"صفقة ترامب – نتنياهو": مواجهة الكلّ الفلسطينيّ للأبرتهايد الإسرائيليّ

عزمي بشارة

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

حديثًا، أصدر المفكّر عزمي بشارة، كتابه المتعلّق بـ "صفقة القرن"، بعنوان "صفقة ترامب – نتنياهو: الطريق إلى النصّ، ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل؟". يتكوّن الكتاب من 160 صفحة، وهو من إصدار المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، الّذي يديره صاحب الكتاب.

جاء كتاب بشارة على إثر إعلان الصفقة بشقَّيها السياسيّ والاقتصاديّ، من قِبَل الإدارة الأمريكيّة، وبترحيب إسرائيليّ، وخيبة قيادة السلطة الفلسطينيّة منها. والأنكى من ذلك، دعم أطراف عربيّة إلى حدّ الترويج لها، ممّا يؤكّد خطورة السياق الّذي أُعْلِنَت فيه الصفقة، في ظلّ انهيار النظام العربيّ، وانسداد أفق المشروع السياسيّ الفلسطينيّ.

 

من التحالف والانحياز إلى التماهي

يؤكّد بشارة أنّ وثيقة هذه الصفقة ليست اتّفاقًا، ولا معاهدة تُلْزِم أحدًا بها؛ فهي مبادرة بادرت إليها إدارة الرئيس ترامب إلى طرفي الصراع الرسميّين (إسرائيل – السلطة الفلسطينيّة)، ومع ذلك تظلّ هذه المبادرة خطيرة؛ لأنّها صادرة عن الطرف الّذي اقترح نفسه منذ عقود وسيطًا دبلوماسيًّا بين طرفي الصراع لحلّه، والأهمّ من ذلك، أنّه الطرف الّذي وضعت قيادة ما بعد عرفات الفلسطينيّة كلّ أوراقها عنده، إضافة إلى أنّ تنفيذ الصفقة - حسب بشارة - قد سبق إعلانها؛ وهو ما يعني أنّ الموقف الأمريكيّ قد تحوّل بذلك من التحالف والانحياز إلى إسرائيل، إلى التماهي المطلق والمعلن مع اليمين الإسرائيليّ؛ فمبادرة ترامب مدفوعة بلغة القوّة، وبنبرة استعماريّة فيها تبنٍّ شديد الوضوح للرواية الصهيونيّة بنسختها التوراتيّة.

هذا التوضيح لتاريخ رفض المبادرات الأمريكيّة من إسرائيل وقبولها عربيًّا، ليس فيه ما يُحْسَب للعرب، إنّما الّذي أراده بشارة من ذلك الردّ على المُطَبِّعين من عرب اليوم، الّذين يحاولون تمويه الرأي العربيّ، بأنّ العرب هم  مَنْ أداروا ظهورهم إلى المبادرات الأمريكيّة...

وعن هذا التحوّل في موقف الإدارة الأمريكيّة، من التحالف مع إسرائيل إلى التماهي مع يمينها الشعبويّ، يعود بشارة في القسم الأوّل من كتابه إلى تاريخ المبادرات الأمريكيّة، مؤصّلًا لوساطتها المنحازة في الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، منذ ما قبل الاعتراف بمنظّمة التحرير الفلسطينيّة ممثّلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطينيّ، بدءًا بـ "مبادرة روجرز" عام 1970، مرورًا بـ "مبادرة بريجنسكي" عام 1977، إلى خطّة "مشروع ريغان" عام 1982، ثمّ "مؤتمر مدريد" عام 1991 برعاية بوش الأب، وصولًا إلى مبادرة ما عُرِفَ بـ "خريطة الطريق" عام 2002، في ظلّ إدارة جورج بوش الابن.

هذا التناول التاريخيّ، يُحْسَب لبشارة فيه قدرته على توضيح دور الدبلوماسيّة الأمريكيّة، في ظلّ إداراتها المتعاقبة تجاه الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، لافتًا النظر إلى نقطتين أساسيّتين: الأولى الثيم الّتي كانت تحكم الموقف الأمريكيّ تجاه الصراع في المنطقة، وشكل الانحياز فيه، والتحوّل الّذي وصل حدّ التماهي. والثانية إثبات أنّ إسرائيل هي مَنْ كانت تاريخيًّا ترفض المبادرات الأمريكيّة وليس العرب؛ فخريطة الطريق الّتي اقترحتها إدارة بوش الابن عام 2002، قَبِلَها عرفات آنذاك وتحفّظت عليها إسرائيل بمئة تعديل؛ أي رفضتها فعليًّا على حدّ قول بشارة، فكان أن اغتيل عرفات الّذي قَبِل المبادرة. أمّا إسرائيل الّتي تحفّظت عليها فقد قُدِّم لها حينذاك الدعم والضمانات السياسيّة والأمنيّة.

إنّ هذا التوضيح لتاريخ رفض المبادرات الأمريكيّة من إسرائيل وقبولها عربيًّا، ليس فيه ما يُحْسَب للعرب، إنّما الّذي أراده بشارة من ذلك الردّ على المُطَبِّعين من عرب اليوم، الّذين يحاولون تمويه الرأي العربيّ، بأنّ العرب هم مَنْ أداروا ظهورهم إلى المبادرات الأمريكيّة ودبلوماسيّتها لتبرير تطبيعهم، وهذا غير صحيح ألبتّة.

 

مغالطات وأوهام

صفقة ترامب – نتنياهو نُفِّذَتْ قبل إعلانها كما يرى بشارة؛ فالخطوات الّتي اتّخذتها إدارة ترامب بوقف تمويل الأونروا، الّذي يتضمّن وقف الاعتراف بقضيّة وجود لاجئين فلسطينيّين، ثمّ بإتباعها بخطوات أخرى، ومنها نقل سفارة الولايات المتّحدة الأمريكيّة من تل أبيب إلى القدس، الّذي يعني اعترافًا بالقدس عاصمةً للدولة العبريّة، ثمّ طرد الإدارة الأمريكيّة لبعثة منظّمة التحرير الفلسطينيّة من واشنطن، إلى التصريح بأنّ المستوطنات في الضفّة الغربيّة لا تُعَدّ انتهاكًا للقانون الدوليّ، هي خطوات تمثّل تنفيذًا للصفقة، وقد جاء إعلانها رسميًّا بهذا الوضوح، بعد أن تبيّن للقائمين عليها شكل ردّ فعل الفلسطينيّين وقيادة السلطة، بعد كلّ خطوة من الخطوات أعلاه؛ إذا لم يأتِ الردّ الفلسطينيّ بمستوى الحدث، وهو ما شجّع كلًّا من ترامب ونتنياهو على نصّها وإعلانها رسميًّا.

هي خطوات تمثّل تنفيذًا للصفقة، وقد جاء إعلانها رسميًّا بهذا الوضوح، بعد أن تبيّن للقائمين عليها شكل ردّ فعل الفلسطينيّين وقيادة السلطة، بعد كلّ خطوة من الخطوات أعلاه؛ إذا لم يأتِ الردّ الفلسطينيّ بمستوى الحدث...

يقف بشارة على نصّ الوثيقة، مفكّكًا إيّاها بفضح مغالطات تضمّنتها بنود الوثيقة؛ فهي تقدّم إسرائيل على أنّها مَنْ تنازل تاريخيًّا في ظلّ الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، بانسحابها بنسبة 81% من الأراضي الّتي احتلّتها عام 1967. ينبّه بشارة إلى أنّ المقصود بذلك الانسحاب من سيناء فقط، الّتي لم تكن إسرائيل أساسًا معنيّة باستمرار احتلالها، لكن إدارة ترامب تغالط العالم في ذلك، لتبدو إسرائيل أكثر مَنْ تنازل، بينما لا تزال أراضٍ عربيّة مثل الضفّة الغربيّة والجولان محتلّة إلى يومنا. وتَعْتَبِر الوثيقة اليهود المهاجرين من الدول العربيّة إلى إسرائيل عام 1948 لاجئين، في ما هم مستوطنون في نظرنا، ومهاجرون قادمون في نظر إسرائيل، غير أنّ مغالطة إدارة ترامب من ذلك تَغْرِضُ إلى إسقاط حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين. 

فضلًا على ذلك، يرى بشارة أنّ وعود الوثيقة باستفادة الفلسطينيّين، ووصولهم إلى منشآت حيويّة مثل ميناءَي حيفا وإسدود مغالطة وهميّة؛ لأنّ ذلك قائم حاليًّا بشروط إسرائيل نفسها، وهي المستفيدة لأنّ هذا الاستخدام للموانئ من قِبَل السلطة وتجّار الضفّة الغربيّة، يدرّ على إسرائيل أرباحًا وعائدات ماليّة. وعن ضمّ أراضي المثلّث إلى السلطة الفلسطينيّة الّذي تراه الوثيقة تبادلًا للأراضي، ينبّه بشارة إلى أنّه "ترانسفير" لسكّان منطقة المثلّث، غرضه الحفاظ على يهوديّة الدولة وليس تبادلًا لأراضٍ.

لم تنس الوثيقة والقائمون عليها من أوُرطة اليمين الشعبويّ، ورأس المال العقاريّ، الّذين يقفون على إدارة دولة عظمى، التنظير لمفهوم السيادة الّذي على الفلسطينيّين الأخذ به والتأقلم معه؛ فالسيادة في مفهومهم ديناميكيّة ومتحوّلة – طبعًا في اعتبارات الاحتلال الإسرائيليّ - وليست جامدة، ومن ثَمّ على الفلسطينيّين الكفّ عن جمودهم بمفهومهم لسيادتهم على أرضهم.

 

ماذا بعد الحائط؟

بعد تناول السياق التاريخيّ للظروف الّتي أوصلت القيادة الفلسطينيّة إلى هنا، ووصول مشاريعنا على اختلاف جغرافيّات وجودنا إلى الحائط، يطرح بشارة رؤية عامّة لإستراتيجيّة عمل نضاليّ طويل الأمد، وهو لا يقدّم حلولًا، بل يرى وجوب التخلّص من لغة الحلول؛ بمعنى إذا كان هدفنا تحقيق العدالة للشعب الفلسطينيّ، فهذا ليس مشكلة تحتاج إلى حلّ، إنّما حلم يحتاج إلى تحقيق.

ليس بقاء السلطة أو حلّها هو السؤال بالنسبة إلى بشارة؛ فخطاب حلّ السلطة فيه لغة خطابيّة غير واقعيّة، وغير ممكن حلّ السلطة أصلًا وهي على هذا الكمّ من شبكة مؤسّسات ومصالح، فيها عشرات آلاف الموظّفين...

ليس بقاء السلطة أو حلّها هو السؤال بالنسبة إلى بشارة؛ فخطاب حلّ السلطة فيه لغة خطابيّة غير واقعيّة، وغير ممكن حلّ السلطة أصلًا وهي على هذا الكمّ من شبكة مؤسّسات ومصالح، فيها عشرات آلاف الموظّفين؛ فإذا كان حلّها يعني رحيل القيادة الحاليّة، فسيحلّ مكانها رجال أمن جاهزون لذلك.

يدعو بشارة إلى إعادة تعريف السلطة وتحديد دورها ومهمّاتها السياسيّة؛ أي ألّا تعود قيادة سياسيّة للشعب الفلسطينيّ، وأن تبقى نظامًا مركزيًّا لحكم ذاتيّ، تدير شؤون السكّان، أشبه بنظام البلديّات. ويقابل ذلك إعادة إحياء منظّمة التحرير الفلسطينيّة قيادةً سياسيّة لكلّ الشعب الفلسطينيّ، من خلال الفصائل الوطنيّة المركزيّة، وشخصيّات مستقلّة، وآلاف الشباب الفلسطينيّ الجاهز للالتحاق بالمشروع الجديد والعمل.

إنّ ما يدعو إليه بشارة في تحديد دور السلطة ومهمّاتها، قائم حاليًّا، لكن بشروط إسرائيل؛ فالسلطة الآن نظام حكم ذاتيّ أشبه بإدارة البلديّات، على مساحة 12% من الأراضي المحتلّة عام 1967، وبسيادة منقوصة عليها، إضافة إلى تقديمها خدمات أمنيّة مقابل وجودها وتجنيد الأموال. لم يَعُد للسلطة أيّ دور سياسيّ سوى شرعنة التنسيق الأمنيّ ودعمه، ولم تَعُد إسرائيل تحتاج إلى السلطة سياسيًّا، لأنّه لم يَعُد للسلطة ما تتنازل عنه لإسرائيل؛ فكيف بالإمكان إعادة تعريف السلطة وتحديد دورها وقد سبقتنا إسرائيل إلى ذلك؟ وكيف يمكننا ذلك بمعزل عن سؤال التنسيق الأمنيّ الّذي بات وجودها منوطًا به؟ لقد صمّمت إسرائيل، طوال السنوات الأخيرة، شكل القيادة الّتي يجب أن تحكم شعبنا في الضفّة الغربيّة؛ لذا فأيّ وجود للسلطة فهذا هو شكله في ظلّ الظروف الحاليّة.

 

عودة إلى المعجم الأصليّ: قضيّة استعماريّة، وقضيّة أمّة

النضال من أجل تحقيق العدالة للشعب الفلسطينيّ، هذا ما يرى بشارة أنّ على الفلسطينيّين تبَنّيه على اختلاف جغرافيّاتهم، لكنّ ذلك يشترط أمرين بالنسبة إليه: الأوّل إعادة قضيّة فلسطين إلى معجمها الأصليّ، قضيّةً استعماريّة غير محلولة، وقضيّة الأمّة العربيّة لا قضيّة الفلسطينيّين وحدهم. والأمر الثاني النظر إلى إسرائيل بمنطقها الصهيونيّ كنظام فصل عنصريّ (أبارتهايد).

لم يَعُد مجديًا بالنسبة إلى بشارة، تصوّر أيّ حلّ لقضيّة فلسطين يشمل جزءًا من الشعب الفلسطينيّ فقط؛ لذا فليس المطلوب حاليًّا وضع خطّة لمواجهة مشروع الضمّ، إنّما المطلوب مواجهة إسرائيل كلّها، ومنّا كلّنا..

إنّ الفصل العنصريّ الصهيونيّ اتّخذ أشكالًا مختلفة تاريخيًّا، وهو كذلك حاليًّا حسب بشارة، ومن ثَمّ يمكن الفلسطينيّين على اختلاف خصوصيّاتهم الجغرافيّة، مواجهة الفصل العنصريّ الصهيونيّ باختلاف مظاهره وممارسته عليهم؛ فشتات اللاجئين الفلسطينيّين ناجم عن فصل عنصريّ تَمَثَّل في طردهم عام 1948، واحتلال الضفّة الغربيّة يتّخذ شكل الفصل العنصريّ، وكذلك سياسة الحصار والعزل لقطاع غزّة، فضلًا على أنّ سياسات التضييق على سكّان القدس وتهويد مدينتهم هي فصل عنصريّ، وحتّى على مَنْ يُفْتَرَض أنّهم مواطنون في دولة إسرائيل؛ أي العرب السكّان الأصليّون للبلاد، فإنّ سياسات التمييز ضدّهم شكل من أشكال الفصل العنصريّ.

لم يَعُد مجديًا بالنسبة إلى بشارة، تصوّر أيّ حلّ لقضيّة فلسطين يشمل جزءًا من الشعب الفلسطينيّ فقط؛ لذا فليس المطلوب حاليًّا وضع خطّة لمواجهة مشروع الضمّ، إنّما المطلوب مواجهة إسرائيل كلّها، ومنّا كلّنا. وهذا نضال طويل الأمد يتطلّب برنامجًا وخطابًا ديمقراطيَّين؛ إذ لا يمكن مواجهة منظومة الفصل العنصريّ بخطاب غير ديمقراطيّ، كما لا يمكن مواجهة إسرائيل بخطاب ديمقراطيّ، والوقوف في الوقت نفسه إلى جانب نظام ديكتاتوريّ في بلد عربيّ، ضدّ حرّيّة شعبه وتطلّعاته.  

 

 

علي حبيب الله

    

 

باحث في العلوم الاجتماعيّة. حاصل على ماجستير فلسفة التاريخ من الجامعة الأردنيّة، وماجستير في الدراسات العربيّة المعاصرة من جامعة بير زيت. يعمل في مجال الاستكمال التربويّ في القدس، ويكتب المقالة في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

تعليقات Facebook