جورجيو أغامبين يردّ على منتقدي مقالته، "اختراع وباء"

جورجيو أغامبين

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

نشر جورجيو أغامبين هذه المقالة يوم 17 آذار (مارس) 2020، ردًّا على اللغط الّذي أحاط مقالة سابقة له بعنوان "اختراع وباء"، نشرها يوم 26 شباط (فبراير) 2020، حول فايروس كورونا المستجدّ (Covid-19) في إيطاليا. (هنا يمكن الاطّلاع على النصّين بالإنجليزيّة). 

ترجمت كارول خوري الردّ عن الإنجليزيّة بموافقة المؤلّف.

جورجيو أغامبين مفكّر وفيلسوف إيطاليّ مولود عام 1942، اشتهر في الفلسفة المعاصرة بعدد من المفاهيم الّتي باتت تُستعمل على نطاق واسع، أشهرها "الحالة الاستثنائيّة" و"الإنسان المستباح".

***

توضيحات

الخوف مُرشد سيّئ، لكنّه يجعلنا نرى العديد من الأمور الّتي تظاهرنا بعدم رؤيتها. الأمر الأوّل الّذي تظهره بجلاء موجة الهلع الّتي شلّت البلد، أنّ مجتمعنا لم يعُد يؤمن بشيء سوى الحياة العارية. بات واضحًا أنّ الإيطاليّين على استعداد للتضحية عمليًّا بكلّ شيء - الظروف الطبيعيّة للحياة، والعلاقات الاجتماعيّة، والعمل، حتّى الصداقات، والمعتقدات الدينيّة والسياسيّة - لتجنّب خطر الإصابة بالمرض. إنّ الحياة العارية وخطر خسارتها، ليست أمرًا يوحّد الناس، إنّما تعميهم وتفرّقهم.

لقد أصبح الناس على درجة عالية من التعوّد على العيش في ظروف أزمات وطوارئ دائمة، حيث لا يبدو أنّهم يلاحظون أنّ حياتهم قد قُلِّصت إلى حالة بيولوجيّة محضة؛ حياة لم تفقد كلّ بُعد اجتماعيّ وسياسيّ فحسب، بل البُعد التعاطفيّ والعاطفيّ أيضًا...

كما في الطاعون الّذي وصفه مانزوني، لا يُنظر إلى الآخرين إلّا مُلوِّثين محتمَلين يجب تحاشيهم بأيّ ثمن، أو على الأقلّ الحفاظ على مسافة منهم أقلّها متر. الموتى – موتانا – ليس لهم حقّ الجنازة، ومن غير الواضح ما الّذي سيحدث لجثامين أحبّائنا. لقد مُحِي إخواننا البشر، ومن الغريب بقاء الكنائس صامتة حول هذه النقطة. ماذا سيكون واقع العلاقات البشريّة في بلد يُعَوَّد – إلى أمد لا يعرفه أحد - على العيش على هذه الشاكلة؟ وأيّ مجتمع ذاك الّذي لا قيمة لديه سوى البقاء؟

الأمر الآخر الّذي تسبّب الوباء في إظهاره بوضوح، وهو ليس أقلّ إزعاجًا من الأوّل، حقيقة تَحَوُّل حالة الاستثناء، وهي حالة بدأت الحكومات بتعويدنا عليها منذ سنين، إلى حالة طبيعيّة بالفعل. لقد سبق أن كان ثمّة أوبئة أكثر خطورة، ولكن لم يفكّر أحد قطّ في إعلان حالة الطوارئ مثل الحاصلة الآن؛ حالة تمنعنا حتّى من الحركة. لقد أصبح الناس على درجة عالية من التعوّد على العيش في ظروف أزمات وطوارئ دائمة، حيث لا يبدو أنّهم يلاحظون أنّ حياتهم قد قُلِّصت إلى حالة بيولوجيّة محضة؛ حياة لم تفقد كلّ بُعد اجتماعيّ وسياسيّ فحسب، بل البُعد التعاطفيّ والعاطفيّ أيضًا. إنّ مجتمعًا يعيش في حالة طوارئ مستمرّة لا يمكنه أن يكون مجتمعًا حرًّا. فعليًّا، نحن نعيش في مجتمع قد ضحّى بالحرّيّة لصالح ما يسمّى "الدواعي الأمنيّة"، وفي النتيجة حكم على نفسه بالعيش في حالة دائمة من الخوف وعدم الأمان.

ليس مفاجِئًا الحديث عن الوباء بلغة الحرب. إنّ التدابير الطارئة تُلزِمنا، في حقيقة الأمر، أن نعيش ظروف منع التجوال. لكنّ الحرب ضدّ عدوّ غير مرئيّ قادر على الاستكانة في أيّ إنسان آخر، إنّما هي الحرب الأكثر عبثيّة من بين الحروب؛ إنّها صدقًا حرب أهليّة، العدوّ ليس في مكان ما في الخارج، إنّه داخلنا.

ليس مفاجِئًا الحديث عن الوباء بلغة الحرب. إنّ التدابير الطارئة تُلزِمنا، في حقيقة الأمر، أن نعيش ظروف منع التجوال. لكنّ الحرب ضدّ عدوّ غير مرئيّ قادر على الاستكانة في أيّ إنسان آخر، إنّما هي الحرب الأكثر عبثيّة من بين الحروب...

ليس الحاضر ما يثير القلق كثيرًا، أو على الأقلّ ليس وحده، وإنّما تداعياته وما سيعقبه. وكما شملت تركة الحروب لزمن السلم طيفًا كاملًا من التقنيّة المشؤومة، من الأسلاك الشائكة وصولًا إلى المفاعلات النوويّة، فمن الوارد تمامًا أيضًا أن تكون، حتّى بعد انتهاء الطارئ الصحّيّ، محاولات للاستمرار بالعديد من التجارب الّتي لم تتمكّن الحكومات من تنفيذها: إمكانيّة بقاء الجامعات والمدارس مغلقة، على أن تكون الحصص والمحاضرات عبر الإنترنت؛ وإمكانيّة وضع نهاية، مرّة واحدة وإلى الأبد، للاجتماعات والتجمّعات الّتي تناقش المسائل السياسيّة والثقافيّة؛ وإمكانيّة أن يكون التواصل فقط عبر الرسائل الرقميّة ما أمكن، وإمكانيّة الاستعاضة بالماكينات عن أيّ تواصل – عدوى –  بين البشر.

 

 

كارول خوري: مترجمة ومحرّرة، وتدير تحرير مجلّة "Jerusalem Quarterly"، الصادرة عن "مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة". لها أعمال عديدة منشورة في الترجمة، في حقول التاريخ والأدب والشعر.

 

 

تعليقات Facebook