عدي المحسن: تخليص الهويّة الفلسطينيّة من الاختزال والهيمنة

عدي المحسن

'حول المسألة الفلسطينيّة: ثقافات وأداءات الوطنيّة بين الهيمنة والتنافسيّة'، عنوان محاضرة للباحث عديّ المحسن، قدّمها، الأسبوع الماضي، في دارة الفنون بالعاصمة الأردنيّة، عمّان، كما تحدّث عن ورشة عمل نظّمها الشهر الحاليّ، بعنوان 'التاريخ الثقافيّ الفلسطينيّ'.

المحسن، حاصل على زمالة دارة الفنون للدراسات العليا في الفنّ العربيّ المعاصر، وهو مرشّح للدكتوراه في مجال التاريخ في جامعة مينيسوتا بأمريكا، وقد افتتح حديثه بعرض التحدّيات التي يواجهها الباحث في المسألة الفلسطينيّة، أبرزها أنّ الأرشيف الفلسطينيّ مشتّت كشتات أصحابه، وكثير من أجزائه فُقِدَت أو دُمِّرَت أو نُهِبَت.

انطلق مشروع المحسن من أزمة هويّة شخصيّة، ومن رفضه للشكل النموذجيّ القائم في واقعنا الفلسطينيّ والعربيّ، وبرفضه أن يُعَدّ الخروج عن هذا النموذج خروج عمّا هو فلسطينيّ وعربيّ، ليصبح في مرمى التشكيك القميء بفلسطينيّة المرء أو عروبته، قيمها ومسلّماتها، على الرغم من أنّ القيم، وفق المحسن، مفاهيم رخوة وتتقلّب زمانيًّا ومكانيًّا.

اختزال

وأضاف المحسن: 'أطروحتي، على الرغم من خصوصيّة الواقع الفلسطينيّ، تنطبق في بعض نواحيها على مختلف الهويّات العربيّة وغير العربيّة في منطقتنا، والهويّات المختلفة عالميًّا، لكنّني سأحرص على التركيز على ما يتعلّق بمشروعي، وهو الهويّة الفلسطينيّة بأبعادها المتنوّعة، وسأبدأ بسؤال أتوقّعه من أحدكم: لماذا هذا المشروع بالذات؟ إجابتي أنّني أثناء دراستي في كندا وأمريكا، عملت مع تكتّلات طلّابيّة تقدّميّة مناصرة للحقّ الفلسطينيّ وللعدالة والمساواة بجميع أشكالها، ومن خلال قراءتي في التاريخ الفلسطينيّ في مختلف جوانبه، اكتشفت أنّ الفلسطينيّين يتعرّضون لنوع من الاختزال والتنميط والتحنيط، وهذا الاختزال سيمتدّ إلى هويّتهم وقضيّتهم، وما أربكني في الأمر، أنّ مصدره مناصرون للقضيّة الفلسطينيّة، بالإضافة إلى بعض الفلسطينيّين والفلسطينيّات أنفسهم'.

خلال المحاضرة في دارة الفنون

لفت المحسن إلى أنّ الإشكاليّة لا تكمن في اختزال الصهيونيّة للفلسطينيّين، بوصفها لهم بالتخلّف أو المكر أو الإرهاب، أو اختزالهم بنفي وجودهم تمامًا، بل هي تكمن في اختزالهم من قبل مناصريهم، على نحو انعكاسيّ، فهم فقط لاجئون مظلومون أو مقاومون أشاوس. النقاط المشتركة بين الاختزالين مفروضة من الخارج، وتخلق نموذجًا خارقًا يصنّف الفلسطينيّ بين إرهابيّ أو مقاوم.

تعدّديّة/ تنوّع

كما قارن المحسن بين فرانز فانون في كتابه 'جلد أسود... أقنعة بيضاء'، وقصّة قصيرة للكاتبة سميرة عزّام بعنوان 'الفلسطينيّ'. يرى فانون بأنّ هويّته كشخص أسود في محيط أبيض عنصريّ، هويّة محدّدة ومحسومة من الخارج. وفي قصّة سميرة عزام التي تتحدّث عن صاحب دكّان فلسطينيّ في بيروت، لا يناديه الناس باسمه، بل بـاختزالهم له بلقب 'الفلسطينيّ'. مع الوقت، يسأم صاحب الدكّان من اختزال شخصه، إذ حتّى بعد منحه الهويّة اللبنانيّة، استمرّ الجميع في نعته بصفة 'الفلسطينيّ'.

يؤكّد المحسن من خلال المثالين السابقين الفرض الخارجيّ الذي يمارس على الفلسطينيّ/ ة، وتكريس مشكلته الشخصيّة الشبيهة بمشكلة صاحب الدكّان، فالشخصيّ دائمًا سياسيّ. بالنسبة له، وصف 'الفلسطينيّ' أو 'العربيّ' لا يمثّل تعقيداته الشخصيّة، ولذلك يطمح مشروعه لدمقرطة الهويّة الفلسطينيّة والتأكيد على تنوّعها؛ ففرضنا على الفلسطينيّ نموذجًا صلبًا وقالبًا محدّدًا، ينفي بالضرورة تنوّع الفلسطينيّين، ويضيّق هويّتهم، الأمر الذي يقود إلى مقولة إدوارد سعيد، إنّه على الرغم من زخم الكتابات والمقالات والتحليلات والشطحات عن فلسطين والفلسطينيّين والقضيّة الفلسطينيّة، ما زال 'الفلسطينيّون مجهولين عمليًّا'، لا سيّما في محيط عربيّ منهك من صراعات أهليّة ودوليّة منذ عام 2011.

الهويّة المبدعة

إجابة على سؤال إذا كانت القضيّة الفلسطينيّة، بشهادة معظم الناس، معقّدة، فما حاجة الأوصاف، والحلول المعروضة بالضرورة تبسّط الفلسطينيّين وتسطّح قضيّتهم؟ يقول المحسن: 'يتتبّع مشروعي البحثيّ التاريخ الفلسطينيّ، عبر إفرازاته الثقافيّة والفكريّة والجماليّة في عمّان وبيروت، بين العامين 1967 و1975، وتطمح أطروحتي إلى معاينة الجوانب غير الملحوظة من الهويّة الفلسطينيّة في الحياة اليوميّة، وتحليل إبداعات الفنّانين والكتّاب الفلسطينيّين والفلسطينيّات، بعيدًا عن الشعارات السياسيّة الرتيبة، في محاولة منّي لتفكيك الخطابات الوطنيّة المُهَيْمِنة، والسرديّات التاريخيّة التشييئيّة، لتوسيع أفق الثقافة والهويّة الفلسطينيّة، وجعلها غير محدّدة وأكثر اعتياديّة. في المحصّلة، ستكشف الأطروحة عن إبداع وتنوّع شعب ساهمت قضيّته، وصراعه مع الصهيونيّة، في تنميطه وتأطيره على نحو سلبيّ'.

في ليلة وضحاها

جرّد التاريخ الفلسطينيّ في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وفق المحسن، المجتمع الفلسطينيّ بتعقيداته، ووضعه على خطوط أفقيّة وعموديّة بين طائفة وعائلة ومدينة وقرية وفلّاحين وأعيان... إلخ، حتّى الثقافة الفلسطينيّة أو قراءة النصّ أو المنتج البصريّ الفلسطينيّ، كانت تقع في الفخاخ التنميطيّة، عبر التركيز على تعبيرات اللاعبين الرئيسيّين، كمنظّمة التحرير، أو إعادة إنتاج كليشيهات، مثل أنّ الفلسطينيّين عبارة عن كتلة متجانسة من لاجئين صاروا بين ليلة وضحاها مجموعة من الفدائيّين. ويرى أنّ ما يهمله تأريخ كهذا، الأصوات الإبداعيّة أو غير التقليديّة التي تحدّت هيمنة وتسلّط المنظّمة، كما تسقط التضاربات المختلة للحياة الفلسطينيّة في الشتات.

كما يأسف المحسن على التأريخات الراهنة للهويّة والوطنيّة الفلسطينيّة، بين منهجيّات 'فوقيّة' ذات طابع تاريخ سياسيّ أو تاريخ الأفكار، ومنهجيّات 'تحتيّة' ذات طابع سوسيولوجيّ. ويضرب أمثلة على ذلك التأريخات لما قبل النكبة، بين العصر العثمانيّ المتأخّر والانتداب البريطانيّ، إذ ركّزت على نشأة هويّة فلسطينيّة ضمن سياق مدينيّ يافاويّ تارة، ومقدسيّ تارة أخرى، ورأت في الأعيان والعائلات الكبرى الفلسطينيّة مصدرًا رئيسًا في تعريف الذات الفلسطينيّة، وذلك مع صعود نجم منظّمة التحرير في ستّينات القرن الماضي.

تفكيك مركزيّة المنظّمة

ويتعقّب المحسن في بحثه التاريخيّ المسارات الفكريّة لمفاهيم الهويّة الفلسطينيّة المختلفة والمتناحرة، واكتشاف صداها على المستوى العام، وتحليل أسباب تقبّلها أو نبذها، من خلال معاينة صحف ورسالات وروايات ومنتجات بصريّة، من لوحات وملصقات انتشرت في تلك الحقبة. أي أنّ بحثه يعيد كتابة تاريخ الهويّة الفلسطينيّة بتفكيك مركزيّة منظّمة التحرير في السرديّة الهويّاتيّة الفلسطينيّة، وتسليط الضوء على الحوارات التي كانت قائمة عن مفهوم الفلسطينيّ، وتوضيح معنى أن تكون فلسطينيًّا أو فلسطينيّة.

ويجيب على سؤال: هل من الممكن أن ينجح في جعل الهويّة غير محدّدة ومفتوحة ومنفتحة وأكثر اعتياديّة ومتقبّلة للاختلاف والتنوّع؟ بقوله إنّ بحثه يتتبّع الشبكات الفكريّة – المادّيّة، ما بين دور النشر البيروتيّة والبائعين والموزّعين للنصوص الفلسطينيّة التي صدرت عنهم بين عمّان وبيروت. كما يغوص مشروعه في معترك الحياة اليوميّة في المخيّمات الفلسطينيّة، التي كانت مآذنها، على سبيل المثال، تصدح بنشيد الأمميّة، إلى جانب الأذان.

ويختتم عديّ المحسن لقاءه قائلًا: 'خلال قراءتي لكتابات جبرا إبراهيم جبرا، والانتقادات السياسيّة والثقافيّة اللاذعة لفيصل درّاج، ودراستي لكاتالوجات ومطبوعات دور نشر بيروتيّة مثل الفارابي والطليعة والعودة والآداب، أحاول التخلّص من التماثل السرمديّ الذي كانت تمثّله المنظّمة من خلال سلطتها على الهويّة الفلسطينيّة وخطاباتها، مقابل إبراز الحياة الثانية/ العالم الثاني للهويّة الفلسطينيّة خارج المنظومة الرسميّة التي شكّلتها المنظّمة'.

 

محمّد عريقات

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ يقيم في الأردنّ. صدرت مجموعته الشعريّة الأولى تحت عنوان 'أرمل السكينة' بطبعتين، عن المركز القوميّ للدراسات والتوثيق في فلسطين 2009، وعن المؤسّسة العربّية للدراسات والنشر في بيروت 2010. صدرت مجموعته الشعريّة الثانية 'أكلتني الشجرة'، عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت 2016. حاصل على عدّة جوائز أردنيّة وعربيّة. يعمل في مجال الكتابة الدراميّة في المركز العربيّ للإنتاج الإعلاميّ.

تعليقات Facebook