عن "الطبّ الشرعيّ في فلسطين" لسهاد ضاهر - ناشف

 

تحت وسم #لهيب_الثلّاجة، اشتعلت على مواقع التواصل في الفترة الأخيرة التغريدات من الناشطين، ضمن الحملة الوطنيّة لاسترداد جثامين 253 شهيدًا من مقابر الأرقام للشهداء المحتجَزين عند الاستعمار الإسرائيليّ، بالتزامن مع قضيّة قتل إسراء غريب، والحديث عن فساد في منظومة الطبّ العدليّ في فلسطين والقطاع الصحّيّ بعامّة. تبع ذلك حادثة استشهاد الأسير بسّام السايح من نابلس داخل سجون الاستعمار. نلاحظ استمرارًا لحضور قضايا جسد الميّت في الفضاءات العامّة، لمعرفة الحقيقة وراء موته، انتهاءً بتكريم جسده من خلال دفنه.

الرحلة الّتي يمرّ بها جسد الميّت الفلسطينيّ، من لحظة الوفاة حتّى الدفن، أثارت العديد من الأسئلة لدى الباحثة سهاد ظاهر – ناشف، المهتمّة بقراءة الجسد الفلسطينيّ اجتماعيًّا وسياسيًّا، وقضايا ممارسة الحياة والموت، لتبدأ التوثيق بزيارة ميدانيّة عام 2004 إلى "معهد الطبّ العدليّ - أبو ديس"، بعدما اتّخذت المعهد أنموذجًا لأطروحتها في بحث الدكتوراه، الّذي اعتمدت عليه لنشر كتاب "الطبّ الشرعيّ في فلسطين - دراسة أنثروبولوجيّة"، الصادر عن "مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة" في تمّوز (يوليو) 2019.

 

موت يُثير الفوضى

تسبر الكاتبة أغوار العديد من القضايا والمتغيّرات، مستعينة بجسد الميّت لأنّه مخبر ونصّ للقراءة والكتابة، نحو معرفة بنية موت الفلسطينيّ، منذ مغادرته مسرح موته، مرورًا بالمستشفى  وتشريحه في حالة وجود شبهات جنائيّة، لإزالة الغموض الّذي يخلق حالة من التشويش، ومعرفة الحقيقة، فيتسنّى دفن الميّت والعودة إلى حالة الاستقرار لنظام غير منظّم في السياق الفلسطينيّ.

لرحلة الّتي يمرّ بها جسد الميّت الفلسطينيّ، من لحظة الوفاة حتّى الدفن، أثارت العديد من الأسئلة لدى الباحثة سهاد ظاهر – ناشف، المهتمّة بقراءة الجسد الفلسطينيّ اجتماعيًّا وسياسيًّا، وقضايا ممارسة الحياة والموت، لتبدأ التوثيق بزيارة ميدانيّة عام 2004 إلى "معهد الطبّ العدليّ -  أبو ديس".

ينطلق البحث من رصد التغيّرات الّتي مرّ بها تاريخ الطبّ الشرعيّ، من فترة الحكم العثمانيّ مرورًا بالانتداب البريطانيّ، وانقسام جسد الفلسطينيّ بين الاحتلال الإسرائيليّ والأردنّ ومصر، وصولًا إلى لحظة تأسيس مركز للطبّ الشرعيّ بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات، ليكون من مؤسّسات بناء الدولة القوميّة الحديثة، واستخدامه أداة لفرض القانون والحفاظ على النظام  الاجتماعيّ، مقابل رفض المجتمع الفلسطينيّ المحلّيّ لهذا المركز؛ لأسباب عدّةٍ أبرزها:

1- اعتقاد أنّ التشريح يتعارض مع الشريعة الإسلاميّة.

2- الخوف من أن يمرّ جسد الفلسطينيّ بما مرّ به في المراكز الإسرائيليّة للطبّ الشرعيّ، من إهمال واستئصال للأعضاء.

3- رفض جزء من المجتمع مختلف المؤسّسات المنبثقة من اتّفاق أوسلو[1].

وقد دفع هذا الأمر السلطة الفلسطينيّة إلى إصدار فتوًى شرعيّة تُبيح إجراء عمليّات التشريح، وزرع الأعضاء بهدف تحقيق العدالة ولأغراض التعليم؛ فتكون الفتاوى الشرعيّة وسيلة تستخدمها الدولة الحديثة لبسط القانون وفرض السيادة على جسد الميّت والحيّ، على حدّ سواء.

تُخصّص المؤلّفة الفصل الرابع المُعنون بـ "كثير من العلم وبعض من الدين"، لـتأكيد أنّ الممارسات الدينيّة حاضرة في ممارسات الطبّ الشرعيّ؛ لأنّ الدين يشكّل جزءًا من الهويّات الّتي لا تزال ترافق جسد الميّت. ونظرًا إلى الدور الّذي يشغله المفتي، بصفته فاعلًا له قوّة دينيّة ومكانة في سياق الطبّ العدليّ؛ اتّضح أنّ الفتاوى تُعيد إنتاج المعرفة الاجتماعيّة وتنظيمها، وهي معرفة تحفر على جسد الميّت، عبر الممارسات الطبّيّة القانونيّة.

إنّ استخدام جهاز الطبّ الشرعيّ للفتوى وللمؤسّسة الدينيّة، يهدف في الدرجة الأولى إلى تحقيق مصالح سياسيّة، أو لأغراض المنفعة الوطنيّة مثل فتوى القرضاوي عام 2012، الّتي أجازت إعادة فتح قبر، واستخراج جسد ياسر عرفات

لذلك؛ فإنّ استخدام جهاز الطبّ الشرعيّ للفتوى وللمؤسّسة الدينيّة، يهدف في الدرجة الأولى إلى تحقيق مصالح سياسيّة[2]، أو لأغراض المنفعة الوطنيّة مثل فتوى القرضاوي عام 2012، الّتي أجازت إعادة فتح قبر، واستخراج جسد ياسر عرفات، وأخذ 60 عيّنة لاستكمال التحقيقات في سبب الوفاة. وُزِّعت العيّنات على ثلاثة طواقم من روسيا وفرنسا وسويسرا، ولم يشارك "المركز العدليّ الفلسطينيّ" في التحقيق، ما يعني استثناء جسده من القاعدة الفلسطينيّة، الّتي تقضي بإجراء تشريح لأيّ فلسطينيّ في "معهد الطبّ الشرعيّ الفلسطينيّ - أبو ديس"، في حالة وجود شبهات جنائيّة.

 

استثناء من الاستثناء 

في معظم حالات استشهاد الفلسطينيّين، لا تُجلَب جثامين الشهداء إلى "معهد الطبّ العدليّ"، ويُدفَنون مباشرة بملابسهم بلا تغسيل ولا تشريح؛ لأنّ الناس لا يحبّذون تشويه جسد الشهيد، بسبب الموروث الإسلاميّ الّذي يعطي جسد الشهيد قداسة، بينما مَنْ يموت غرقًا، أو حرقًا، أو نتيجة مرض باطنيّ، يجري تشريحه على الرغم من أنّهم شهداء أيضًا من وجهة نظر دينيّة.

إلّا أنّ المجتمع يستثني مَنْ يقتله الاستعمار من تلك القاعدة، ويصبح الإيمان بقدسيّة جسد الشهيد حلبة للصراعات بين القوى المختلفة، مثلما حصل وقت تهريب جثمان الشهيد محمّد أبو غنام من مستشفى "المقاصد" في القدس، بعد أقلّ من ربع ساعة على استشهاده، خشيةً من احتجازه أو تشريحه.

 

عن الجنسانيّة في "معهد الطبّ الشرعيّ"

يؤدّي "مركز الطبّ العدليّ" دورًا كبيرًا في تنظيم جنسانيّة المجتمع والهيمنة عليها، من خلال تطبيق بطريركيّة المنظومات الاجتماعيّة غير الرسميّة وحفظها داخل مؤسّسة علميّة معاصرة ورسميّة، بواسطة أدوات طبّيّة - قضائيّة، ويمكن اعتبار المعهد وسيلة لتكريس مفاهيم اجتماعيّة.

نلاحظ مثلًا عمليّة تحوّل صوب الأيديولوجيا الاجتماعيّة داخل المعهد عند فحص شرج رجل، لتبيّن ما إذا كان تعرّض لتنكيل جنسيّ ما، وامتناع مدير المعهد عن الكتابة في التقرير عن كون الميّت مثليًّا،

نظرًا إلى الدور الّذي يشغله في قضايا جرائم الشرف والاغتصاب وفحص البكارة؛ إذ "لا تخرج أيّة امرأة أو فتاة من المعهد، من دون أن تخضع لفحص غشاء البكارة"[3]. وهكذا يكون تقرير الطبيب الشرعيّ دمغة علميّة مؤسّساتيّة، تصادق على - أو تدحض - براءة المرأة الّتي يجري فحصها بعد دفع رسوم فحوصات العذريّة البالغة 35 شيكل (أقلّ من 10 دولارات) من قِبَل وكلاء حياتها أو موتها. ويوافق الجهاز القضائيّ دائمًا على إجراء تلك الفحوصات تحت ذريعة ردع القتلة، ومنع الفوضى، وانتهاك النظام الاجتماعيّ؛ إذ لا تزال الهويّة الجندريّة جزءًا من هيكليّة كينونة جسد الميّت، بحيث تحفر على جسد المرأة ممارسات تتقاطع فيها القيم الاجتماعيّة - الدينيّة؛ كونها امرأة تختلف عن الممارسات الّتي تخصّ جسد الرجل.

نلاحظ مثلًا عمليّة تحوّل صوب الأيديولوجيا الاجتماعيّة داخل المعهد عند فحص شرج رجل، لتبيّن ما إذا كان تعرّض لتنكيل جنسيّ ما، وامتناع مدير المعهد عن الكتابة في التقرير عن كون الميّت مثليًّا، وعند سؤاله: "لِمَ لا تكتبه؟"، أجاب: "ثمّة أمور لا أستطيع كتابتها؛ لأنّ لها إسقاطات اجتماعيّة قاسية"[4].   

في واقع منظومة الطبّ الشرعيّ، تتقاطع جميع تعقيدات السياق الاجتماعيّ - السياسيّ في المجتمع مع كينونة الميّت، إضافة إلى الدور الّذي تؤدّيه مركّبات المجتمع المدنيّ من "العائلة ومنظّمات حقوق الإنسان والقضاء العشائريّ".

 

سيطرة تتكثّف على عتبة الموت

تخضع حركة أجساد الموتى في فلسطين لما تخضع له أجساد الأحياء أيضًا، من سياسات إداريّة وقانونيّة متنافرة، تُعيد رسم الفضاء المكانيّ والزمانيّ بما يتناسب مع أنموذج شكل الحكم، لينتج لدينا منطق بيروقراطيّ خاصّ، أشبَه بخلل وظيفيّ يتعمّد تعطيل التقدّم في إجراءات التشريح، فيصبح جسد الميّت نقطة الذروة في صيرورة تندمج فيها الصراعات السياسيّة الراهنة، ويديرها أصحاب مختلف المناصب، ضمن هرميّة المبنى البيروقراطيّ القضائيّ والطبّيّ والأكاديميّ. ويصبح الموت عنصرًا مؤسّسًا ومهيكلًا في العلاقات بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، لما يحتاج إليه من تنسيق، وتبليغ، وإصدار تصاريح، وتعاون طبّيّ، وتبادل خبرات.

"تتميّز إدارة النظام بعدم إمكانيّة التنبّؤ بمسارها، وغياب المساءلة، وبالأوامر المتضاربة، والقوانين غير المعلنة، والتعاطي الّذي يبدو عشوائيًّا مع الشؤون الإداريّة، من أجل تحقيق الأهداف النهائيّة: السيطرة على الفلسطينيّين، وتجزئة المجتمع، وخلق ’حياة مجرّدة إجرائيّة‘".

ومن الملاحظ تطابق استنتاجات الكاتبة للدور الاستعماريّ، في تشكيل بنية البيروقراطيّة مع نموذج "الأسس الكولونياليّة لحالة الاستثناء"، الّذي وضعه يهودا شنهاف لفهم البيروقراطيّة الخاصّة بالاستعمار؛ إذ يقول: "تتميّز إدارة النظام بعدم إمكانيّة التنبّؤ بمسارها، وغياب المساءلة، وبالأوامر المتضاربة، والقوانين غير المعلنة، والتعاطي الّذي يبدو عشوائيًّا مع الشؤون الإداريّة، من أجل تحقيق الأهداف النهائيّة: السيطرة على الفلسطينيّين، وتجزئة المجتمع، وخلق ’حياة مجرّدة إجرائيّة‘".

 

وما أدراك ما السيّد؟

يعرِّف جورجيو أغامبين السيادة بأنّها "القدرة على إدارة الموت والفناء"، بيد أنّ الوضع الفلسطينيّ يمتاز بحالة من الفرادة لا يمكن إدراكها إلّا إذا استطعنا النظر إلى جميع المتغيّرات وباستمرار، وهذا ما استطاعت مؤلّفة الكتاب القيام به، من خلال تأمُّل تاريخ وجود جسد الميّت الفلسطينيّ وقراءته، في سياق الطبّ الشرعيّ، وهو تأمُّل ومعاينة لحياة المجتمع الفلسطينيّ وتطوّراته السياسيّة.

تستنتج المؤلّفة أنّ منظومة الاستعمار تهدف إلى أن يكون المجتمع الفلسطينيّ بمنزلة جثّة خاضعة لممارسة سيطرتها، مقابل رفض هذا المجتمع أن يكون في هذا الموضع، واستطاع التمرّد على ثنائيّة السيّد – العبد، وأنشأ مقابلها ثنائيّة السيّد – المقاوم، وأحيا هذا الجسد من خلال ممارسات تمرّد، مثل الإضراب عن الطعام، وتهريب النطف من السجون، والمطالبة بجثامين شهدائه لاستعادتها واحتوائها في الفضاء والزمن الخاصّ به.

..........

إحالات

[1] سهاد ضاهر - ناشف، الطبّ الشرعيّ في فلسطين – دراسة أنثروبولوجيّة (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، 2019)، ص 30.

[2] المرجع نفسه، ص 106

[3] المرجع نفسه، ص 134.

[4] المرجع نفسه، ص 127.

 

 

إبراهيم المصري

 

 

ناشط في العديد من المبادرات الشبابيّة والثقافيّة، في مدينة نابلس تحديدًا، ويهتمّ بالشأن الثقافيّ والسياسيّ. خرّيج قسم الهندسة الكهربائيّة في جامعة النجاح الوطنيّة – نابلس.

 

 

 

تعليقات Facebook