حراك "طالعات"... إعادة موضعة قضايا التحرّر الاجتماعيّ

من تصميمات حراك "طالعات"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في سيرتها الذاتيّة "رحلة جبليّة رحلة صعبة"، تورد الشاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان عبارة تقول: "إذا لم أكن متحرّرة اجتماعيًّا، فكيف أستطيع أن أكافح بقلمي من أجل التحرّر السياسيّ أو العقائديّ أو الوطنيّ؟"[1]. وإنّ المتأمّل في مضامين العبارة السابقة، يلاحظ أنّ الشاعرة كانت تدرك التحرّر الاجتماعيّ بصفته قرينًا للتحرّر الوطنيّ والسياسيّ، بل مدخلًا له.

 

التحرّر الاجتماعيّ قرين الوطنيّ

وعلى عكس عبارة طوقان السابقة وكيفيّة إدراكها واستيعابها للتحرّرين الاجتماعيّ والوطنيّ؛ فإنّه في كلّ مرّة تُطرح فيها إحدى قضايا التحرّر الاجتماعيّ في ساحات النقاش الفلسطينيّة، فإنّ ثمّة الكثير من الأصوات الّتي ترتفع لتنكر وقت الطرح وزمنه، متعلّلة بأنّ الأولويّة كلّ الأولويّة لقضايا التحرّر الوطنيّ.

تعالي تلك الأصوات، الّتي دعت وما زالت تدعو إلى تهميش قضايا التحرّر الاجتماعيّ في النضال السياسيّ الفلسطينيّ، واعتبارها قضايا يجب التعامل معها بعد التحرّر من الاستعمار وتحقيق التحرّر الوطنيّ، كان المساهم الأوّل في الدفع بحراك "طالعات" الفلسطينيّ، نحو الخروج إلى الشارع الفلسطينيّ

وإنّ تعالي تلك الأصوات، الّتي دعت وما زالت تدعو إلى تهميش قضايا التحرّر الاجتماعيّ في النضال السياسيّ الفلسطينيّ، واعتبارها قضايا يجب التعامل معها بعد التحرّر من الاستعمار وتحقيق التحرّر الوطنيّ، كان المساهم الأوّل في الدفع بحراك "طالعات" الفلسطينيّ، نحو الخروج إلى الشارع الفلسطينيّ، والمطالبة بإعادة الاعتبار إلى تلك القضايا، باعتبارها قرينة لقضايا التحرّر الوطنيّ، بل مدخلًا رئيسيًّا له.

ففي 26 أيلول (سبتمبر) عام 2019، وعلى إثر قضيّة مقتل الشابّة الفلسطينيّة إسراء غريب، خرج الآلاف من النساء الفلسطينيّات في 11 مدينة فلسطينيّة - في الضفّة وغزّة وأراضي 48– خرجن إلى الشوارع، وذلك ضمن حراك نسويّ شبابيّ حمل اسم "طالعات"، حيث رفعن شعارات طالبن فيها بالتحرّر والكرامة والعدالة الاجتماعيّة، وحماية أجسادهنّ وأجساد غيرهنّ من النساء من العنف اليوميّ الممارَس ضدّهنّ، وجاءت شعاراتهنّ بما يُشير إلى إدراكهنّ الواضح والصريح لمفهوم التحرّر الاجتماعيّ، باعتباره مفهومًا تأسيسيًّا لكلّ مفهوم تحرّريّ آخر[2].

 

"إنتي الأولويّة"

فالتحرّر الاجتماعيّ مفهوم مهمّ وأساسيّ في علم الاجتماع، وهو مرتبط بجملة التناقضات الرئيسيّة القائمة في المجتمع، ويأتي ليؤكّد ضرورة معالجة تلك التناقضات؛ وذلك من أجل الانتقال بالمجتمع من حالة المجاميع البدائيّة: العشائريّة، والطائفيّة، والمذهبيّة، والإثنيّة، والإقليميّة، وغيرها، إلى حالة المجتمع المندمج المنتمي الموحّد، ومن أجل تحريره من منظومة القِيَم البدائيّة الغرائزيّة، وجعله يتبنّى منظومة قِيَم وطنيّة وإنسانيّة سليمة ونبيلة[3].

إنّ إدراك حراك "طالعات" لهذا المفهوم ومضامينه، يظهر جليًّا في الشعارات والهتافات الّتي رفعها الحراك، وجاءت في معظمها بما يركّز على هذا المفهوم ويؤكّده، ومنها: "لا وجود لوطن حرّ إلّا بامرأة حرّة"، و"تحرير فلسطين يبدأ بتحرير النساء من العنف"، و"ضدّ قمع المجتمع وضدّ قمع الاحتلال"، و"إنتي إنتي الأولويّة، إنتي أساس القضيّة". وهذه الشعارات جميعها تطرح علاقة التحرّر من الاحتلال بالتحرّر الاجتماعيّ؛ إذ تستبطن في مضامينها دعوة صريحة إلى إعادة إدراج قضايا تحرير المرأة، وإنهاء العنف الممارَس عليها، إلى أجندات النضال السياسيّ الفلسطينيّ، باعتبارها قضايا اجتماعيّة رئيسيّة يجب ألّا تُصَنَّف في خانة "الشخصيّ" أو "الفرديّ" أو "الأولويّة المؤجّلة"، وينبغي عدم التعاطي معها باعتبارها قضايا تخصّ النساء وحدهنّ؛ فقضايا تعنيف المرأة وقتلها ليست قضايا فرديّة أو جنائيّة منفصلة، بل قضايا لها جذور متعلّقة بمنظومات اجتماعيّة كاملة من القمع والعنف والفساد، يجب أن يكون التحرّر منها مسألة ذات أولويّة عند كلّ فلسطينيّ وفلسطينيّة[4].

حراك "طالعات" أبرز وعيًا وإدراكًا لذلك الارتباط، القائم بين قضايا العنف الاجتماعيّ ضدّ المرأة الفلسطينيّة، وقضايا العنف الاستعماريّ ضدّها، وهو ما ظهر من خلال شعاراته وهتافاته ضدّ الاستعمار الإسرائيليّ؛ ففي أثناء فعاليّات الحراك رُفع شعار "الثورة هي القرار، على الذكوريّة والاستعمار"

ثمّ إنّ حراك "طالعات" أبرز وعيًا وإدراكًا لذلك الارتباط، القائم بين قضايا العنف الاجتماعيّ ضدّ المرأة الفلسطينيّة، وقضايا العنف الاستعماريّ ضدّها، وهو ما ظهر من خلال شعاراته وهتافاته ضدّ الاستعمار الإسرائيليّ؛ ففي أثناء فعاليّات الحراك رُفع شعار "الثورة هي القرار، على الذكوريّة والاستعمار"، ورُفعت أيضًا صور للأسيرات في المعتقلات الإسرائيليّة. ومن منطلق تأكيد البُعد السياسيّ الوطنيّ للحراك ضدّ المنظومة الاستعماريّة الإسرائيليّة؛ فقد بادر نشطاء وناشطات في الحراك بإصدار بيان عبّروا فيه عن رفضهم اقتراح توجيه دعوة إلى نساء إسرائيليّات للمشاركة في الحراك، وذلك في تأكيد علنيّ وصريح منهم باقتران الوطنيّ بالاجتماعيّ في أجندات الحراك، ورفضهم أن يكون الحراك طريقًا لشرعنة عنف المستعمر[5].

 

تفكيك البطريركيّة

وقد أظهر حراك "طالعات" في شعاراته درجة إدراكه للمنظومة المركّبة من البطريركيّة الطبقيّة الّتي تسيطر على المجتمع؛ هذه المنظومة الّتي تتكوّن من نظام بطريركيّ أبويّ صغير، تجسّده سلطة الأب والأخ والعشيرة والقبيلة، وتبرز تمظهراته في غلبة العُرْف العشائريّ على القانون المدنيّ، وسيادة السلطة الاجتماعيّة الذكوريّة سلطةً بلا منازع، وانتعاش الهويّات الفرعيّة الدينيّة والعائليّة والعشائريّة والجهويّة، على حساب الهويّة الوطنيّة الجامعة[6]، وهو الّذي رفع ضدّه الحراك شعارات تطالب بإزالة سلطته القمعيّة عن أجساد النساء وأرواحهنّ، مثل: "ما بِنْريدُه ما بِنْريدُه، النظام الأبوي بدنا نْبيدُه"، و"الجسد ملك لصاحبه"، و"جسدي ليس جسدكم، حياتي ليست حياتكم، وشرفي ليس شرفكم"[7].

وتتكوّن هذه المنظومة أيضًا من نظام أبويّ بطريركيّ كبير يسيطر على المجتمع، وتغلب عليه صفات القمع والظلم، وغياب الحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة، وهو النظام الّذي رفع ضدّه الحراك شعارات تطالب بإسقاط سلطته القمعيّة الظالمة عن جسد المجتمع وروحه، مثل: "الحرّيّة لا تتجزّأ"، و"كرامة، حرّيّة، عدالة اجتماعيّة"، و"إحنا بدنا حرّيّة، تصير هيّي أولويّة، بدنا ثورة شعبيّة، نقضي عالذكوريّة"[8]، وإنّ هذه الشعارات وغيرها تأتي بما يؤكّد إدراك حراك "طالعات" ضرورة محاربة المنظومة البطريركيّة، الّتي تسيطر على المجتمع، في جميع أوجهها وأشكالها، وذلك من أجل القضاء على ظلمها وقمعها وفسادها، وتحقيق العدالة الجندريّة والاجتماعيّة أيضًا.

وتتكوّن هذه المنظومة أيضًا من نظام أبويّ بطريركيّ كبير يسيطر على المجتمع، وتغلب عليه صفات القمع والظلم، وغياب الحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة، وهو النظام الّذي رفع ضدّه الحراك شعارات تطالب بإسقاط سلطته القمعيّة الظالمة عن جسد المجتمع وروحه

 

التغيير

أخيرًا، فإنّه يرد في أدبيّات الحركات الاجتماعيّة أنّ بناء القاعدة الاجتماعيّة للحراك التغييريّ، لا يمكن أن يكون بلا وعي ناشطات ونشطاء ذلك الحراك بحيثيّات وأولويّات لهذا التغيير المطلوب، وإنّ حراك "طالعات" قد أظهر من خلال شعاراته الّتي رفعها، أنّه يعي جيّدًا طبيعة التغيير الّذي يريده ويتطلّع إليه، وهو تغيير اجتماعيّ يحرّر الأفراد والمجتمعات من سلطات الأنظمة الأبويّة الّتي تسيطر عليهم؛ إذ يكون هذا التغيير مقدّمة ورافعة لتغيير أكبر يأتي على مستويات وطنيّة، ليحرّر الشعب بأكمله من منظومة العنف القمعيّ الاستعماريّ الواقعة عليه.

..........

إحالات

[1]  عادل الأسطة، التحرّر الاجتماعيّ مدخلًا للتحرّر الوطنيّ، فدوى طوقان وسحر خليفة، جامعة النجاح الوطنيّة، ص 3، شوهد في 25/03/2020، في: https://bit.ly/3bmpP6A

[2]  حلا مرشود، "حراك ’طالعات‘ الفلسطينيّ: لا وجود لوطن حرّ إلّا بنساء حرّة"، مدى مصر، 26/10/2019، شوهد في 25/03/2020، في: https://bit.ly/2QFwSPX

[3]  جورج حدّادين، "التحرّر الاجتماعيّ بين شرط التحرّر الوطنيّ والتزييف الليبراليّ"، دنيا الوطن، 17/10/2017، شوهد في 25/03/2020، في: https://bit.ly/2WEhpU2

[4]  حلا مرشود، مرجع سابق.

[5]  رفقة العميا، "عن جدليّة الوطنيّ والاجتماعيّ في حراك ’طالعات‘"، عرب 48، 6/10/2019، شوهد في 25/03/2020، في: https://bit.ly/3bpfhDt

[6]  مهنّد عبد الحميد، "’طالعات‘ يُعِدن تعريف التحرّر الوطنيّ"، مجلّة الدراسات الفلسطينيّة، العدد 121، 2020، ص 99.

[7]  المرجع نفسه، ص 100.

[8]  المرجع نفسه، ص 100.

 

 

إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook