ماركسية العالم العربي: الوسيط الأوروبي والفرضيات الثلاث

إلياس مرقص

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

"لقد كان يستحيل على القادة الشيوعيّين المحلّيّين غير العرب، أن يفهموا فهمًا صحيحًا طبيعة المعركة الّتي يخوضها الشعب العربيّ ضدّ الزحف الصهيونيّ على فلسطين، فكان رأي ‘أبو زيام‘، القياديّ الشيوعيّ من أصل روسيّ، وجوزيف برغر، وغالبيّة الخبراء الشيوعيّين (باستثناء تيبر)، أنّ الانتفاضات العربيّة الموجّهة ضدّ الصهيونيّة ليست إلّا حركة "لاساميّة" أو ضربًا من البوغروم (مذابح اليهود في روسيا القيصريّة)؛ ما جعلهم يدعون إلى التآخي بين العرب واليهود، شعارًا رئيسيًّا، وهذا يعني المرور على هامش القضيّة"[1].

إلياس مرقص، "تاريخ الأحزاب الشيوعيّة في الوطن العربيّ".

 

إعادة قراءة

الحديث العربيّ الأوّل، ومن ضمنه الفلسطينيّ، عن الشيوعيّة والإمبرياليّة والطبقة، قد ظهر مُلازمًا لنشاط الحركات والأحزاب الشيوعيّة التابعة للاتّحاد السوفييتيّ في المنطقة العربيّة، سواء تنظيميًّا أو معرفيًّا، وتحديدًا فلسطين وسوريا والجزائر ومصر والعراق. أمّا الاحتكاك المعرفيّ مع مفهوم الإمبرياليّة، فقد كان من خلال سيرورة بناء أحزاب شيوعيّة منذ بدايات القرن العشرين، تكافح النظم الاستعماريّة، وهذه المعرفة الّتي تكتسبها الحركة الشيوعيّة حول النظم الاستعماريّة تنطلق عبر المصطلحات الّتي شكّلتها الحركات الشيوعيّة والأمميّة في أوروبّا، مثل ألمانيا وبريطانيا وروسيا وفرنسا؛ لذلك فإنّ صياغة هذه المفاهيم في المنطقة العربيّة قد استُعيرت وعُرِّبت، لكن لمّا يجرِ بعدُ توطينها واستعادتها معرفيًّا، أي خلقها من جديد، عبر موقعنا الجيوسياسيّ وجسدنا الاجتماعيّ.

اقتباس إلياس مرقص بداية هذه المقالة، يضعنا أمام أحد الإشكالات المعرفيّة - السياسيّة، الّتي نتجت عنها المفاهيم وتبعاتها السياسيّة، منذ بداية نشاط الشيوعيّة في الوطن العربيّ، وما أودّ طرحه في المقالة عبر هذا الاقتباس، أنّ المضمون التحليليّ للشيوعيّين قد بدأ عبر ذوات وفاعلين خارج الجغرافيا العربيّة، وخارج العلاقات العربيّة؛ ممّا يلزم "تبعيّة" وعدم دقّة في المستويات المعرفيّة - السياسيّة، وهذه المقولة الّتي يطرحها مرقص، سأحاول معالجتها من خلال فحص تمركزات التحليل الشيوعيّ - الماركسيّ في الوطن العربيّ، والحاجة إلى إعادة قراءة المفاهيم الثلاثة (الشيوعيّة والإمبرياليّة والطبقة) ومحدوديّتها، من موقعنا الفلسطينيّ، والكشف عن تمركزاتها الغربيّة/ العرقيّة الّتي نتجت في السياق العربيّ.

 

تعرّف التشكّل المعرفيّ

يهدف الخوض في الحركات والأحزاب الشيوعيّة العربيّة إلى تعرّف تشكّلها المعرفيّ، والكشف عن التمركزات العرقيّة/ الغربيّة في المعرفة الاجتماعيّة والسياسيّة الّتي أنتجتها عن الجغرافيا السياسيّة العربيّة. اللافت بأنّ سيرورة تشكّل الحركات والأحزاب الشيوعيّة، اعتمدت على شيوعيّين أوروبّيّين، لكن بشكل غير حصريّ، إذ كان لشيوعيّين عرب دور مهمّ في تشكيلها. إنّ السياقات المعرفيّة - السياسيّة لتشكّل هذه الحركات والأحزاب، فعليًّا، كانت عبر وسطاء أوروبّيّين، سواء شيوعيّين روس في سوريا وفلسطين، أو شيوعيّين فرنسيّين في الجزائر، وهي تُثبت الأسس الأورومركزيّة لمفهوم الثورة[2].

في المقابل، السياقات الّتي شكّلت الحركات والأحزاب الشيوعيّة حملت في ممارستها ثوريّة قوميّة ضدّ الاستعمار والإمبرياليّة، كما أسّس لذلك لينين في تنظيم "الكومنترن" (الشيوعيّة الدوليّة)، الّتي جمعت بين الأحزاب الشيوعيّة وشكّلت أمميّة تؤسّس لمفهوم الثورة في أشكال ثقافيّة قوميّة متعدّدة، ما حفّز سيرورة "نزع الأورومركزيّة" من مفهوم الثورة الشيوعيّة. لكنّ هذه الفترة لم تدم طويلًا لأنّها لم تكن نظريّة ونهجًا معرفيًّا، بل كانت نوعًا من ممارسة لتطوير النضال ضدّ الاستعمار عند لينين ذاته. وفي هذه الفترة كانت الأحزاب الشيوعيّة العربيّة تحاول صياغة نظريّة ثوريّة تجاه العلاقات الاجتماعيّة، لكن لم يكن بإمكانها صياغة نظريّة تنطلق من الاجتماعات العربيّة؛ كونها تنطلق من أسس معرفيّة أوروبّيّة، وكانت قد توقّفت المراجعات النظريّة لمفاهيم الشيوعيّة والإمبرياليّة والطبقة، وعلاقاتها، في الجغرافيّات المتعدّدة في العالم، عند هيمنة ستالين على النظريّة، وفرضه بذلك نظريّة شيوعيّة غير ديالكتيكيّة، ومثاليّة في مسارها؛ فلم يعُد تنظيم "الكومنترن" بإمكانه أن يحاكي التعدّديّات والممارسات الثوريّة المختلفة، بل غدا أداة لتطبيق النظريّة الشيوعيّة المثاليّة الّتي رسمها ستالين. 

نجد ذلك في منظور الشيوعيّين العرب للعلاقات الاجتماعيّة الّتي تُهيمن في المنطقة العربيّة، وصياغة نظريّة لفهم علاقات الاستغلال، وتحديد المركّبات الاجتماعيّة الفاعلة في هذه المنطقة. التساؤل الّذي نطرحه لنفهم العلاقات الاجتماعيّة والاستغلال؛ مَنْ هم الفاعلون الاجتماعيّون في الجغرافيا العربيّة؟ وما البنية الّتي تحكم علاقات الاستعمار؟

تشكّلت النظريّة الاجتماعيّة الماركسيّة في أوروبّا بالاعتماد على مفهوم "الطبقة"، لتتمكّن من فهم علاقات الاستغلال في البناء الاقتصاديّ الرأسماليّ. قد علِم كارل ماركس أنّ فهم الرأسماليّة في شكلها الحديث، القائم على فصل العمّال عن وسائل الإنتاج، وبالتالي خلق فائض القيمة، مرتبط بتحديد "الطبقة" الّتي تعمل في المصانع، وأخرى برجوازيّة تملك المصانع، وهكذا نستطيع تحديد الفاعلين الاجتماعيّين في الجغرافيا الأوروبّيّة الّذين يشكّلون العلاقات في السياسة والقانون والعسكريّة. لكنّ الأمر مختلف في الجغرافيّات الأخرى، إذ لم تتشكّل العلاقات هكذا، وغير مُحتَّم تاريخيًّا أن تتشكّل هكذا.

لذلك؛ نجد أنّ الحركات والأحزاب الشيوعيّة العربيّة تبنّت التشكيلات الاجتماعيّة الأوروبّيّة أو فُرضت عليها؛ لأنّها تبلورت معرفيًّا على أساس "كونيّ"، وافتراض أنّ جميع الأحداث والأفكار والنظريّات الأوروبّيّة أيضًا "كونيّة". إنّ السيرورة المعرفيّة - السياسيّة الّتي تشكّلت في هذه الحركات والأحزاب خلقت أُسسًا معرفيّة أورومركزيّة، سواء من خلال الوسطاء الأوروبّيّين الّذين أسهموا في تشكيل الحركات والأحزاب الشيوعيّة، أو هيمنة "الكومنترن" بصفته تنظيمًا روسيًّا/ أوروبّيًّا معرفيًّا - سياسيًّا على بقيّة الحركات والأحزاب الشيوعيّة في العالم، منذ بداية القرن العشرين. 

لقد تبلورت الأسس المعرفيّة الأورومركزيّة الّتي نمت داخل الحركات والأحزاب الشيوعيّة، من خلال ثلاث فرضيّات متداولة بشكل أو بآخر، وهي: تخلّف الاجتماعيّات غير الأوروبّيّة، والقصد تخلّف مجتمعات القبيلة والعشيرة والفلّاحين، ثمّ الفرضيّة الثانية بأنّ الطبقة العاملة الأوروبّيّة قائدة الثورة الشيوعيّة؛ وينتج عنهما الفرضيّة الثالثة، الاستعمار، وهي أداة تاريخيّة لتطوّر المجتمعات غير الأوروبّيّة. نجد الفرضيّات الثلاث عند ماركس واضحة في مقالاته، الّتي نُشرت في جريدة "نيويورك دايلي تريبيون" منتصف القرن التاسع عشر، وكانت هذه المقالات تشكّل العمود الأساسيّ لنظريّة الثورة الشيوعيّة عند ماركس. هذه الفرضيّات الثلاث مؤسِّسة للأحزاب الشيوعيّة في العالم، لكن عبر تداولات سياسيّة ولغويّة واجتماعيّة مُتعدّدة[3].

 

نموذجا الجزائر وفلسطين

قد كانت الممارسات الاستعماريّة الفرنسيّة في الجزائر، في نظر الأحزاب الشيوعيّة الفرنسيّة - الجزائريّة، قوّة تاريخيّة تحطّم أنماط الإنتاج المتخلّفة القرويّة، الّتي كانت تمثّل البناء الاجتماعيّ للاستبداد الشرقيّ؛ ولذلك تشكّلت الهيراركيّات العرقيّة/ الاجتماعيّة داخل الأسس المعرفيّة عند الحركات والأحزاب الشيوعيّة. الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ في الجزائر نموذج يعبّر عن الفرضيّات الثلاث، عبر ممارسته الّتي قضت بعدم قبول الفلّاحين والقبائل جزءًا من نضال ضدّ الاستعمار، بل اقتصر على العمّال الأوروبّيّين المستوطنين وغيرهم[4].

حالة أخرى، هي الحزب الشيوعيّ في فلسطين التاريخيّة؛ فهو لم ينزع الأورومركزيّة من أساساته المعرفيّة وممارساته، بل قد تجاوز ذلك من خلال العمل بشكله اليهوديّ، من أجل إنشاء الدولة الاستعماريّة الاستيطانيّة في فلسطين التاريخيّة، وقد ننظر إلى ذلك على أنّ العامل القوميّ عند اليهوديّ الأوروبّيّ قد غلب على العامل الأمميّ؛ لذلك عند الصراع سيكون فاعلًا من خلال إطاره القوميّ.

هنا لا بدّ من التأكيد على أنّ مقولتي المعرفيّة - السياسيّة تحاول تجاوز "الفرد" بصفته فاعلًا في المجتمع، والنظر إلى كامل العلاقات وأثرها في الفرد، ومن ثَمّ أثر الفرد الاجتماعيّ، ساعيًا بهذا التجاوز إلى توضيح أنّ الشيوعيّين و/أو الاشتراكيّين اليهود كانوا عاملًا في إنشاء الدولة اليهوديّة الاستعماريّة في فلسطين التاريخيّة، بناءً على تشكّلهم المعرفيّ - السياسيّ، المؤسَّس على الفرضيّات الثلاث.

التفسير الّذي ذهب إليه العديد من القيادات الشيوعيّة بداية القرن العشرين، بأنّ ما يحصل من نضالات العرب العنيفة ضدّ الاستيطان اليهوديّ/ الأوروبّيّ، كان يعبّر عن مشاعر "معادية للساميّة"[5]؛ يعني أنّ العرب الفلسطينيّين غير قادرين اجتماعيًّا وسياسيًّا على أن يكونوا جزءًا من ثورة وجبهة نضال ضدّ الإمبرياليّة وجميع الأشكال الاستعماريّة؛ ولذلك هم بحاجة إلى تمدين وتنوير وتطوير علاقاتهم الاجتماعيّة، لتكون موائمة لشروط الثورة. ويعني هذا التفسير أيضًا، أنّ الحلّ في فلسطين التاريخيّة متعلّق بقبول الآخر اليهوديّ/ الأوروبّيّ/ المستوطن، سواء بدولة ديمقراطيّة أو بدولتين.

 

إلياس مرقص و"تحريفات" الشيوعيّة العربيّة

استعادة المفاهيم وتوطينها معرفيًّا تتطلّب النظر إليها من خلال موقعنا الجغرافيّ - السياسيّ، ثمّ إدراك تداخلات الكولونياليّة في مفاهيم الطبقة والاستعمار والإمبرياليّة، الّتي تناولتها الحركات والأحزاب الشيوعيّة في تحليلها للأحداث والتطوّرات في المنطقة العربيّة. والحدث الأهمّ بنيويًّا في المنطقة في حينه، إقامة دولة كولونياليّة استيطانيّة في فلسطين التاريخيّة، وهذا الحدث يبيّن لنا الأورومركزيّة في مواقف الحركات والأحزاب الشيوعيّة العربيّة وتحليلاتها؛ ولذلك لا بدّ من فهم سيرورة نزع الكولونياليّة عن الحركات والأحزاب الشيوعيّة، أو المحاولات من أجل ذلك، من خلال مراجعة مواقها وتحليلاتها إزاء فلسطين الّتي كانت بمنزلة اختبار لهذه المفاهيم وتداخلها في الواقع. في المقابل، لا بدّ من النظر إلى محاولات توطين المفاهيم انطلاقًا من واقعنا العربيّ، ومن الجغرافيا - السياسيّة العربيّة، وقد عمل على ذلك العديد من الماركسيّين العرب، نذكر منهم إلياس مرقص ومهدي عامل، لأنّهما ممّن أسهموا في خلق نظريّة للثورة العربيّة الشيوعيّة أو الاشتراكيّة.

وضع إلياس مرقص أسس نقديّة كشف من خلالها عمّا يسمّيه "تحريفات" الحركات والأحزاب الشيوعيّة، انطلاقًا من علاقتها بالواقع، دون فرض مصطلحات ومسارات تاريخيّة حتميّة على الواقع. نجد ذلك في سلسلة نصوصه المعنونة بـ "نقد الفكر المقاوم"، الّتي كتبها من أجل تفكيك نصوص التيّارات الماركسيّة في العالم العربيّ وفلسطين[6]. أنجز مرقص بذلك مهمّة من أجل تحرير الماركسيّة من الأورومركزيّة وتوطينها، من خلال فهم الاجتماعيّات العربيّة كما هي، قبائل وعشائر وفلّاحين وعمّال، دون فرض مفهوم الطبقة العاملة بشكلها الواسع كما هي في الدول الأوروبّيّة، ويميّز بذلك المسار الثوريّ في المنطقة العربيّة عن المسار الشيوعيّ الحتميّ، كما حدّدته سياسات الاتّحاد السوفييتيّ.

فهم مرقص للثورة وممارستها غير مرتبط بتسلسل زمنيّ - مادّيّ (إقطاعيّة - رأسماليّة - اشتراكيّة)، كما فهمها العديد من الحركات والأحزاب الشيوعيّة، وقد أدّى هذا الفهم عند بعض الشيوعيّين في العالم العربيّ، إلى عدم مقاومة قيام دولة إسرائيل؛ لأنّها تعبّر عن نمط إنتاج متقدّم رأسماليّ يجب تحفيزه، في إطار المسار الزمنيّ - المادّيّ للتاريخ. من هنا ننتبه إلى أنّ نقد مرقص لهذه النظريّة والفهم حول الثورة ومسارها، ينطلق من نقد الأساسات المعرفيّة الّتي تشكّل فهمًا ونظريّة منحرفة، وهي التبعيّة المعرفيّة للأساسات الماركسيّة الأوروبّيّة وعدم نقدها والكشف عن تمركزاتها وعن عدم كونيّتها.

يبني مرقص المسار الثوريّ البروليتاريّ من خلال علاقات جميع الطبقات في الحكومة والدولة والإقليم، دون التمركز على ثنائيّة عمّال - برجوازيّة، وبذلك المسار الثوريّ، يستطيع فعلًا أن يتداخل مع الواقع، ويشكّل بذلك علاقات ثوريّة تهدف إلى تحرير الشعب، كمفهوم يجمع المضطهَدين.

***

إحالات:

 [1] إلياس مرقص، تاريخ الأحزاب الشيوعيّة في الوطن العربيّ (بيروت: دار الطليعة، 1964)، ص 22.

[2]  المرجع نفسه، ص11-22.

[3] كارل ماركس وفريدريك أنجلز، حول الاستعمار (موسكو: دار التقدّم، 1975).

[4] إلياس مرقص، تاريخ الأحزاب الشيوعيّة... ص19-17.

[5] المرجع نفسه، ص21-22.

[6]  إلياس مرقص، نقد الفكر المقاوم 1: عفويّة النظريّة في العمل الفدائيّ (بيروت: دار الحقيقة، 1970).

 

 

محمّد قعدان

 

 

طالب في جامعة تل أبيب ضمن برنامج مُتعدّد التخصّصات؛ سوسيولوجيا، أنثروبولوجيا، تاريخ الشرق الأوسط، دراسات بيئيّة. عضو مؤسّس لـ "منتدى إدوارد سعيد في جامعة تل أبيب."

 

 

 

تعليقات Facebook