"أنا إنسان ماني حيوان": عن كوجيتو الثورة السورية

بشّار الأسد | PPCORN

 

في الخامسَ عشرَ من آذار (مارس) 2011، انطلقت الجماهير السوريّة في حراك احتجاجيّ سلميّ؛ يعبّرون فيه عن رفضهم الاستمرار في العيش في ظلال نظام الحكم المستبدّ القائم، ويطالبون عبره بالحرّيّة والكرامة، وغيرهما من المضامين القيميّة الكبرى، الّتي سلبهم إيّاها النظام المستبدّ طوال أربعة عقود من سنوات حكمه. وعلى الرغم من المآلات المخيّبة الّتي انتهت إليها هذه الثورة، وكان السبب فيها دخول فعاليّات دوليّة وإقليميّة، كان لها دور كبير في الحفاظ على النظام القائم، وحرْف الثورة عن مسار أهدافها، إلّا أنّ جماهير الثورة الّتي شكّلت مُبتدأَها وأساسها، ما زالت حتّى هذه اللحظة متمسّكة بحقّها في الحرّيّة والكرامة، تنشدهما وتُعيد حناجر جموعها المطالبة بهما، صادحة بعبارة تختزلهما وتعبّر في دلالاتها ومضامينها عنهما: "أنا إنسان ماني حيوان، وهالعالم كلّها مثلي".

 

الإنسان الواعي ذاته وذوات الآخرين

"أنا إنسان ماني حيوان"، إنّها العبارة الأشهر في الثورة السوريّة، هذه العبارة الّتي خرجت في صيحة أطلقها أحمد بن عبد الوهّاب، فخرجت من أعماقه؛ لتكون كوجيتو الثورة [وفقًا لمبدأ ديكارت]؛ ولتدخل القاموس الفلسفيّ للثورة باعتبارها أحد أهمّ المفاهيم المؤسّسة لها، ونقصد هنا مفهوم "الإنسان" كما تناولته صيغة الكوجيتو.

 

 

في هذه الصيغة، يؤسّس كوجيتو الثورة السوريّة لمفهوم فلسفيّ للإنسان الواعي بذاته ووجوده، الّذي ما إن تُمتَهن كرامته حتّى يصرخ من صميم أعماقه: "أنا إنسان ماني حيوان"؛ مؤكّدًا آدميّته ووجوده الحرّ، ونافيًا عنه صفة الحيوانيّة، مشدّدًا على امتلاك الكرامة المميّزة له عن سائر المخلوقات الأخرى.

العبارة الثانية الّتي تلت صيغة الكوجيتو: "وهالعالم كلّها مثلي"، فيمكن عدّها إضافة مهمّة وضروريّة؛ لأنّها تجعل من وعي الإنسان بذاته وعْيَين، وذلك عندما يفتح له وعيه بذاته وكرامته باب وعيٍ آخرَ؛ يجعله يعي ذوات الآخرين، ويدرك حقّهم في الوجود الكريم، فهذه العبارة الّتي تشكّل إضافة نوعيّة إلى صيغة الكوجيتو، يمكن تفسيرها استنادًا إلى مقولة الفيلسوف الألمانيّ كانط، في تصوّره عن قيمة الإنسان؛ إذ يقول: "اعمل على أن تعامل الإنسانيّة في شخصك وفي غيرك بأنّها غاية، ولا تعاملها أبدًا على أنّها مجرّد وسيلة"؛ ففي هذه المقولة إشارة إلى أنّه يجب على كلّ شخص أن يحترم الكرامة الإنسانيّة في شخصه أوّلًا، ثمّ في غيره، وذلك عبر اجتناب الميول والغرائز البدائيّة، الّتي تدفع الفرد غالبًا إلى التعامل مع الآخرين بصفتهم وسائل لا غايات. وإنّ احترام الكرامة الإنسانيّة للآخر، يظهر بشكل رئيسيّ عبر إقرار الفرد بالمساواة معهم على مستوى الذات والوجود، وعبر تأكيد كرامتهم الإنسانيّة الّتي تميّزهم عن الكائنات الأخرى، وتعطيهم الحقّ في حال انتهاكها على الخروج في مواكب احتجاج جماعيّة، مؤكّدين آدميّتهم ووجودهم الحرّ.

 

إيمانويل كانط

 

ذخيرة معنويّة

وتبعًا لما سبق؛ يمكن تأكيد أنّ هذا المفهوم الفلسفيّ للإنسان الواعي بذاته ووجوده، والّذي يؤسّس له الكوجيتو، يرتبط بشكل مباشر بعالم الرموز الثقافيّة، الّتي يتميّز بها الإنسان عن غيره. ونقصد بعالم الرموز الثقافيّة، اللغة والدين والعلم والفكر والقيم والتقاليد الثقافيّة، وغيرها من الرصيد الرمزيّ الثقافيّ الضخم الّذي ينفرد به الإنسان؛ فهذه الرموز يمكن عدّها جوهر الكائن البشريّ وأعزّ شيء فيه، وذلك لأنّها تدخل ضمن نطاق فهمه وإدراكه الأشياء، وتؤثّر في سلوكه؛ فهي تتمتّع بثقل في حجم التأثير في السلوك البشريّ، هذا الثقل النابع ممّا تمتلكه هذه الرموز من قوّة معنويّة هائلة، لا يكاد يقف أمام جبروتها أيّ شيء مادّيّ، مهما كانت طبيعته القاهرة.

ومن هذه النقطة؛ يمكن إيجاد تفسيرات منطقيّة للسلوكات البشريّة، والأحداث الجماعيّة الّتي تتحدّى معطيات مادّيّة قاهرة وجبّارة، كما هي الحال في الثورات العربيّة - وعلى رأسها الثورة السوريّة - الّتي جاءت بما يؤكّد مدى أهمّيّة الذخيرة المعنويّة، الّتي يمدّ بها عالم الرموز الثقافيّة الجنس البشريّ، حيث تقف طاقات الإنسان متحدّيةً قوّة عسكريّة وأمنيّة ضخمة بيدي طاغية.

 

الكرامة الإنسانيّة رمزًا ثقافيًّا

والإنسان، على أنّه كائن رمزيّ ثقافيّ في الأساس، يرفض ممارسات الأنظمة التسلّطيّة الاستبداديّة، الّتي تستهدف سحق إمكانيّاته الرمزيّة الثقافيّة، الّتي يقع في مقدّمتها مفهوم "الكرامة الإنسانيّة"، بما له من مدلولات قدسيّة عند الإنسان، الأساس المميّز له، تتّسم به ذاته ووجوده، ويرفض أن يناله أيّ انتهاك.

 

عبد الوهّاب المسيري

 

وبناءً عليه؛ يمكن القول بأنّ "الكرامة الإنسانيّة" هي الرمز الثقافيّ الأساسيّ الّذي استبطنته مقولة أحمد عبد الوهّاب "أنا إنسان ماني حيوان"، وهو الّذي جعل ذهنيّة جماهير الثورة تتلقّفها بهذه الحماسة، وتتوِّجُها ككوجيتو للثورة ومؤسّس رئيسيّ لها.

إنّ هذا الرمز الثقافيّ هو رمز ثقافيّ عُلويّ، يمكن تناوله عبر أطر النماذج المعرفيّة الإدراكيّة للإنسان؛ أي النماذج الّتي تترجم نفسها إلى خرائط معرفيّة ومقولات وصور إدراكيّة، تساعد الإنسان على تكوين تصوّر عن نفسه، وعن واقعه، وعمّا يحيط به من بشر ومجتمعات وأشياء، ويمكن أخذ هذا الرمز، والاستدلال من خلاله على النموذج الإدراكيّ المعرفيّ، الّذي يرى الإنسان فيه نفسه، وينظر إليه كما لو أنّه يمثّله.

 

نموذجان: الإنسان المادّة والإنسان السرّ

وتبعًا لذلك؛ فقد اقترح المفكّر عبد الوهّاب المسيري نموذجين إدراكيّين معرفيّين، يستطيع الإنسان عبرهما إدراك ذاته وما يمثّله وجوده؛ إذ يقدّم كلٌّ من هذين النموذجين رؤيتين مختلفتين للإنسان، وهذان النموذجان: (نموذج الإنسان/ المادّة)، و(نموذج الإنسان/ السرّ).

وحسب المسيري؛ فإنّ الرؤية الأولى للإنسان يقدّمها نموذج (الإنسان/ المادّة)، الّذي يقوم على تفسير الظاهرة الإنسانيّة، مهما بلغت درجة تركيبها وتعقيدها، عبر ردّها إلى المادّة والطبيعة وقوانينها. وكلّ ما لا ينصاع في الظاهرة الإنسانيّة لهذه القوانين، يُصنّف - بناءً على اعتبارات هذا النموذج - على أنّه غير موجود؛ فهذا النموذج يستبعد من الظاهرة الإنسانيّة كلّ ما يصعب ردّه إلى عالم المادّة الطبيعيّ، مثل قيم الكرامة والعزّة والهويّة والعدل، وهو لا يهتمّ بخصوصيّة الإنسان وأبعاده الفريدة، وما يحوي داخله من أسرار ورغبات روحيّة.

 

 

وأمّا الرؤية الثانية للإنسان فيقدّمها نموذج (الإنسان/ السرّ)، الّذي يقوم على تفسير الظاهرة الإنسانيّة باعتبارها ظاهرة مركّبة، يمكن تفسير العديد من جوانبها بالعودة إلى المادّة/ الطبيعة، لكن يظلّ ثمّة جانب لا يمكن تفسيره عبر الاعتماد على التفسير المادّيّ الكمّيّ، فهذا النموذج لا يتعاطى مع الإنسان، بصفته مجرّد دوافع ورغبات مادّيّة ومعنويّة يمكن تفسيرها مادّيًّا، بل يهتمّ بخصوصيّة الإنسان وأبعاده الفريدة، ويأخذها بالحسبان في تناول الظاهرة الإنسانيّة؛ فمفاهيم الهويّة والانتماء إلى الوطن والأسرة، والقيم الروحيّة والأخلاقيّة، والأبعاد التراحميّة، ورفض الظلم والاستبداد، وإحقاق الحقّ وطلب العدل - حسب النموذج السابق - مفاهيم حيويّة ومهمّة للإنسان، ومصدر أساسيّ لسلوكه ووجوده.

 

إنسان الثورة

إنّ ملاحظة كوجيتو الثورة السوريّة، وما يستبطنه من إشارة إلى مفهوم "الكرامة الإنسانيّة"، تحيلنا فورًا إلى الرؤية الثانية للإنسان، الّتي يقدّمها نموذج (الإنسان/ السرّ)؛ فإنسان الثورة، المدرك لخصوصيّته وأبعاده الفريدة المميّزة له عن غيره من المخلوقات، يستدعي من أعماقه بُعد الكرامة الّذي لطالما تعرّض للانتهاك؛ فيصرخ مطالبًا بحقّه فيه، هو والجماعة البشريّة الّتي ينتمي إليها، وتنتمي إليه، وحيث جماهير الثورة، المدركة لخصوصيّتها وأبعادها الفريدة المميّزة لها عن غيرها من المخلوقات. تأخذ هذه المقولة شعارًا، وتتمثّلها عبر سلوك ثوريّ احتجاجيّ، تخرج فيه للمطالبة بحقّها في الكرامة الإنسانيّة أوّلًا، وما يترتّب على هذا الحقّ؛ من حقّ في الحرّيّة والعدالة والديمقراطيّة ثانيًا، متحدّيةً قوّةً عسكريّة وأمنيّة ضخمة، ومعطيات مادّيّة قاهرة وجبّارة، ومثبتة للعالم أجمع أنّ العجائب في هذا العالم كثيرة، ولكن ليس ثمّة ما هو أعجب من الإنسان.

 

 

إسراء عرفات

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook