زنجيّ الحقل وزنجيّ البيت: حين يكتب الفلسطينيّ نفسه إسرائيليًّا (2)

شمعون بيريس خلال إحدى زياراته إلى النقب (1985)

قال لي يومًا أحد طلّابي (أمريكيّ - مكسيكيّ) في معرض نقاشنا عن الهويّة: "أحسّ بهويّتي أقوى، وإن لم تكن في سياق مواجهة أو في حوار داخليّ، أثناء وجودي خارج تاريخي وجغرافيّتي، فعندما أكون في عمّان ويحادثني أحد المارّة في الشارع، لا أكون مُطالبًا ولا يتوقّع منّي أن أتحدّث العربيّة، وأنا الموجود في فضاء تاريخيّ وجغرافيّ، بل ومدينيّ عربيّ، ومع شخص عربيّ في محيطه، في حين يسارع هو إلى الحديث معي بالإنجليزيّة واستعراض معرفته بأمريكا وسياساتها، ليثبت وجوده".

هذا الآخر/ العربيّ مطالب على الدوام بأن يثبت قربه من اللغة الإنجليزيّة ومعرفته بأمريكا وألفته معها، أي أن يقدّم درجة ما من "التهجين السرديّ"، تعطي له حيّز الوجود أمام الأمريكيّ، فيغدو الأمريكيّ هو المركز.

موضعة "التابع" في فضاء المستعمِر اللغويّ

لعلّ في استعادتي لهذا الحوار ما يختصر عليّ الكثير ممّا أودّ قوله هنا، وكذلك ما يلزمنا لتأمّل ما تقوله الناقدة ما بعد الكولونياليّة، غياتاري سبيفاك، في سؤالها: "هل بمقدور التابع أن يتكلّم؟!" (1988). وإذ تؤكّد سبيفاك على وجود مشكلة محوريّة في تمثيل "التابع" عبر ذلك التمركز اللغويّ (Logocentrism)، "لأنّه يعزّز صلابة القوّة المؤثّرة المرفوضة والافترائيّة في بنية الموضوع الكولونياليّ"، فإنّ موضعة "التابع" ضمن الفضاء اللغويّ للمستعمِر/ المضطّهِد يجعله خاضعًا لقوى السلطة في تلك اللغة، ولا نتحدّث عن اللغة بمنطقها الاتّصاليّ (أوّل وظائف اللغة)، إنّما اللغة باعتبارها عالمًا وجوديًّا في ذاته، أو كما يقول الفيلسوف الألمانيّ هايدغر: "نحن كائنات لغويّة."

المسألة، إذًا، في جدل الخطاب الذي يقيّد التابع ويمنحه متى أراد حقّ "الكلام" وكيف وماذا يقول؛ إذ إنّ المستعمِر/ المضطّهِد قد أسّس سلفًا، وعلى الدوام، لغة الحوار؛ فحينما يُقْبِلُ النقّاد ما بعد الكولونياليّين أو التابعون (ومنهم/ نّ طبعًا سبيفاك)، على الكلام حول التابع أو بالنيابة عنه، فإنّهم/ نّ يتحدّثون لغة المستعمِر/ المضطّهِد، ويشاطرونه الاستعارات الخاصّة به وتصوّراته، ويتوسّلون سيادة موضوعه من سيادة لغته بمقتضى الهيمنة التي مكّنها، سلفًا، في العالم، والتي عكستها ومثّلتها منظومة المعاني في خطابه؛ وهكذا يغدو الخطاب مناوئًا للكولونياليّة إلى درجة ما. وإذا استخدمنا أكثر أشكال النقد ما بعد الكولونياليّ جذريّة وراديكاليّة (والتي تفد من الغرب اليوم)، فإنّ في أساساتها رغبة ترى في الحفاظ على موضوع "الغرب" كـ "ذات"، ما يستدعي التوقّف.[1]

لماذا اللغة؟!

تمثّل اللغة في السياق الكولونياليّ "الوسيط" الذي يجري من خلاله إضفاء طابع أبديّ على بنية تراتبيّة للقوّة والسلطة، من خلاله تصبح مفاهيم "الحقيقة" و"النظام" و"الواقع" راسخة.

إنّ الحديث عن التابع، لا بدّ له أن يكون من خلال "لغة"، واللغة بوصفها أداة للسلطة بعامّة، وتحديدًا في السياق الكولونياليّ، وجب تعريف الكتابة ما بعد الكولونياليّة لنفسها من خلال الإمساك بلغة المركز وإعادة تعيين موضعها وفضائها، كما فعل إدوارد سعيد[2]، أي كيف يكتب "التابع" نفسه باللغة الإنجليزيّة بنفسه؟! وبالتالي، ثمّة تحدٍّ لسلطة اللغة الكولونياليّة والمستعمِر/ المضطّهِد معًا.

         اقرأ أيضًا - عن موت شمعون: كيف يكتب الفلسطينيّ نفسه إسرائيليًّا؟

يقول حميد دبشي في "بشرة سمراء أقنعة بيضاء" (2014): "وتقوم الكتابة مابعد الكولونياليّة بتحقيق ذلك من خلال عمليّتين متمايزتين، تكمن العمليّة الأولى في إقصاء أو إنكار امتياز ’اللغة الإنجليزيّة’، وتتضمّن رفضًا للسلطة المتروبوليتانيّة على وسائل الاتّصال. وتكمن العمليّة الثانية في استيعاب لغة المركز وإعادة بنائها؛ أي امتلاكها وإعادة تشكيلها، بحيث تتّسع لتشمل استخدامات جديدة تمثّل علامة للانفصال عن موقع الامتياز الكولونياليّ".

بألفاظ أخرى وبصياغة أبسط؛ كيف يمكننا نزع الامتياز عن "الذات" الغربيّة في خطاب/ كلام ما بعد الكولونياليّة للتابع/ المستعمَر/ المضطّهَد ما لم يكن له "ذات" ولغة غير معتمدة عضويًّا على المركز الاستعماريّ ذاتًا ولغة؟!

كيف يكتب الفلسطيني نفسه بـ "حبر" استعماريّ؟

في تاريخ 17 تشرين أوّل (أكتوبر) 2016، كتب عمر خليفة مقالًا في موقع "حبر" عن تداعيات موت شمعون بيريس على الذات والذاكرة الفلسطينيّة، معنوِنًا ذلك الفقد/ الموت بأنّه غياب للـ "عدالة"، فقد كان عنوان المقال: "كيف دفن شمعون بيريس العدالة معه" (من دون علامة استفهام، طبعًا)، وكان لنا في حينها ردّ على هذه بكائيّة ولطميّة خليفة و"حبر" معًا.

في مقاله، يقدّم خليفة بيريس جسدًا ورمزًا، كأنّه هو "الذات" الوحيدة التي لها حقّ السرد والحكاية، نازعًا الحقّ في استقلال الذاكرة والسرد عن الفلسطينيّ، باعتبار أنّ ذاكرة الأخير وذاته لا وجود تامًّا ومستقلًّا لهما من دون بيريس وما يمثّله من ذاكرة وحيدة لها حقّ الوجود والسرد، حتّى وإن قمعت وطمست وسرقت ذاكرة الفلسطينيّ وذاته جسدًا ورمزًا (وخليفة يعترف بذلك!).

يتساءل خليفة: "الأجيال التي ستولد بعد ذلك الحلّ قد تنعم بذاكرة وواقع جديدين وإن كانا عادلين، ماذا عن فلسطينيّي الماضي والحاضر؟" ونشاركه نفس السؤال، لكنّه يقول إنّ بيريس نفسه، وحصرًا بما يمثّله، هو من يملك حقّ تعريف الفلسطينيّ: "أيّ قسوة أكثر من أن تحتاج لقاتلك ليقول لك من أنت بالضبط؟ بيريز يملك نصفنا الذي لم نعرفه".  ما معنى أن يمتلك المستعمِر/ المضطّهِد ذاتًا مستقلّة وحاضرة وفاعلة ولها سلطتها، وأكثر من ذلك، هي حصرًا التي تملك حقّ تعريف الذات الفلسطينيّة وتحديد هويّتها وذاكرتها، أي فاعليّتها، فـ "ذات" المحتلّ/ المستعمِر/ بيريس تعلم عن الفلسطينيّ ما لا يعمله هو عن ذاته وذاكرته!

لم يتوقّف الأمر عند ذلك، فبعد أن نشر موقع "حبر" مقال (بكائيّة) خليفة ذلك، ورفض نشر الردّ عليه بحجّة أنّه "لن يكون مستساغًا لقرّاء حبر، نظرًا للغته وأسلوبه الأقرب للأكاديميا"، أعاد نشر بكائيّة خليفة باللغة الإنجليزيّة، وهو ما يدعو للتوقّف والتساؤل:  ما معنى أنّ اللغة العربيّة الأقرب للأكاديميا - كما يدّعي حبر - والغالب عليها التراكبيّة والصعوبة، ليست مستساغة لـ "قرّاء حبر" (ولدينا وقفة مع مفهوم "قُرّاء")، في حين أنّ الإنكليزيّة التي تستحضر ذات بيريس/ المستعمِر والمضطّهِد وذاكرته على حساب الفلسطينيّ ووجوده ومعرفته بذاته وحقّه السرديّ في الوجود والتذكّر، هي (ال) مستساغة؟! ألا يبدو في ذلك إهانة لمن أسماهم الموقع "قُرّاء حبر"؟!

هذا النفس ذاته يحضر في مقولة لفؤاد عجمي (الذي كان على رأس الجامعة الأمريكيّة التي أنشأها الاحتلال الأمريكيّ في العراق)، حيث يقول: "نحن الأمريكيّين اعتدنا أن نفهم كيف تعمل عقول هؤلاء العربان". لا سيّما إذا كان موقع خليفة في "الأكاديميا الأمريكيّة" هو أهمّ ما يعطيه –في نظر "حبر"- أحقّيّة أن يتكلّم عن "التابع" أو كـ "تابع"! لكن ثمّة سؤال، هل خليفة، مثقّفًا، وخطاب "حبر"، منبرًا لخطاب ثقافويّ نقديّ كما يقدّم نفسه، يمثّلان بالفعل حقّ "التابع" في أن يتكلّم كما تقول سبيفاك؟!

حقّ التابع في سرد ذاته

في كتاب كوامي أنتوني آبيا "بيت آبي: أفريقيا في فلسفة الثقافة" (1994)، الذي يتناول مفهوم "المثقّف الكمبرادوري"[3]، يقول مالكوم إكس في "رسالته إلى الناس العاديّين"، التي أُلقيت في ديترويت في العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، 1963:

"هناك نوعان من العبيد، هناك زنجيّ البيت وزنجيّ الحقل، زنوج البيت هم الذين عاشوا في البيت مع السيّد، ارتدوا ملابس جيّدة وأكلوا طعامًا جيّدًا لأنّهم أكلوا طعامه، وما خلّفه. عاشوا في العلّيّة أو القبو، لكنّهم عاشوا قرب السيّد، وقد أحبّوا سيّدهم أكثر من حبّ السيّد لنفسه، كانوا يقدّمون حياتهم لإنقاذ بيته أسرع ممّا كان هو نفسه ليفعل. إذا قال السيّد: لدينا بيت جيّد هنا. سيقول زنجيّ البيت: أجل، لدينا بيت جيّد هنا. متى قال السيّد: نحن. قال زنجيّ البيت: نحن. ذلك ما يمكنك أن تقوله عن زنجيّ البيت".

ويُكمل إكس، كما أورد ألبرت فمي في كتابه "المستعمِر والمستعمَر" (1991)، يقول: 

"إذا اشتعلت النار في بيت السيّد، فزنجيّ البيت سيقاتل بشدّة أكبر لإخماد الحريق ممّا يفعل السيّد. وإذا مرض السيّد، سيقول زنجيّ البيت: ما المشكلة يا سيّدي، هل نحن مرضى؟ نحن مرضى! إنّه يطابق نفسه مع سيّده أكثر ممّا يفعل سيّده مع نفسه. وإذا أتيت إلى زنجيّ البيت وقلت: دعنا نركض، دعنا نفرّ، دعنا نستقلّ. زنجيّ البيت سينظر إليك ويقول: يا رجل أنت مجنون. ماذا تعني، نستقلّ؟! أين يوجد بيت أفضل من هذا؟ أين يمكنني أن آكل طعامًا أفضل من هذا؟!".

يذكّرني هذا المشهد بفيلم  Django Unchained(2012) للمخرج الأمريكيّ كوينتين تارينتينو، الحائز على جائزتي أوسكار، حيث يؤدّي الممثّل الأمريكيّ صامويل جاكسون دور "ستيفن"، وهو  "زنجيّ البيت" الذي يموت دفاعًا عن سيّده، مالك البيت "كالفين كاندي"، الذي يؤدّي دوره الممثّل الأمريكيّ ليوناردو ديكابريو. وعلى وجه "ستيفن" تعلو أمارات الحزن أمام موت سيّده "كاندي"، ويبكيه ويبكي ذكرياته معه، في بكائيّة لا تختلف كثيرًا عن بكائيّة خليفة.

موقف "حبر" من حقّ التابع في سرد ذاته، وحقّه في امتلاك ذاكرته، وحقّه في مقاومة الطمس الذاكراتيّ الذي تُحيقه به بكائيّة خليفة، وحقّ الردّ عليها، لا يختلف عن الحوار الدائر بين ليوناردو دي كابريو في دور مالك العبيد، "كالفين كانديوكريستوف فالز في دور "د. كينغ شولتزعن الاستمتاع بالتابع "موضوعًا" وليس "ذاتًا" مستقلّة له حقّ السرد والذاكرة، فهذه الحواريّة -وإن كان المشاهد يعلم ما سيحصل بعدها، مسبقًا- تقوم على طمس "زنجيّ الحقل"، وهو "دجانغو" الذي يؤدّي دوره الممثّل جايمي فوكس، مالكًا لحقّ السرد دون هجنة تفرضها عليه سلطة الذات البيضاء المستعمِرة وذاكرتها.[4]

مفهوم القرّاء

ظلّ أن نشير إلى مفهوم "القرّاء" في فضاء الإعلام ومؤسّساته؛ فالموقف الذي اتّخذه "حبر"، وهو الذي يقدّم نفسه منبرًا ثقافيًّا نقديًّا حرًّا يؤمن "بأنّ الأفراد والمجتمعات يجب أن يملكوا حرّيّة سرد ومشاركة قصصهم"، من حقّ الردّ على بكائيّة خليفة المهزومة، ومن فكرة تحديد نوعيّة المستساغ لدى "القرّاء"، ليست حدثًا عابرًا ولا مستقلًّا عن الخطاب العاّم في تعريف الذات والآخر ثقافيًّا ونقديًّا؛ فادّعاء امتلاك السلطة على عمليّة القراءة سيرورةً ومنتجًا، لا تتأتّى إلّا من نوع ما من القمع والفوقيّة والنخبويّة التي تفترضها لغة الخطاب الأقوى ومثقّفوه تجاه "الأدنى"، وقد أثبت القمع أنّه ينتج، أيضًا، مقموعين ميّالين للقمع والفوقيّة يمارسها "زنجيّ البيت" تجاه "زنجيّ الحقل".

 وفي السياق الذي يقع فيه منبر مثل "حبر"، فـ "القرّاء" فضاء يتحدّد ككيان رقميّ مقيس، في فضاء افتراضيّ وشبكات اجتماعيّة قائمة في أساسها على فكرة تعداد الزائرين/ ات والقارئين/ ات ومشاركاتهم/ نّ رقميًّا، ضمن دوائر استهلاكيّة، وإلّا فأين مفهوم "القرّاء" هذا بالنسبة لكافكا الذي مات قبل أن يقرأه أحد؟ أو نيتشه الذي رفض أن تُفهْمَ كتابته من القراءة الأولى؟ أو  فكرة النصّ الذي "يلعب بالقارئ ويلعب معه" لرولان بارط؟ أو منطق "المعنى المرجأ" الذي قال به دريدا في القراءة؟

ببساطة، ثمّة اشتباكان مركزيّان في هذا الادّعاء: اشتباك مع الاستهلاكيّ، باعتبار "القرّاء" أرقامًا وليسوا أفكارًا، واشتباك مع المركزيّ الغربيّ باعتباره فضاء السرديّ الوحيد المعولم الذي يقبل بالعربيّ والفلسطينيّ وذاكرته وسرده كيانًا هجينًا فقط، وليس ذاتًا مستقلّة، قادرة على نقض القمع الذاكراتيّ والسرديّ.


[1]. ينتقد حميد دبشي في ’بشرة سمراء أقنعة بيضاء‘ (2014)، مثلًا، سبيفاك في استخدامها للّغة الإنجليزيّة لتتكلّم كتابع، ويشير: "تتكلّم سبيفاك ويعلو صوتها وتصل أفكارها وتنتشر لأنّها تنطق بلغة مألوفة، لغة مضطّهِديها"، من دون مقاربة لتقسيمات إدوارد سعيد للّغة.

[2]. قسّم إدوارد سعيد اللغة إلى ثلاثة فضاءات للمقاومة: أحاديّة، وثنائيّة، ومتعدّدة.

[3]. جاءت كلمة "كمبرادور" من الإسبانيّة والبرتغاليّة، والتي تعني "يشتري"، ومعناها الأصليّ "موظّف محلّيّ استخدمه الأوروبيّون في الشرق" لإدارة مستعمراتهم وليكون وسيطًا بين المستعمَرين، يدير شؤون المستعمِر والمحتلّ.

[4]. ثمّة محاولة سينمائيّة لا تقلّ عبقريّة لتارنتينو للانتصار للحقّ في السرد، في فيلم Inglorious Bastards (2009)، حيث عكس سرديّة المحرقة النازيّة بأن جعل النازيّين ضحايا محرقة قام بها اليهود.

 

عبد الله البيّاري

 

 

طبيب وباحث أكاديميّ فلسطينيّ، متخصّص في النقد الأدبيّ والدراسات الثقافيةّ، وله مقالات وبحوث منشورة في صحف ومواقع ومجلّات عربيّة.

 

تعليقات Facebook