جورج طرابيشي: من النّقد الرّوائيّ النّهضويّ حتّى نقد النّص الدّينيّ

السّندباد العربيّ الدّمشقيّ، وُلد في حلب، سوريا 1939، عاش في دمشق، ثم أقام في بيروت، وكان عاملًا منتجًا، معرِّبًا، ناقدًا. شارك في دار الطليعة ومجلة "دراسات عربّية"، انتقل إلى باريس وتوفي فيها، يوم 16 آذار (مارس) 2016، مخلفًا وراءه إرثًا نوعيًا كبيرًا في خدمة حضورنا داخل عالم الصراع والتّناحر. أيّ من التّصنيفات التّاليّة: مترجمٌ، ناقدٌ أدبيّ ومفكّر ستكون ظالمة لطرابيشي، لأنه كان هؤلاء جميعًا، وأكثر بقليل، قليل ينطوي على شخصيّة صلبة، شجاعة، لكنها قلقة على واقع ومستقبل أمتها العربيّة.

في رحلته التّعريبيّة، حاول طرابيشي نقل الفكر الفلسفيّ والنّفسيّ العالميّ للقارئ العربيّ بأسلوب أدبيّ وعلميّ. فقد كان يتعامل مع النّصوص بذكاءٍ حاد، بثقافةٍ عالية ووعي فكريّ سياسيّ، جعل من ترجماته نصوصًا متميزة مقابل ركاكة متزايدة في التّرجمات العربيّة للإنتاج الفكريّ الغربيّ.

النّقد الأدبيّ النّهضويّ

وظّف جورج طرابيشي ذاكرته الثّقافيّة وثقافته التّعريبيّة في قراءة الأدب العربيّ المعاصر، فاختار أبرز الكُتّاب وتناولهم بالنقد تباعًا. فتناول توفيق الحكيم في "لعبة الحلم والواقع" الصّادر عن دار الطليعة عام 1979. وكتابة نقديّة هامّة لأدب نحيب محفوظ وتحديدًا "الله في رحلة نجيب محفوظ الرّمزيّة". ودراسة لأدبيات نوال سعداوي على ضوء التّحليل النّفسيّ في كتابه "أنثى ضد الأنوثة". ولطرابيشي مؤلفات أخرى هامّة تثري المكتبة العربيّة النّقديّة والتّعريبيّة.

بالنّظر إلى أهمية مساهمة طرابيشي في النّقد الأدبيّ، نجد أن طرابيشي ذهب لرفع سقف الجدل النّقديّ. فذهب إلى تبني التّأويل التّحليليّ النّفسيّ والفلسفيّ لرموز الأدوات. وهو يقدّم وعيًا متقدمًا وذكيًا لدراسات المقارنة بين الإنتاج الرّوائيّ الغربيّ مقابل الإنتاج الرّوائيّ العربيّ في محاولة منه لتنوير التّقييدات الظّاهرة واللاواعية التي تعاني منها الرّواية العربيّة، ويقدّم تحليلًا متقدمًا في الاختلاف المنظوريّ الجذريّ، والذي يعكس في الحقيقة اختلافًا في الواقع التّاريخيّ. ولا يغيب عنه إبراز المركبات التي تصنع الهوة بين شقي الإنتاج. مركبات العقل والعاطفة، الحتميّة والسّببيّة، الجبريّة والعلل والمعلولات، الاستسلام والصّراع وبين ثقافة حيويّة الحياة والمناجاة.

لا يغيب عن كتابة طرابيشي نقد بنيويّ لاذع للمجتمع الأبويّ الذّكوريّ. وهو لا ينهج نهجًا مهذبًا حذرًا في وصف الذكوريّة في الإنتاج الرّوائيّ والمعرفيّ العربيّ، بل يذهب بعيدًا في تعريتها بقوله: "لم تتردد في أن تختار الموت على أن تفقد بيضها"، وهو موت مهزوم، في واقع مهزوم يفتقد حواريّة الحياة مقابل حضور جبريّة الموت. والرّجل الشّرقيّ يتخبط في مسارب الرّجولة المسدودة. ويبرز طرابيشي المرأة مثابرة، مناصرة للحياة مقابل البطولة اللامجدية  التي يمارسها الرجال. لكن المرأة، في الرّؤية النّقديّة لطرابيشي، تضيع في الصّمت فيقول: "كأن المرأة ووجودها كله محض علامة اعتراضيّة! كأن المرأة، في عالم الرّجال الكليّ الصّفو والحكمة، مجرد لغط وتشويش". فيمكن التّلخيص والقول عن التّعمق النّقديّ لطرابيشي بهذا السّياق على إنه إظهار وفضح لأيديولوجيا الرّجولة بكل زخمها، تركيزها واختمارها، فالهزيمة العربيّة، هزيمة 1967 تتحول إلى هزيمة رجال ومأساة رجال، كقوله في أحد مؤلفاته. ويتابع بهذا السّياق مقولة الاشتراكيّ فورييه، قبل أن يرثها عنه ماركس، ومؤداها أن " الموقف من المرأة يحدد الموقف من الإنسان ومن المجتمع ومن الوجود بأسره". وقد كان طرابيشي حادًا وواضحًا في سياق السّعي الذّكوريّ الدّائم لاستغلال واستغفال المرأة جنسيًا، فقد بيّن في مؤلفه "رمزية المرأة في الرّواية العربيّة"،  ففي جميع آداب الأمم المحدّثة وجد روائي (أو روائيّة) اتخذ من العلاقات بين الجنسين والموقف من المرأة معيارًا وقاعدة لتربية الإنسان الجديد. وفي البلدان المتخلفة لا تعود مثل هذه الرّواية تربويّة فحسب، بل نهضويًة أيضًا. ففي هذه البلدان، كما يقول طرابيشي، التي ننتمي لها، يمثل تخلف المرأة وتخلف الموقف من المرأة معلولًا أساسيًا وعلّة أساسية في آن معًا لوقف التّخلف. وكل إشكاليّة نهضويّة، بحسبه، لا تجعل من المرأة ومن الموقف منها محورًا من محاورها، تبقى إشكاليّة ناقصة وعاجزة. وبالتالي يحثّ طرابيشي على النّهضويّة والثّوريّة النّسويّة في الأعمال الرّوائيّة والفكريّة.  

في قراءة أعمال طرابيشي الكثيرة بمجال النّقد، لا بد من تقديم وجهة نظر طرابيشي للقارئ في منهجه النّقديّ. يؤكد طرابيشي في أعماله الأدبيّة إنه ينهج منهج التّحليل النّفسيّ، لكنه أمام عمل فنّيّ لا أمام حالة مرضيّة. والفارق بين الشيئين كبير. فالتحليل النّفسيّ، حسب قوله، هو منهج إفقار عند تطبيقه على الحالات المرضيّة، فكل شأنه أن يجرد المريض من عقدة واحدة تلو الأخرى ويردها لأصل واحد. أما تطبيق التّحليل النّفسيّ على العمل الفنّيّ، حسب طرابيشي، فهو يبدو على العكس، منهج إغناء، ويجعل للعمل عدة مستويات للقراءة والتّأويل ويعطي بعدًا عمقًا بعيد الغور بمثل العمق الذي يعطيه اللاشعور للشعور. ومن هنا يعتقد طرابيشي ويجاهر بأحقية نقده، فيقول أنه ما دام الرّوائيّ قد أصرّ أن يروي لنا ما حصل، فقد صار من حقنا أن نقرأ وأن نفهم ما نقرؤه على الوجه الذي نعتقد أنه هو الصّحيح. ويلخص جورج طرابيشي بقوله: "الكلمة التي تُكتب لا تعود ملكًا لصاحبها، بل تكتسب وجودًا موضوعيًا تفسيره يكمن في النّيات الذّاتيّة للكاتب".

الأنتلجنسيا والخطاب النّهضويّ

لم يكتف المفكر العربيّ الكبير جورج طرابيشي بمساهمته القيّمة في النّقد الأدبيّ والتّعريب. كما ينهج المثقفين الكبار، نهج طرابيشي لخوض سجالات فكريّة عميقة، فاتحًا مساحة لطروحات هامّة في دراسة العقل والتّراث، الثّقافة والمثقفين ودورهما في إحداث حراكًا نهضويًا في الواقع العربيّ، إستنادًا على موروث حضاريّ معرفيّ عربيّ وغربيّ. ويقدّم منهجًا ملتحمًا في التّحليل النّفسيّ للخطاب العربيّ المعاصر، وبالتحديد معالجة لـ "العصاب العربيّ الجماعيّ"، وهو خلل وعقدة التّمسك بالماضي وتثبيت هذا الماضي.

يُعتبر مؤلفه "المثقفون العرب والتّراث" من أهم مساهمات جورج طرابيشي في هذا المضمار. في هذه الدّراسة المستفيضة يَخضع الخطاب للتحليل، والخطاب هو وظيفة إنتاجيّة للأنتلجنسيا، وعليه يقوم طرابيشي بحصر عقدة العُصاب بالخطاب المعصوب الذي تنتجه هذه الشّريحة؛ شريحة الأنتلجنسيا العربيّة منذ النّكسة الحزيرانيّة. والحديث المعصوب ينتج ثنائيّة شالة: لا تراث إلا في مواجهة العصر وبالمضادة معه، ولا أصالة إلا في مواجهة الحداثة وبالقطيعة معها. فكل خطاب الارتداد إلى التّراث غالبًا ما يقترن، عن ضرورة شبه قهريّة، بخطاب الارتداد عن العصر.

يواجه طرابيشي شريحة المثقفين بمرضها، بشكلٍ يستفز دورها النّهضويّ. وكما ذكرت سابقًا، فإنه يميّز بين التّحليل النّفسيّ المرضيّ، الذي يرتكز على الإفقار كهدفٍ علاجيّ، في حين التّحليل النّفسيّ للخطاب هدفه الإغناء. وما كتبه طرابيشي في مؤلفه هذا، ومؤلفات أخرى، يشكّل شهادة تطبيقيّة حتى أيامنا هذه، شهادة على دور المثقف، أو بالأصح غياب هذا الّدور أمام كل ما يشهده حاضرنا من ظلاميّة. فشريحة الأنتليجانسيا التي مثّلث، بقدر أو بآخر وعلى إمتداد تاريخها الحديث، عامل نهضة وتقدّم. وهي بنفسها، أو شريحة واسعة منها، باتت تحتل موقعها اليوم داخل معادلة التّخلف بالذات باعتبارها عاملًا من عوامله.

يحاول طرابيشي رصد ردة الأنتلجنسيا وهي تأخذ شكل جائحة إيديولوجيّة ووباء نفسيّ، بحسب تعبيره. وكأنه شخّص الوباء بدقة شديدة، وحين كتب عن هذا الوباء الذي يتهددنا جميعًا بدون ضمانة من أي مناعة، وكأنه تنبأ بالظلامية الحاضرة التي تنهش بقوة في خاصرتنا العربيّة. ويحذّر طرابيشي بالقول: " فالوباء لا بدّ أن يوقف عند حده، وعدواه على الانتشار.وهذا ما يجب أن يكونه أمر اليوم على مدى السّنوات القادمة في لائحة مهمات كل مثقف عربيّ حريص على أن تكتب له النجاة.  لأنه إذا ما قيض لخطاب العصاب أن يصبح خطاب السلطة، فإن ما سينفتح أمام المثقف، وأمام الإنسان العربيّ في كل بقعة من الوطن، هو مستقبل من الظّلاميّة، وتبدو الظّلاميّة مرشحة لأن تكون شموليّة أكثر من أي وقت سبق، ولكن الظلاميّة رغم كل شيء، ليست قدرًا نهائيًا".

وما أشغل جورج طرابيشي في معظم مؤلفاته الفكريّة هو نهضتنا العربيّة المُعاقة. فقد شكّلت صدمة اللقاء مع الغرب الاستعماريّ الكولنياليّ والإمبرياليّ، صدمة ذات مفعول إيقاظيّ وتنبيهيّ. فكانت النّهضة العربيّة بمثابة عصر الاستفاقة والصّحوة. لكن هذه النّهضة تحوّلت لطاقة تنويميّة. فالمفعول الإيقاظيّ انقلب إلى ضده، إلى تخديريّ. فلم توظّف آليات الوعي والتّكيّف مع الواقع، بل الدّفاع عن الواقع والعزف عن مواجهته، وبدل التعاطي العلميّ مع الواقع، نلجأ للتعاطي السّحريّ والتّشبث بالماضي، وهذا التّعاطي هو وليد الصّدمة، ليس لأنه بالأساس خطابًا مريضًا. وإن هزيمة 1967، بمفعولها الرّضي، هي التي أمرضت الوعي العربيّ وخطابه معًا. وفي هذا السّياق تحوّل طرابيشي إلى سجال الخطاب الفلسفيّ العربيّ مخالفًا قمَته الجابريّة في "نقد العقل العربيّ"، بما يدعوه "نقد النقد" الذي لم يرد عليه الجابري.

نقد النّص الدّينيّ

لا يقطع طرابيشي خيوط فِكره حول النّهضة المُخدرة، ويقدّم نموذجًا ذاتيًا آخر حول الصّحوة التي يمكن أن يحدثها المثقف. ففي الوقت الذي تقوم شريحة واسعة من المثقفين إما بالتواطؤ مع القوى السّلفيّة، أو التّحالف مع الدّكتاتوريات، أو الصّمت عن ظلاميّة الحاضر،  تقوم شريحة محدودة من الأنتليجانسيا بالتصدي للظلامية وتدفع ثمنًا باهظً، منهم  طرابيشي الذي يقوم بإنتاج أحد أهم مؤلفاته في مواجهة أعقد إشكاليات الفكر الدّينيّ في كتابه الضخم "من إسلام القُرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة"، والذي جاء جاء ضمن مشروع "نقد نقد العقل العربيّ".  ينضم طرابيشي لقلة قليلة من المُفكرين العرب التي تجرأت على خوض سجال عميق مع الرّسالة المحمّدية مقابل كتاب "القرآن". وهو بذلك يتيح لمن يريدون، لكن لا يجرؤون، على تطوير وتحديث الخطاب والنّص الديني بأدوات منهجيّة، منطقيّة وجدليّة لنقد أو مخالفة نص الحديث النبويّ. يذهب إلى تبيان الفرق بين الشّارِع والمُشرَّع له، ويدخل في دراسه معمقة لمدارس الأئمة والرّأي وفي كيفيّة تكريس السّنة وتقديسها ويتحوّل لإبن حزم ووثنية النّص ولا معقوليته، لتصنيم النّص، ويقدّم دراسة في غاية الأهمية للطحاوي، للغزالي، للنيسابوري ولابن الجوزي ولآخرين.

بهذا المؤلف يرصد جورج طرابيشي الآليات الداخليّة لإقالة العقل في الإسلام، والنّقلة المرجعيّة من القرآن للحديث، وخطورة تحوّل الإسلام إلى ما يشبه الإنسان الآلي الذي يتحرك فقط بموجب نصوص تتحكم في حياته العامّة والخاصة. وإن تغييب القرآن والعقل وتغييب التّعدديّة في الأيديولوجيا، هو المسؤول عن تغييب العقلانيّة العربيّة الإسلاميّة.

يعتقد المفكر الرّاحل جورج طرابيشي، وضمن مشروعه، " نقد نقد العقل العربيّ" إن الأمل في كسب "رهان تجديد النّهضة" معدومًا ما دام هناك انكفاء للعقل من التّصور الماديّ للتاريخ. والتّأطير الإلهيّ للأيديولوجيا الحديثة، يجعلها تدعي لنفسها الصّلاحيّة إلى يوم القيامة، مما سيجعل الاحتمالات جميعها قائمة للارتداد نحو ما أسماه طرابيشي "قرون وسطى جديدة".

هل نحن، اليوم، في" قرون وسطى جديدة "؟ هو سؤال نطرحه  بتصرف من تراث جورج طرابيشي النّقديّ، الفلسفيّ والمعرفيّ. رحل الشّخص تاركًا وراءه منهجًا علميًا وتحليليًا نوعيًا وغنيًا. ساهم مساهمةً جدية في نقد النّص الأدبيّ والدّينيّ، إلا أن مساهماته تحتاج من يحتضنها وينفخ بها مزيدًا من التّصورات، التّفسيرات والرّؤى للحراك الماديّ للتاريخ، تداركًا لمزيد من الانهيارات.

 

مصادر: من مؤلفات جورج طرابيشي.

 

تعليقات Facebook