شرور حنّة آرندت... من آيخمان إلى صيدنايا

حنّة آرندت (1906 - 1975)

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في أحد أحاديثها الشهيرة، تردّ المنظّرة السياسيّة حنّة آرندت، معقّبة على سؤال محاورها حول الكتابة ودورها في حياتها، قائلة: "أريد أن أقول إنّ أهمّ شيء بالنسبة إليّ أن أفهم، بالنسبة إليّ الكتابة جزء من عمليّة الفهم (...) فمن خلالها يكون إثبات أشياء معيّنة، لو كنت أملك ذاكرة ممتازة، وكنت قادرة على الاحتفاظ بأفكاري، لشككت في أنّني كنت سأكتب آنذاك أيّ شيء على الإطلاق"[1].

إنّ الردّ السابق يمثّل قاعدة يمكن الانطلاق منها لفهم طبيعة كتابات حنّة آرندت وفكرها؛ فهي لم تكن منفصلة عن واقعها المعيش، وكانت تستخدم الكتابة وسيلة للتعبير عن طريقة فهمها وإدراكها لهذا الواقع. فكرها لم ينطلق من العدم ولم يَقُم على التخمين، بل جاء ملتصقًا ومتّصلًا بالواقع الإنسانيّ وبتجاربه المعيشة؛ لم تتفلسف وتفكّر وتكتب إلّا في ما عاشته وعايشته.

 

تفسير سياسيّ للشرّ

إنّ اندلاع الحربين العالميّتين الأولى والثانية، واتّساع الاستعمار، وانتشار معتقلات الإبادة الجماعيّة، دفعت بآرندت – الّتي عايشت كلّ تلك الأحداث - إلى أن تنحو في أفكارها منحًى جديدًا؛ فانتقلت من التفكير في الحبّ، ذلك الموضوع الّذي قامت عليه رسالتها لنيل الدكتوراه، إلى التفكير في الشرّ وسؤاله، ليصبح بعدها هذا الأخير بمنزلة قضيّتها المركزيّة، الّتي شغلت فكرها إلى أبعد الحدود[2].

تبنّت آرندت مقولة "الشرّ الجذريّ"؛ تلك المقولة المسيحيّة الّتي قامت عليها فلسفة كانط الأخلاقيّة، والّتي كانت ترى في الشرّ شيئًا جذريًّا متأصّلًا في الوجود البشريّ والطبيعة البشريّة...

في حقبتها الألمانيّة الأولى قبل عام 1961، تبنّت آرندت مقولة "الشرّ الجذريّ"؛ تلك المقولة المسيحيّة الّتي قامت عليها فلسفة كانط الأخلاقيّة، والّتي كانت ترى في الشرّ شيئًا جذريًّا متأصّلًا في الوجود البشريّ والطبيعة البشريّة، لكنّ إرسالها لتغطية محاكمة الموظّف النازيّ كارل أدولف آيخمان عام 1961، شكّل حدثًا فارقًا أثّر في أطروحتها الفكريّة بالنسبة إلى مشكلة الشرّ؛ فقد دفعها ما شهدته في تلك المحاكمة إلى هذه المشكلة انطلاقًا من رؤية فكريّة سياسيّة، بعيدًا عن كلّ التفسيرات الفلسفيّة واللاهوتيّة والأخلاقيّة؛ إذ فسّرت الشرّ تفسيرًا سياسيًّا، ورأت فيه شرًّا مرتبطًا بالأنظمة الشموليّة (التوتاليتاريّة)، الّتي اعتبرتها أعظم أزمات العالم الحديث، خصوصًا مع ما نتج عنها من حروب في القرن العشرين، ومع ما تولّد عنها من وضع بشريّ عنيف[3].

 

السفّاح العاديّ!

لقد دفعها ما شهدته في تلك المحاكمة إلى الخروج بما أسمته "تفاهة الشرّ - The Banality Of Evil"، وهو المفهوم الّذي ابتدعته وأطّرته في كتابها "آيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشرّ".

آيخمان هو الرجل الّذي عمل ضابطًا في القوّات الألمانيّة الخاصّة "قوّات العاصفة"، وكان أحد كبار المسؤولين عن إبادة اليهود وحرقهم، كما كان رئيسًا للبوليس السرّيّ المسؤول عن "الغستابو"، كما كان مسؤولًا عن الإعداد لجرائم الإبادة تلك، لوجستيًّا وتقنيًّا[4].

خلال محاكمته، لاحظت آرندت أنّ آيخمان شخص عاديّ، ولا يمثّل أيّ استثناء في النظام النازيّ؛ فهو لم يقرأ كتاب هتلر "كفاحي"، ولم يكن لديه مشاعر معاداة للساميّة، ولم يكن متقاربًا في أفكاره مع أيديولوجيّة الحزب النازيّ، وعندما عُرِضَ عليه الانضمام إلى الحزب النازيّ، وافق من أجل تحسين مستوى معيشته[5]. وخلال محاكمته، لاحظت آرندت أنّ طريقة كلام آيخمان، كانت ذات طابع رسميّ وإداريّ بلغة نمطيّة وسطحيّة، وكأنّ كلامه ينطلق من موقعه بصفته موظّفًا بيروقراطيًّا ينفّذ أوامر سادته، دون أن يفكّر ودون أن يمتلك الجرأة على التفكير[6].

المشكلة مع آيخمان حسب تعبير آرندت، الّتي وصفته بـ "الموظّف السفّاح"، تكمن في "وجود الكثير من الّذين يشبهونه، لم يكونوا مصابين لا بالشذوذ ولا بالساديّة. كانوا ولم يزالوا أشخاصًا عاديّين إلى درجة رهيبة ومخيفة"...

آرندت لم ترَ في آيخمان أكثر من موظّف إداريّ، صنعت منه الأنظمة الشموليّة سفّاحًا يعمل على تطبيق الأوامر الدمويّة بكلّ برودة أعصاب، وكلّ ذلك يكون لديه تحت شعار طاعة الواجب. إنّ المشكلة مع آيخمان حسب تعبير آرندت، الّتي وصفته بـ "الموظّف السفّاح"، تكمن في "وجود الكثير من الّذين يشبهونه، لم يكونوا مصابين لا بالشذوذ ولا بالساديّة. كانوا ولم يزالوا أشخاصًا عاديّين إلى درجة رهيبة ومخيفة"[7].

وبالنسبة إلى آرندت، فإنّ آيخمان وغيره من هؤلاء الأشخاص مجرّد مسوخ أفرزتهم الأنظمة الشموليّة؛ فهم يمارسون جرائم قتل وإبادة جماعيّة، غير مدفوعين بدوافع شرّ جذريّة، ولا أيديولوجيا عنصريّة، وغير مدركين خطورةَ أفعالهم، لأنّها تنسجم مع النظام القانونيّ السائد في الأنظمة الشموليّة؛ فالشرّ التافه أو العاديّ الّذي يمارسه هؤلاء الأشخاص، نابع من أنّهم مجرّد تروس في الآلة الإداريّة للأنظمة الشموليّة، الّتي سلبتهم إنسانيّتهم وتفكيرهم؛ فهذه الأنظمة تغذّي مكامن الشرّ التافه عند البشر، إذ تدفع بهم نحو التصرّف بلا رحمة أو شفقة، وهم يشعرون بأنّهم يرتكبون أفعالًا بسيطة وعاديّة[8].

 

شرّ بالقانون

إنّ مقولة "تفاهة الشرّ" لآرندت، أحدثت تحوّلًا عميقًا في فهم بنية الشرّ؛ فالشرّ هنا لم يَعُدْ يشبه تعريف الشرّ الجذريّ عند كانط، بما هو القيام بأفعال لا تنسجم مع القانون الأخلاقيّ، وإنّما أصبح يأتي نتيجة طاعة الأوامر القانونيّة؛ فالقانون أو الإجراءات القانونيّة باتت هنا توفّر ما يمكن اعتباره درعًا أخلاقيًّا لكلّ الموظّفين السفّاحين، الّذين يشبهون آيخمان ويضطلعون بمهمّة الإشراف على مراحل تنفيذ أعمال القتل والإبادة الجماعيّة؛ فهذه الإجراءات جميعها تحوّل صيغة السؤال الّذي قد يطرأ على ضمائرهم، من "هل ما أقوم به أخلاقيّ؟" إلى "هل ما أقوم به قانونيّ؟"؛ إذ إنّهم بذلك يبرّئون ضمائرهم عندما يُوْقِعون المسؤوليّة الأخلاقيّة على المشرّعين، ويتعاملون مع أنفسهم على أنّهم مواطنون صالحون ينتمون إلى أوطانهم ودولهم، ويقومون بإطاعة القانون وتنفيذه[9].

أهمّيّة مقولة "تفاهة الشرّ"، تأتي ممّا تحتويه في مضامينها من راهنيّة، تمكّننا من استخدامها لفهم إشكالات العالم المعاصر وظواهره؛ فاللحظة الّتي يعيشها العالم المعاصر اليوم تشبه - إلى حدّ كبير - اللحظة الّتي عايشتها آرندت...

وفي حالة آيخمان خصوصًا، فإنّه يمكن فهم سبب إصراره في محاكمته على نفي التهمة والذنب عن نفسه؛ فأعمال الإبادة الّتي قام بها بحقّ اليهود، أعمال تنسجم مع النظام القانونيّ، الّذي كان سائدًا في الرايخ الثالث بالكلّيّة، ولا تخرج عنه في شيء.

إنّ أهمّيّة مقولة "تفاهة الشرّ"، تأتي ممّا تحتويه في مضامينها من راهنيّة، تمكّننا من استخدامها لفهم إشكالات العالم المعاصر وظواهره؛ فاللحظة الّتي يعيشها العالم المعاصر اليوم تشبه - إلى حدّ كبير - اللحظة الّتي عايشتها آرندت؛ إذ التجربة الإنسانيّة لم تختلف بكلّ ما فيها من تفاصيل وتعقيدات[10].

 

"مسالخ" العالم العربيّ

وبالنسبة إلى العالم العربيّ، فإنّ تمثّلات مقولة "تفاهة الشرّ" فيه لا تتوقّف، وتستمرّ بتوليد نفسها آنيًّا، وأكبر تمثّل لتلك المقولة السجون، الّتي تحوّلت إلى منظومات كاملة للقتل والإبادة الجماعيّة، تُطْلِق عليها منظّمة العفو الدوليّة اسم "المسالخ"؛ فجرائم القتل والإبادة في هذه "المسالخ" تجري بانضباط كامل في العمل، حيث تُوَزَّع الأدوار والمهامّ فيه بشكل منظّم ودقيق، وبإجراءات متسلسلة في إطار قانونيّ سليم.

إنّ الشهود على كيفيّة عمل هذه المنظومات في سجن صيدنايا السوريّ – مثلًا - يروون كيف تُنَفَّذ أحكام الإعدام الجماعيّة بحقّ المعتقلين فيه، حيث يقولون إنّ قرارات الإعدام تُقَرّ، ويُوافَق عليها في أعلى المستويات في الحكومة السوريّة، وتنفيذها يستغرق نحو شهرين من لحظة إصدار القرار والمصادقة عليه، وتتمّ بمعدّل مرّة أو مرّتين في الأسبوع، وتتراوح أعداد الضحايا فيها بين عشرين وخمسين ضحيّة في كلّ مرّة.

سواء في سجن صيدنايا أو غيرها من "المسالخ" في العالم العربيّ، فإنّه يمكن استدعاء مقولة "تفاهة الشرّ"، والقول إنّ الإجراءات القانونيّة وعمليّة تقسيم العمل في هذه "المسالخ"، توفّر براءة الضمير لمرتكبي هذه الجرائم...

ويروي الشهود أيضًا أنّه بعد المحاكمة وإصدار أحكام الإعدام، تُوَزَّع مهمّة التنفيذ على منفّذين عدّة، يتولّى فريق منهم مهمّة عزل الضحايا عن باقي المساجين، وفريق آخر يتولّى مهمّة نقلهم إلى المبنى الّذي يجري فيه تنفيذ الإعدام، في حين يتولّى فريق ثالث مهمّة قيادة السيّارات الّتي يُنْقَلون فيها، ثمّ تأتي بعد ذلك مهمّة تنفيذ الإعدام، الّتي تضطلع بها لجنة الإعدام المكوّنة من أشخاص عدّة؛ إذ تأتي بعدها – أخيرًا - مهمّة نقل الجثث ودفنها في مقابر جماعيّة، وهي مهمّة يقوم بها فريق مختلف عن الفريق الّذي نفّذ الأحكام[11].

وسواء في سجن صيدنايا أو غيرها من "المسالخ" في العالم العربيّ، فإنّه يمكن استدعاء مقولة "تفاهة الشرّ"، والقول إنّ الإجراءات القانونيّة وعمليّة تقسيم العمل في هذه "المسالخ"، توفّر براءة الضمير لمرتكبي هذه الجرائم، حين تنزع عنهم صفة ارتكاب جريمة القتل الكاملة، وتجعلهم يحضرون بصفتهم منفّذي أوامر ضمن منظومة نظام استبداديّ شموليّ يحفّزهم على ارتكاب هذه الجرائم دون أيّ تفكير، بحيث يكون سؤالهم لأنفسهم: هل ما أقوم به قانونيّ؟ هو الكفيل بإزالة العبء الأخلاقيّ عن ضمائرهم، ليحدّث كلّ واحد منهم نفسه بما صرّح به آيخمان أثناء محاكمته: "لقد قمت بدوري مثل أيّ وطنيّ"[12]، دون أن يخطر ببالهم أنّ غلطتهم الواحدة والوحيدة أنّهم كانوا وطنيّين بلا فكر أو تفكير!

 ..........

إحالات:

[1] ملتقى تواصل، "حنّة آرندت، مقابلة برنامج إلى الذات"، YouTube، 04/02/2015، شوهد في 01/09/2020، في:  https://bit.ly/2vUVrAK

[2] إبراهيم مجيديلة، "حنا أرندت الإنسان في مواجهة تفاهة الشرّ"، مؤمنون بلا حدود، 31/12/2016، https://bit.ly/32l4O8N

[3] عزّ الدين بوركة، "شرعنة العنف وتفاهة الشرّ عند حنّة آرندت"، كوّة، 18/11/2018، شوهد في 01/09/2020، في: https://bit.ly/2HKdVGD

[4] رشيد العلوي، "الشرط الإنسانيّ ومشكلة الشرّ - مفهوم الشرّ السياسيّ عند حنّة آرندت"، تبيّن، العدد 11 (2015)، ص 119.

[5] مليكة بن دودة، فلسفة السياسة عند حنّة آرندت، ط 1 (منشورات ضفاف، الاختلاف، دار الأمان، 2015)، ص 157.

[6] فرح علي، "ما الّذي كانت تعنيه حقًّا الفيلسوفة "حنّا آرندت" بتفاهة الشرّ؟"، أخبار العلوم، 12/10/2018، شوهد في 02/09/2020، في: https://bit.ly/39XqCKt

[7] مليكة بن دودة: مرجع سابق، ص 157.

[8] مصطفى ديب، "حنّة آرندت وتأصيل الشرّ... من الفلسفيّ إلى السياسيّ"، ألترا صوت، 26/12/2019، شوهد في 03/09/2020، في: https://bit.ly/37MQabD

[9] عصام حمزة، "حنّة آرندت في صيدنايا أو في "هندسة" الشرّ"، إضاءات، 9/2/2017، شوهد في 04/09/2020، في: https://bit.ly/37LaQkk

[10] مجيديلة، مرجع سابق.

[11] حمزة، مرجع سابق.

[12] بن دودة، مرجع سابق، ص 158.

 

 

إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

تعليقات Facebook