التّعليم كفعلٍ تشاركيّ، قراءة في تجربة المعلّم زياد خداش

زياد خداش، كاتبٌ ومعلّمٌ فلسطينيّ بمدرسة 'أمين الحسيني' في رام الله. يغامر زياد بشكلٍ تعليمي مختلف عن السّائد، في واقع فلسطينيّ مضطرب وممزق، بفعل غطرسة الاستعمار وانضباطيّة المؤسّسة التّربويّة الفلسطينيّة.

إلى جانب طلابه من الأطفال، يرسم زياد ملامح تجربة متمردة ساءلت أنماط التّعليم القديمة والمناهج الكلاسيكيّة.

الأطفال، بروليتاريا المنظومة التّعليميّة

إثر انتصار ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، وقف البرلمان السّوفياتيّ ليتكلم عن شيء مهم: 'لقد قضت روسيا على جميع القياصرة ولم يبقى إلا قيصر واحد، ألا وهو الطّفل'.

لم يكف رد الاعتبار ذلك، لمنح الطّفل مكانته الفعليّة عبر التّاريخ، ففي الشّارع أو العائلة أو المدرسة، يظلّ الأطفال فئة مسحوقة ترزح تحت ناموس التّقاليد وثقل السّلطة الأبويّة والعنف الرّمزيّ، ويخضعون لطفولة ليست لهم، في انتظار ثورة ما تعصف بالمنظومة القيمية.

يعي زياد خدّاش ذلك جيّدًا، ويحاول أن يؤسّس لمعرفة شوارعيّة متمردة، تكسر أقفاص المجتمع الانضباطيّة. يرسم مع طلابه خارطة الهروب من 'السيستيم' دون اللجوء إلى شعارات فضفاضة. يحرّض طلابَه على التّمرد على جدران المنظومة السكولاستيكيّة العقيمة ليؤسّس لفعلٍ تعليمي حر ومفتوح على العالم خارج مؤسّساته التّقليديّة، عملًا بما قاله الفيلسوف الفرنسيّ جيل دولوز: 'إذا توصل الأطفال الصّغار إلى توصيل وتبليغ مطالبهم أو إسماع احتجاجاتهم في الحضانات بل وحتى أسئلتهم، فإن ذلك يكفي لإحداث انفجار في كل منظومة التعليم'.

تناضل المدرسة الفلسطينيّة على مستويات عدة. من تكلّس البرامج التّعليميّة وإلزاميّة الشّكل التّعليميّ الانضباطيّ للمؤسّسة، إلى أقفاص السّلطة الأبويّة التي تسطر حدود الممنوع، مرورًا بضعف الإمكانيات المتاحة ووصولًا إلى غطرسة الاحتلال وهو يقصف المدارس ويعتقل الأطفال والمدرسين على حدٍّ سواء. أمام هذه العوائق والجدران، يؤسّس زياد لفعل تعليميّ مقاوم لا ينضبط لأطر المؤسّسة، شريك للأطفال بما هم صناع معرفة وأصحاب ريادة، ويؤصّل لمقاومة ثقافيّة في ظلّ إرهاب احتلال وماكينات الدّعاية التي تتمترس تحت غلافه.

يسعى زياد بشكل دائم إلى 'مَسْرَحَة' حضوره مع طلابه داخل القسم، ليتحوّل فعل التّعليم إلى فعل مسرحيّ تطهيريّ مكتمل الأركان، فيما أبطاله وجمهوره في نفس الوقت هم الأطفال.

هذا الشّكل يذكرنا بتجربة 'مسرح المقهورين'، الذي أبصر النّور في أميركا اللاتينيّة، على يد البرازيليّ أوغستو بوال. أين يرتجل الممثلون نصوصًا في مسرح مفتوح قد يكون جزءًا من الشّارع أو أي فضاء آخر، ويتدخل الجمهور لمعالجة جانب من النّص عبر الانخراط في الفعل المسرحيّ تمثيلًا وارتجالًا. نشوء مسرح المقهورين كان بمثابة رد فعل على احتكار الوعي في مستوى خطاب تنتجه السّلطة ويكون فوقيًا ومتعاليًا في تركيبته وبنيته. لذا اعتمدت تلك التجربة على إقامة فعل تشاركيّ مع المضطهدين، ينخرطون من خلاله في صناعة فعل معرفيّ وإنتاج حركة وعي.

الأطفال في 'مسرح' زياد هم من يمثلون حلقة المضطهد/المقهور. وهم أبطال المشهد وجمهوره، إذ يحوّلون الفعل التّعليميّ -رفقة زياد- إلى فعل تشاركيّ لا ينضبط لهرمية الإنتاج المعرفيّ. بهذا الشّكل، يقترب زياد كثيرًا من تجربة البرازيليّ باولو فريري الذي راهن على 'تعليم المقهورين' كوسيلة لتمكين هؤلاء من قدراتهم، من أجل الثّورة على الحيف والقهر. في كتاباته، يؤسس فريري لمساحة حواريّة بين طرفي المعادلة التّعليميّة، تستفز فضول المتعلم وتمكنه من مساحةِ استقلاليّةٍ أوسع. تعليم المقهورين هو الشكل الثّوريّ المناقض لما أسماه فريري بـ'التّعليم البنكيّ'، القائم على إيداع معلومات جاهزة ومقولبة مما يفرغ كيان المتعلم من الحسّ النّقديّ ويجعله متقبلًا سلبيًا لكل تسميمات المعرفة السلطوية.

الدهشة بداية المعرفة

المغامرة عنوان المعرفة في فلسفة زياد خداش التّعليميّة. يجعل زياد خداش من التّعليم شكلًا من 'المعرفة الجذلة'، فهو يزجُّ بطلابِه داخل حلقة الإنتاج المعرفيّة ولا يقصيهم منها بإلزام العلاقة الهرميّة، يتمرد على الحيّز التّعليميّ ويعيد صياغة أبعاده، رغمًا عن إحداثيات السّلطة الأبويّة والأخلاقيّة، التي تخنق الفضاء بكل تفاصيله. يعتمد زياد على الأسلوب اللعبيّ صحبةَ طلابه، ودائمًا ما تكون حصة الدّرس معه مفتوحة على الفعل الإبداعيّ.

الخيال عند زياد أهم من المعرفة التّلقينيّة، فهو لا يعمد إلى إتخام عقول الصّغار بعنف الأسلوب التّلقينيّ، بل يفتح كيانهم على مساحات الخيال ويحرّضهم على المغامرة كتابة وفعلًا وأداءً، 'فالإنسان مضطر إلى الخيال بطبعه' كما كتب الشّاعر التّونسيّ أبو القاسم الشابي، واضطراره لذلك تحركه رغبة في الانعتاق من سجنيّة العالم الذي يسكنه:

المدرسة مؤسّسة سجنية بامتياز، تخضع لثنائيّة المراقبة والعقاب، وتكثّف من حضور 'العنف الرّمزيّ' من خلال البرامج التّعليميّة وشكل العلاقة التي تربط المعلّم بالتلميذ في وسط مدرسيّ متخم بالمحظورات والقوانين؛

في نقده لمفهوم السّلطة وثنائيّة المراقبة والعقاب، يعتمد الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو على نموذج البانوبتيكون* لإبراز أشكال المراقبة الاجتماعيّة في العصر الحديث، التي لم تعد مرئيّة. فالسلطة لم تعد بتلك الهرميّة الكلاسيكيّة الفجة، بل تخترق المجتمع من خلال شبكة علاقات دقيقة غير مرئيّة وتجعل المجتمع رقيب نفسه بنفسه دون أن يُعَقْلَنَ لذلك.

في الفيلم الوثائقيّ 'أساتذة متمردون' الذي سلّطَ الضوءَ على تجربته المتفردة، يعيد مشهد هروب التلاميذ للأذهان أغنية Another brick in the wall  لفرقة الرّوك البريطانيّة بينك فلويد، في الفيلم الحامل لنفس اسم الألبوم - 'الجدار':

في مدرسة أمين الحسيني في رام الله، يقف الجدار أمام الطلاب ليفصلهم عن الشّارع. يسطّر خداش مع طلابه خارطة الهروب من سجنية المدرسة وجدارها، ليتحول الهروب إلى فعل إبداعيّ تحرريّ.

للجدار رمزية مزدوجة للطفل الفلسطينيّ، وما هروب الطلاب من جدار المدرسة إلا تمرين مقاومة رمزيّ، سينتقل خلاله طلاب زياد إلى تصور هروب آخر عبر جدران أخرى كثيرة منها جدار الضّم والتّوسع الذي شيده الاحتلال:

في إحدى حِصَصِهِ، ينخرط زياد مع طلابه في إطلاق صرخة وحشيّة. تمرين الصّوت مهم جدًا للأطفال. تلك الطاقة التّعبيريّة التي تعصى على تحديدات اللغة لتجد ترجمانها في مادة صوتيّة خام من دون تزلف كلاميّ.

عندما يلج الطّفل المدرسة، فإن اللاءات والموانع تسيطر على ذهنه أكثر من المساحات المفتوحة. تهب تلك الصرخة مساحة حرية للطلاب، وتقوم بفعلٍ تطهيريّ لبواطن الطّفل لتخلصه من أثقال وجوديّة ورواسب حياة إملائيّة، يعيشها بين العائلة والشّارع والمدرسة. تلك الصّرخة ما هي إلا إفراغ لذلك العفن المجتمعي الذي يتغلغل إلى كيان الطفل عن طريق التّلقين والعنف الرّمزيّ:

دائمًا ما يتلازم حضور الأستاذ وطلابه داخل المدرسة بصورة 'جلفر في بلاد الأقزام'. يكسر زياد ذلك التّعملق المفرط لصورة المعلّم، ويهندس علاقته بطلابه من خلال أفقية علائقيّة فيكون فيها كلا الطّرفين على نفس المساحة.

يذكرنا زياد خداش بما أتاه روبين وليامز في دور جون كيتينغ في فيلم Dead poets society، أين يقف المعلم أمام طلابه من أكاديميّة ويلتون المحافظة، يشاركهم تمردهم ويمارس معهم خطّة الهروب من الأكاديميّة إلى كهف الشّعر الذي يقع في الغابة القريبة وينخرط معهم في جنونهم الإبداعيّ.

ليست تجربة زياد بالوحيدة في المنطقة. فمنذ مدة قصيرة، ظهرت أشكال تعليميّة بديلة في المنطقة، مثل تجربة الجامعة الشّعبية للفلسفة 'فلسفة في الزنقة' بالمغرب التي أسسها شباب سئموا احتكار الدّولة لإنتاج المعرفة وفتحوها على مساحة شوارعيّة، و'الجامعة الشّعبية محمد علي الحامي' بتونس التي تفتح أبوابها للمهمشين والمقصيّين من دائرة المعارف الرسميّة.

المدرسة بشكلها الحديث، هي امتداد لأكاديميّة أفلاطون، التي أسّسها في اليونان قديمًا وكتب على مدخلها 'لا يدخلن علينا من لم يكن هندسيًا'، لتكون بذلك شكلًا معرفيًا إقصائيًا حكر على أشراف 'المدينة الفاضلة'. بعد أفلاطون، أسس أبيقور شكلًا مغايرًا للأكاديميّة تحت اسم 'الحديقة' التي كانت مفتوحة على الجميع وتهدف إلى خلق معرفة شوارعيّة غير ما أراده أفلاطون، من خلال التأسيس لمعرفة متعالية وانضباطيّة.

بتجربة المدرسة المتمردّة، يعد زياد خداش حفيدًا لأبيقور وحديقته، فهو رائد منهاج تربوي ثوري ويؤسس لشكل طرواديّ للمدرسة الشّعبيّة من داخل معقلها المؤسساتي الرسميّ.

 

* البانوبتيكون: نوع من السجون صُمِّمَ على يد البريطاني جيريمي بنثام. اسطوانيّ الشكل، يتوسطه حارس واحد باستطاعته مراقبة جميع السجناء. أصبح ذلك الشكل رمزًا لكل مؤسسات الضبط في القرن التاسع عشر كالمصانع والثكنات العسكريّة.

*كاتب وصحفيّ تونسيّ

تعليقات Facebook