نزع طفولة فلسطين... كما تراه نادرة شلهوب - كفوركيان

أطفال فلسطينيّون في النقب | Flickr

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

من مقولات سيمون فايل في كتابها "في انتظار الله" (1951)[1]: "لربّما تدمير الماضي أفظع الجرائم قاطبة"؛ فماذا يبقى للمرء أن يقوله حين تطال الجريمة الماضي والمستقبل وما بينهما في آن واحد؟ وهذا هو هول الجريمة الّتي تتحرّاها نادرة شلهوب – كفوركيان في دراستها عن الطفولة ونزعها في فلسطين، بعنوان " Incarcerated Childhood and The Politics of Unchiliding " (2019)، الصادرة عن مطبعة جامعة كمبريدج.

سأسعى في ملاحظاتي حول الكتاب إلى أن ألتمس مواطن القوّة ومواطن الضعف في هذا العمل، هادفًا إلى الإسهام في عرض تقدير سويّ لتدرّبنا جميعًا، ممّن تبقّى في هذه الأرض، على مقارعة المهيمن العابث بأزمنتنا كلّها. ولن يغفل عن أهمّيّة عمل نادرة في هذه المقارعة إلّا من سفه عقله أو سفهت عقلها من مثقّفي ومثقّفات فلسطين.

 

كسر الحكر على "المطلّ"

بدايةً، أودّ لو أُشير إلى موطنين من مواطن القوّة، والجمال أيضًا - إن صحّ التعبير - في هذا الكتاب. أوّلًا، ممّا يُبهرني في هذا العمل قدرته على أن يكسر حكر المستعمِر على "المَطَلّ"، وما أقصده بـ "المَطَلّ" الموقع الّذي يُتيح طول البصر، وشموليّة المنظر الّذي يمتاز به القويّ ويفتقده الضعيف. على سبيل المثال لا الحصر، تفكّر في موقع الله الّذي من أسمائه الحسنى "الرقيب"، ولربّما هذا الموقع في لغة النقد العلمانيّ ما يُسمّى "المادّيّة التاريخيّة" في التراث الماركسيّ، ولربّما كذلك "البانؤبتيكون" عند فوكو وأتباعه. باختصار، أُحيلكم من خلال هذه المسمّيات إلى مزيّة ترتبط عادة بالغالب، ونرى فيها أنّ أحد تجلّياته أنّه يرى المغلوب بكامل حاله، بينما لا يقوى المغلوب أو لا يُسمح له إلّا أن يرى الواقع عبر أجزائه وشظاياه؛ ففي فلسطين يُدّعى وجود "قوم" واحد هو اليهوديّ، بينا ثمّة شرذمات تأخذ شكل هويّات طائفيّة وجغرافيّة وما إلى ذلك.

تتشابك الأزمنة والأمكنة في ادّعاء واحد؛ لأنّ القامع على تعدّد أذرعه هو نفسه. ومن محصّلة هذا المنحى أنّه في كتاب نادرة الّتي قلبت واجهة "المطلّ"، صار لفلسطين ما يحرمها منه المستعمِر، وهو أن تلتئم في ادّعاء واحد عابر للجدران والحواجز بصورها المختلفة.

تمكّن كتاب نادرة من كسر هذه المعادلة؛ فنادرة ترى إسرائيل منظومة قمع واحدة بأوجه متنوّعة ومترابطة في آن، ولذلك في عمل واحد قلّ نظيره، نسمع من نادرة شهادات لنعمة في النقب وأخيها الّذي تكهرب، لأمل في الخليل، لراوية في اللدّ، لسعاد في القدس، لليلى، وعليا وسميرة في غزّة. تتشابك الأزمنة والأمكنة في ادّعاء واحد؛ لأنّ القامع على تعدّد أذرعه هو نفسه. ومن محصّلة هذا المنحى أنّه في كتاب نادرة الّتي قلبت واجهة "المطلّ"، صار لفلسطين ما يحرمها منه المستعمِر، وهو أن تلتئم في ادّعاء واحد عابر للجدران والحواجز بصورها المختلفة.

هذا إنجاز قيّم في حدّ ذاته لأيّ ادّعاء يرمي إلى مناهضة المستعمِر، الّذي تتجلّى قوّته من بين ما تتجلّى فيه في أن يصارعك على حاسّة البصر وتذوّقك فيها، وإدراكك للكون من خلالها؛ فيحتفظ هذا المستعمِر لنفسه بما يحرمك منه، فيرى كيف أنّ كلّ شيء يلج في كلّ شيء، ليصير كأنّ الواحديّة له "الغالب" والتجزّؤ لك "المغلوب". ويبدو لي أنّ نادرة الّتي أعطبت هذا الحكر في ادّعائها، كانت على مرمى حجر من أن تُزعزع هذا الحكر بشكل أعمق في كتابها، لو أنّها غاصت أكثر في الأراضي المحتلّة عام 1948، لو واصلت تنقيبها بشكل أوفى مثلًا، في مناهج التخريب في مدارس إسرائيل، وهو ما عرجت عليه حين تطرّقت إلى بدعة "القوميّة الدرزيّة"، ناهيك عن الجريمة المتفشّية بيننا، بصفتهما وجهين إضافيّين من أوجه سلب الطفولة في مرتع الديمقراطيّة.

ثمّة مساهمة أخرى، ولربّما هي نتيجة تمكّن نادرة من رؤية مناهضة للتشظّي، أنّها تزوّدنا أحيانًا بومضات وصفيّة مذهلة، تسمح لك أن تحسّ كيف أنّ نزع الطفولة هو المعادل لنزع الأرض، بل أرض الحياة أيضًا؛ فبلغة نضرة ملؤها وهج الطفولة، تقول نادرة: "هم الأمل، هم المطر في الأرض اليباب" (ص 18). هذا النثر البسيط، الحسّيّ، المُفعم بالخيال لدى الأطفال ذاتهم، أو هكذا الأمل، بعيدًا عن "المفرقعات" اللفظيّة العارمة، هو حقًّا من مواطن القوّة في الكتاب (وليس بودّي أن أنكر متعة المفرقعات على أحد، صغيرًا كان أو كبيرًا)، لكن هنا أيضًا تكمن، وفي ذات الوقت، محنة الكتاب: "طفولة" اللغة، وأقصد نضارتها، أمام "تطفُّلها"، وأقصد اتّكاليّتها.

 

لغة الطفولة

سأتّخذ من التضارب أعلاه مدخلًا لأشخّص وأفصّل بعض مواطن الضعف. هدفي من تشخيص هذه المواطن - ما استطعت إليها سبيلًا -، أن تتابع نادرة مسارها المتميّز، في احترافها البارع لسلطة الكلمة الحقّ أمام سطوة الغالب وجوره. سأقف عند أربعة مواطن من هذا القبيل؛ وأوّلها كما ألمحت، "اللغة".

غلاف كتاب نادرة شلهوب - كفوركيان الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج (2019)

عندما أقول "اللغة" فإنّي أقصد القالب أو ما عُرف بــ "اللفظ" عند النقّاد العرب القدامى، أو بـ "الشكل" عند الإغريق منذ أفلاطون؛ لهذا فإنّ استخدامي مفردة "ومضات" سابقًا كان متعمّدًا لا عابرًا؛ لأنّي كنت أتمنّى على نادرة أن تُبقي في مقولتها عن نزع الطفولة، ما لا ينزع الطفولة ووهج الطفولة من نثرها هي، بصفتها مُحلّلة وناقدة، فتُجسّد في لغة كتابها جسد الطفولة بصفته مصبَّ اهتمامها؛ لأنّها - أي الطفولة - كما علّمنا جبرا، هي البئر الأولى[2]. وحين أتكلّم على "الطفولة" أقصد بالأساس الدهشة، وكأنّ العالم ابتدأ قبل قليل، كما يعلّمنا إيّاها لا الرومانسيّون فحسب، بل حتّى قصّة السيّد المسيح عليه السلام، حين ينسب له متّى في إنجيله المقولة: "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات" (أصحاح 18:3)، وأنا فعلًا أودّ لنادرة وأعمالها منزلة ليست دون "ملكوت السموات" أو "الفردوس الأعلى"، ولهذا سأتعدّى "النطق" وأذهب إلى "المنطق"؛ أقصد صلب ادّعائها.

 

مفهوم الطفولة

تقول نادرة: "إنّ مناهضة الحقل السياسيّ الّذي نزع الطفولة، تعني أنّ ثمّة أسئلة صعبة لا بدّ لها من أن تُطرح" (ص 136)، وهنا سألبّي دعوتها من خلال طرح ثلاثة مسائل؛ أوّلها: كيف لنا أن ننزع أمرًا طافيًا، بل طارئًا لا متجذّرًا في حقيقته؟ ما أقصده مفهوم الطفولة بعينه؛ فكما نتعلّم من كتابين في هذا المضمار "اختراع الطفولة" (2006)[3] لهيو هو كانينغهام، ومن كتاب سبقه "الطفولة والحياة الأسريّة تحت النظام الملكيّ" (1960)[4] لفيليب أرييه؛ فإنّ مفهوم الطفولة توليفة من إرث عصر التنوير، لا هو حقيقة بيولوجيّة ولا حقّ قانونيّ عابران للأزمنة. قد يساعدنا في إدراك هذه التوليفة الّتي هي محصّلة تطوّرات غربيّة حديثة نسبيًّا، معرفة أنّ تحريم تشغيل الأولاد في تنظيف المداخن في إنجلترا كان فقط عام 1875، ولم يحرّم القانون الأمريكيّ تشغيل الأطفال قبل عام 1938، ويبدو أنّ هذا داخل الولايات المتّحدة فحسب. ولأنّ الطفولة مفهوم؛ إذن هي منزوعة الهويّة الواحدة قبل أن يُنزَع "الحقّ" بها على يد أيّ محتلّ، ولذا يُطرح السؤال: كيف نبني مقولة عن نزع واقعٍ ما ذي تاريخ منزوع الجوهر؟

 

تعدّد معاني "النزع"

المسألة الثانية، يبدو لي أنّه من الأدقّ أن نتحدّث عن "نزع الطفولة" بتعدّديّة من المعاني، الّتي لا يُتيحها الكتاب كما يجدر به، وكما هي رغبته في ذلك أيضًا؛ فثمّة "نزع" بمعنى "سلب الأرض"، لكن ثمّة معنًى آخر يسري في شهادات الكتاب لكن دون الوقوف عنده، دون تحليله. هذا المعنى الآخر هو نزع الطفولة بعينها من حيث إنّها عالم الصغار لا الكبار، وهو عالم يتبع لهم لا لغيرهم. ثمّ إنّ النزع هنا يكون على يد الأطفال ذاتهم؛ فيهجرون هذا العالم للأسف، ويتكلّمون "كالكبار"؛ فنرى أنّ "سلب الأرض" معنًى واحد يقابله معنًى آخر، هو "تملّك الكبار"؛ أي حين تتملّك "لغة الكبار" من لغة الصغار.

كنت أتمنّى على نادرة أن تسأل حين تسمع الطفلة من فيلم محمّد بكري "جنين جنين"، وهي تقول (ما ترجمته وفق شهادة الكتاب): "أنا أقوى منهم... أنا أقوى من شارون، بفضل إرادتي" (ص 133)، أن تسأل حين تنصت مليًّا لهذه الكلمات: كيف لطفلة أن تهبط بهذا الشكل المروّع لمقارنة نفسها بسفّاح؟

أرجو ألّا يُساء فهم كلامي عن نزع الطفولة، بصفته فعلًا يقوم به الأطفال ولا يقع عليهم فحسب، أنّ به تبرئة لا قدّر الله، لا من بعيد أو قريب، للمحتلّ. لكن كنت أتمنّى على نادرة أن تسأل حين تسمع الطفلة من فيلم محمّد بكري "جنين جنين"، وهي تقول (ما ترجمته وفق شهادة الكتاب): "أنا أقوى منهم... أنا أقوى من شارون، بفضل إرادتي" (ص 133)، أن تسأل حين تنصت مليًّا لهذه الكلمات: كيف لطفلة أن تهبط بهذا الشكل المروّع لمقارنة نفسها بسفّاح؟ وأن تنسب، وكأنّها من أحفاد نيتشه، فيلسوف الإرادة، قوّتها إلى إرادتها الفرديّة؟ مع كلّ ما يُتيحه هذا المخيال لدى طفلة جنين، من ترميم محمود لأنفتها ولثقتها بنفسها، واعتزازها بها، كما يحقّ، أليس بهذه المفاضلة هجران مريع للطفولة أيضًا؟ أليس ثَمّ نزع للطفولة بمعنى ما تقوم به الطفلة حين "تتكلّم كالكبار"، وإن كان لا يجدر بنا البتّة أن نلومها على ذلك؟

 

كيف تتجدّد الطفولة "بنزعها"؟

والمسألة الثالثة تكمن في أنّني أكاد أرى مطبًّا بل تناقضًا يقبع أمام منطق الادّعاء، أي في عقر بنيانه. الادّعاء يشخّص ويتضمّن هذا الواقع المتناقض، لكن لا يُصيغه على أنّه هكذا حين تكتب نادرة أنّ: "الظلم المستمرّ يساهم في صيانة تجارب الطفولة..." (ص 133).

ما يجوز أن نستنبطه من هذه المقولة أنّ "نزع الطفولة" يساهم في الحفاظ على الطفولة أو بالعكس: تجدُّد الطفولة جائز بنزعها. هذا معضل مذهل تَمكَّن ادّعاء نادرة من العثور عليه، لكن كيف للغتنا أن تتعامل معه؟ ماذا نكسب وماذا نخسر حين نصف "نزع طفولة"، الّذي، كما تصفه نادرة، يبدو أنّه بنفس الوقت يساهم في تجديدها؟ المهمّة الأكثر إثارة من فضّ هذا التناقض، أن نقف أمامه لنُعيد صياغة أسئلتنا عن الطفولة مفهومًا وظاهرة، بدهشة وليونة وبساطة يُقال إنّها تتأتّى للأطفال أكثر من الكبار.

 

ختامًا...

عمليًّا وختامًا، أنا أدّعي أنّ كتاب نادرة بانتظار تتمّته عن الطفولة، شكلًا من أشكال المعرفة، لا ظاهرةً قضائيّةً مضمرة فحسب، الّتي عرفتها، ولربّما ما زالت تعرفها فلسطين، كما أشرت في إنجيل متّى، بل لديّ عنوان أقترحه لتتمّة مشروع نادرة: "الطفولة في فلسطين: مهد يتهدّد فيتجدّد"، أو إن كتبته بلغة المستعمِر فعنوانه لربّما يكون "Childhood Rebound: The Case From Palestine".

أدّعي أنّ كتاب نادرة بانتظار تتمّته عن الطفولة، شكلًا من أشكال المعرفة، لا ظاهرةً قضائيّةً مضمرة فحسب، الّتي عرفتها، ولربّما ما زالت تعرفها فلسطين، كما أشرت في إنجيل متّى...

هناك قد نفهم من فلسطين، أو لربّما ستفهمنا فلسطين، أنّنا نعيش في حالة كونيّة، حين يكون التنكّر للطفولة لا ينال أطفال فلسطين وأطفال محيطها العربيّ - الإسلاميّ فحسب، إن حصرنا فهم الطفولة بصفته حقًّا قضائيًاّ يُسلب، بل إنّ الكون يتنكّر للطفولة، كلّما طلب نظامه القائم أن ننصاع لجامعاته، لدوله، لأسواقه؛ أي بكلمة واحدة: "لسرعته" في فكرنا وعملنا، وهي بعيدة أيّما بُعد عن زمن الدهشة، ولربّما الحلم الّذي يفترض أن تكونه الطفولة.

..........

إحالات:

[1] Simon Weil, Waiting for God )New York: Harper Perennial, 2019).

[2] جبرا إبراهيم جبرا، البئر الأولى: فصول من سيرة ذاتيّة، ط 2 (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2009). وهو القائل: "إنّ الطفولة تبقى مبعث سحر يستديم فعله الغامض، ومصدر وهج يعجز عنه التفسير" (ص 12).

[3] Hugh Cunningham, The Invention of Childhood (London: BBC Books, 2006).

[4] Philippe Ariès, L'Enfant et la vie familiale sous l'Ancien Régime (Paris: Pion, 1960). English translation: Centuries of Childhood. A Social History of Family Life. Robert Baldick (trans.). Alfred A. Knopf (1962).

 

 

د. خالد فوراني

 

 

أستاذ مشارك في دائرة علم الاجتماع والإنسان في "جامعة تل أبيب"، وزميل بحث في "معهد فان لير" في القدس. من اهتماماته: اللغة، العلمانيّة، النظريّة الاجتماعيّة، تاريخ العلوم الإنسانيّة، العلاقة بين الجماليّ والسياسيّ في فلسطين. 

 

 

 

تعليقات Facebook