذي اتّخذ من بابل عاصمة له، كانت لغته وقومه الآراميّة أيضًا، وعلى ذلك؛ فإنّ فرضيّة أنّه مع دولة آشور، ودولة بابل الثانية، ازداد انتشار هذه اللغة، فرضيّة مقبولة وقويّة، لكنّنا لاحظنا أيضًا أنّ دولة الماديّين والفرس، الّتي ورثتهما هي الأخرى، اعتمدت اللغة الآراميّة، لغة رسميّة للدولة، وعليه؛ يمكننا اعتبار الآراميّة لهجة أكّاديّة، والآراميّين سلالة أكّاديّة بدويّة، تمدّنت مع الوقت، وأصبحت مؤهّلة لإنشاء دول أو دويلات شرق المتوسّط، وفي سوريا المجوّفة، وغرب الفرات.

ولأنّ تاريخ فلسطين في هذه الفترة تاريخ غامض؛ إذ إنّ المراجع المتوفّرة حوله قليلة جدًّا، وذلك لم يكن يمنحنا سوى استنباط بعض الشذرات الّتي تهمّنا أو استخراجها، من مجموعة صغيرة من المراجع، أبرزها كتاب العهد القديم، الّذي حلّلنا نصوصه، ضمن قراءة مختلفة عن الشائعة في الأوساط اللاهوتيّة والدينيّة، وكُتب المؤرّخين اليونانيّين، والفرس، والأرمن، والمصريّين، وكان مُرشدنا الأساسيّ كتاب هيرودوت، المعروف باسمه، حول تاريخ الحقبة الفارسيّة؛ إذ عاصرها، وكان شاهدًا حيًّا عليها. وقد عُرف هذا المؤرّخ هيرودوت، بفضل كتابه "مكتبة التاريخ"، الّذي وصف فيه أحوال البلاد، والأشخاص الّذين التقاهم في ترحاله، حول حوض البحر الأبيض المتوسّط، حيث زار مختلف أنواع مسارح المعارك، وهي موضوع كتابه الأساسيّ؛ أي الحروب بين الإغريق، والفرس، والميديّين، ولعلّه - كما يُعتقد - كان حاضرًا شخصيًّا في بعض هذه المعارك، مثل ماراثون وسالاميس.

 

"قصّة الحضارة" لول ديورانت

 

يذكر هيرودوت في كتابه فلسطين، في فصول عدّة، وفي أحدها يورد العبارات الآتية: "لا يمكن دخول مصر، إلّا عن طريق عبور الصحراء، ويسكن البلاد الممتدّة من أرض الفينيقيّين (صيد)، حتّى حدود مدينة كاديتس (غزّة)، السوريّون الّذين يسمَّون ’الفلسطينيّين‘، ومن هذه المدينة – الّتي تضارع مدينة سارديس في حجمها – فإنّ جميع الموانئ، حتّى جينيسيوس، تتبع ملك العرب، والمنطقة الّتي تمتدّ من هناك حتّى جينيسيوس، ومن هناك حتّى بحيرة سربونيس (سبخة البردويل)، الّتي بالقرب منها ينحدر جبل كاسيوس ليصل إلى البحر؛ فإنّها تعود إلى سوريا أيضًا، أمّا مصر فتبدأ من منطقة بحيرة سربونيس، حيث تذهب الرواية، إلى أنّ الإله تيفون (الإله سيث) يختفي هناك".

إذن، سكّان فلسطين في هذه الفترة هم السوريّون (السريان)، وهم مَنْ يُطلَق عليهم تسمية أخرى هي الفلسطينيّون، أو من حيث الدقّة في التعبير، هم سوريّون، يُطلَق عليهم تسمية "الفلسطينيّون"، وذلك نظرًا إلى استيطانهم فلسطين؛ إذن، هم سوريّون بالأصل، لكنّهم فلسطينيّون من حيث الوطن!

وعندما تحدّث هيرودوت عن جغرافية آسيا، وكيف تتوزّع أقاليمها وسكّانها، قدّم شرحه كالآتي: "يقطن الفرس في منطقة تمتدّ من الشمال حتّى الجنوب، فتتّصل بالبحر الأحمر (الخليج العربيّ)، وفي الشمال منها الميديّون، والساسبير، والكولخيان، الّذين تمتدّ أراضيهم حتّى بحر الشمال، حيث يقع مصبّ نهر الفاسيس، (أراكس، في أرمينيا)، وهذه الأقوام الأربعة تحتشد في المنطقة بين البحر الأسود والخليج العربيّ، ثمّ هناك لسانان جبليّان قارّيّان ضخمان، يتّجهان غربًا، أحدهما يمتدّ من نهر الفاسيس في الشمال، على مسار البحر الأسود والهليسبونت، حتّى شاطئ البحر الأبيض المتوسّط عند سيجيوم في ترود، ثمّ ينحدر جنوبًا، ويحاذي ساحل البحر الأبيض المتوسّط، من خليج ميرياند، بالقرب من فينيقيا، إلى رأس تروبيوم، وهذا الفرع من القارّة يضمّ ثلاثين قومًا، أمّا اللسان القارّيّ الآخر (الهضبة) فيبدأ في فارس، ويشمل بلاد الأشوريّين والعرب، وينتهي - كما هو متّفق عليه – عند خليج العرب (البحر الأحمر)، الّذي قام داريوس بوصله بنهر النيل عبر قناة. وما بين فارس وفينيقيا أرض شاسعة واسعة، ويمتدّ هذا الفرع - الّذي أقوم بوصفه هنا - بمحاذاة ساحل البحر الأبيض المتوسّط من فلسطين – سوريّة حتّى مصر حيث ينتهي، ويضمّ ثلاثة أقوام. هذه هي آسيا، الّتي تمتدّ من فارس غربًا وشرقًا. وراء بلاد الميديّين، ومنطقة الساسبير، والكولخيان، يقع الخليج العربيّ، وفي أقصى الشمال بحر قزوين ونهر أراكس الّذي يجري تجاه الشرق. وآسيا مأهولة بالسكّان إلى الهند، وما بعدها شرقًا أرض غير مأهولة، وليس ثمّة من يعلم بحال تلك المنطقة؛ فهذه إذن آسيا وشكلها وحجمها".

 

المؤرّخ اليونانيّ هيرودوت، صاحب كتاب "مكتبة التاريخ"

 

وفي موضع آخر من كتابه سالف الذكر، يعود هيرودوت ليذكر اسم البلاد وشعبها، في الصفحة 522 من الطبعة العربيّة، في أثناء حديثه عن مشاركة الفلسطينيّين، في الحملة الفارسيّة على اليونان، بقوله: "وكان الأسطول يتألّف من ألف ومئتين وسبع من السفن الضخمة الطويلة، عدا السفن العاديّة وقوارب النقل؛ إذ قدّم الفينيقيّون والسوريّون سكّان فلسطين 300 سفينة، وبحّارتها يرتدون خوذات، شبيهة بخوذات أمثالهم من الإغريق، فضلًا عن الدروع من نسيج الكتّان، والتروس، والرماح. ويروي هؤلاء أنّ مهدهم في القديم شواطئ البحر الأريتريّ (المحيط الهنديّ، والخليج العربيّ)، ثمّ هاجروا إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسّط؛ ليستقرّوا في هذه البلاد، الّتي يسكنونها الآن - أي الساحل السوريّ – وما زالوا يسكنون هذا الساحل حتّى اليوم، وتُعرف هذه المنطقة من سوريا وما يليها جنوبًا حتّى مصر، تُعرف بفلسطين".

هنا يستخدم هيرودوت مصطلحًا غريبًا، في الإشارة إلى السوريّين الفلسطينيّين، وهو "القاطنون في فلسطين"!

وفي مجال إشارته إلى تقسيم الفرس الإداريّ، للمناطق الّتي احتلّوها في شرق المتوسّط، يقول هيرودوت: "المنطقة الممتدّة من مدينة بوزايدونيوس، الّتي أسّسها أمفيلوخوس بن أمفياراوس، إلى مصر، هذه لم تكن تابعة للعرب (يقصد الآدوميّين والقيداريّين – الأنباط - في النقب وسيناء)، الّذين لا يدفعون شيئًا، تعود بضرائب مقدارها ثلاثمئة وخمسون تالنت. ويتبع هذا الإقليم مجمل فينيقيا وفلسطين - سوريا، وقبرص".

 

من شواهد حضارة الميديّين - قصر داريوس | dissolve

 

وفي مكان آخر، يقول هيرودوت: "والبقعة الممتدّة من بلاد فارس حتّى فينيقيا كبيرة وواسعة، لكنّها تُضحي، بدءًا من فينيقيا، شريطًا ساحليًّا ضيّقًا، يمتدّ من بحرنا، عبر فلسطين - السوريّة، إلى مصر، حيث ينتهي هناك، ويعيش فيها ثلاثة أقوام".

إذن، هيرودوت يتحدّث عن ثلاثة أقوام، تقطن المنطقة الممتدّة من البحر اليونانيّ حتّى مصر، وهم الفينيقيّون، والسوريّون الّذين يُسمَّون الفلسطينيّين، والعرب سكّان النقب، وسيناء، وشرق الأردنّ.

والملاحظ أنّه لم يذكر بلادًا إلى الشمال من فينيقيا حتّى بلاد اليونان، باسم سوريا، بل ذكر سوريّة فقط ضمن الاسم المركّب "فلسطين السوريّة"، لكنّه جعل صحراء سيناء جزءًا من سوريا الّتي قُصد بها "فلسطين السوريّة" بكلّ تأكيد، وليس سوريا أخرى، ويضيف هيرودوت: "لكنّ المنطقة الّتي تقع بين جينيسيوس من جهة، وجبل كاسيوس والبحيرة من جهة أخرى، واسعة يستغرق اجتيازها مسيرة ثلاثة أيّام على الأقل، وهي صحراء قاحلة، ليس فيها قطرة ماء".

وهنا يتوقّف ليقصّ علينا حكاية طريفة، بقوله: "سأذكر الآن أمرًا، لا يعرفه سوى بعض الرحّالة إلى مصر؛ تستورد مصر، وعلى مدار العام، النبيذ من بلاد الإغريق والفينيقيّين كافّة، معبّأً في جرار من الفخّار، ومع ذلك؛ فإنّ المرء لا يصادف آنية نبيذ فارغة، في أيّ مكان من هذه البلاد؛ وهنا يتساءل المرء: ما مصيرها؟ وتفسير ذلك أنّ لدى كلّ مسؤول محلّيّ، في جميع المناطق، أوامر بتسليم الجرار، وتجميعها من بلدته، ثمّ إرسالها إلى ممفيس، حيث يقوم أهلها بملء الجرار بالمياه، وإرسالها إلى هذه المنطقة الصحراويّة في سوريا، وهكذا فإنّ كلّ جرّة جديدة من النبيذ تستوردها مصر، تفرَّغ من محتوياتها؛ لتجد طريقها إلى سوريا".

 

"خريطة العالم وفق هيرودوت" عام 450 ق.م - أعدّها ج. موري عام 1897 | المكتبة البريطانيّة

 

وبذلك؛ جعل هيرودوت تسمية "سوريّة" لاحقة لاسم البلد فلسطين، في بعض الأحيان، وجعل السوريّين غرباء في فلسطين، في أحيان أخرى، وعلى ذاك؛ فإنّ كلمة السوريّة، أو سوريّة، تسمية لمركّب سكّانيّ أساسيّ في فلسطين ذلك الزمان، لكنّه عنصر غريب لا أصيل فيها، حيث استخدم عبارة "القاطنون في فلسطين"؛ فقد كان فيها ثلاثة أقوام، ميّزهم عن بعضهم بعضًا: كنعانيّ وسوريّ وعربيّ، وإذا كان الكنعانيّ هو الفلسطينيّ، الّذي عرّفناه في كتابنا السابق، "الفلسطينيّون الكنعانيّون القدماء"، أنّه يعني الحميريّ، ذا الأصل العُمانيّ، والبحرينيّ، والخليجيّ العربيّ، واليمنيّ؛ فإنّ العنصر الآخر، وهو السوريّ، يبقى مجهولًا! مع أنّ الشائع أنّهم الآراميّون؛ فهل عنى هيرودوت بالسوريّين الآراميّين؟ يبقى هذا سؤالًا، سنجيب عنه.

فبعد أن كنّا بحثنا في التسمية، فلسطين وفلسطينيّ، كنعان وكنعانيّ، في كتابنا السابق "الفلسطينيّون الكنعانيّون القدماء"، وأثبتنا بالوقائع أنّهما تسميتان لشعب واحد؛ فإنّ هيرودوت يقول في كتابه "مكتبة التاريخ"، إنّ السوريّ هو الفلسطينيّ، والفلسطينيّ هو السوريّ، وبذلك؛ يقدّم حينًا السوريّين على الفلسطينيّين في التسمية، حين يقول "السوريّون الّذين يسمَّون الفلسطينيّين"، أو في أحيان أخرى، يجعل سوريّة لاحقة لفلسطين، حين يقول "فلسطين السوريّة"؛ وهنا ربّما كانت اللاحقة "سوريّة" تعني انتماءً قوميًّا، أو عرقيًّا، أو دينيًّا! وربّما لها علاقة بالأشوريّين؛ إذ يقول العالمان الروسيّان دياكوف (ف) وكوفاليف (س): "إنّ الأشوريّين نقلوا سكّانًا أشوريّين وأسكنوهم فلسطين، بدل مَن سبوهم من السكّان الفلسطينيّين؛ ففي مملكة إسرائيل القديمة، وفي بعض أقاليم سوريا، أُبيد السكّان أو نُفوا، وحلّ محلّهم مستعمرون أشوريّون".

 

 

إذن، وفي كلّ الأحوال، وبغضّ النظر عن اللاحقة ومعناها؛ فإنّ سكّان فلسطين جميعًا، هم فلسطينيّون سوريّون، أو سوريّون فلسطينيّون، ويُستنتَج ممّا يرويه هيرودوت أيضًا، أنّ الفلسطينيّين جميعًا ينتمون إلى ثلاثة أقوام، هم السوريّون، والكنعانيّون (الفينيقيّون)، والعرب (الّذين قُصد بهم ربّما العشائر الأدوميّة، أو النبطيّة - القيداريّة، الّتي كانت تسكن شرق فلسطين أو جنوبها أو حتّى شمالها؛ إذ لا حدود ثابتة لتلك القبائل)، وكلّهم - رغم تسمياتهم المختلفة - ينتمون إلى إقليم فلسطين، ويُطلق عليهم جميعًا تسمية فلسطينيّين، وهؤلاء؛ أي الفلسطينيّون السوريّون، يجمعهم هيرودوت مع الفينيقيّين، الّذين يعودون بجذورهم أو أصولهم، إلى منطقة البحر الأريتريّ (الأحمر)، والخليج العربيّ (الفارسيّ)، تحت تسمية فلسطينيّين، ويبقى استخدامه للعبارة، الّتي لا يكلّ ولا يملّ من استخدامها، عندما يذكرهم بقوله: "الّذين يقطنون فلسطين"، هي محلّ سؤال؛ إذ تشير إلى أنّه لا يعتبرهم سكّانًا أصليّين، بل قادمين إليها من بقعة أخرى، وعلى ذاك؛ فإنّ ثمّة احتمالًا لوجود سوريّين آخرين، يقطنون بقعة أخرى، وربّما تكون هي أصل هؤلاء السوريّين.

 

 

علاء أبو عامر

 

أكاديميّ، ودبلوماسيّ، وروائيّ فلسطينيّ يقيم في غزّة، حاصل على الدكتوراه في تاريخ العلاقات الدوليّة والسياسة الخارجيّة، من "أكاديميّة العلوم الروسيّة" عام 1992. صدر له عدد من المؤلّفات، منها: "الفلسطينيّون الكنعانيّون القدماء: الحقائق، الألغاز، الأساطير" (2017)، ورواية "كشتان" (2017)، و"العلاقات الدوليّة: الظاهرة والعلم، الدبلوماسيّة والإستراتيجيّة" (2005).

 

 

تعليقات Facebook