لجان التحقيق في إسرائيل: الإبادة بين شارون وآيخمان (5/6)

أريئيل شارون

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في المقالات الأربع السابقة، تطرّقت إلى موضوع لجان التحقيق في إسرائيل، نظريًّا في المقالة الأولى، والتطرّق بشكل أكثر تعمّقًا "للجنة أور" في المقالات الثانية حتّى الرابعة. وكانت الخطّة أن أكتب المقالة الخامسة حول عمل "لجنة كاهان"، وبعض التفاصيل عن مجزرة صبرا وشاتيلا، ومن ثَمّ التطرّق إلى مبدأ المسؤوليّة غير المباشرة و"قضيّة شارون والجهلاء التسعة" الّذين حمّلتهم اللجنة مسؤوليّة ما وقع في المخيّمات الفلسطينيّة، بين الـ 16 من أيلول (سبتمبر) 1982 إلى صباح الـ 18 من أيلول (سبتمبر) 1982.

كان شارون مهندس الحرب الإسرائيليّة على لبنان عام 1982، وكان على علاقة وثيقة بالقوّات اللبنانيّة وزعيمهم بشير الجميّل، الّذي على إثر اغتياله ارتكبت عناصره مجزرة صبرا وشاتيلا بتنسيق وتوجيه من الجيش الإسرائيليّ...

إلّا أنّني عدلت عن الخطّة التحريريّة في اللحظة الأخيرة حتّى أُفسِح مجالًا أكبر، في هذه المقالة، للكتابة حول شارون وحول أدولف آيخمان الّذي يُعرَف بـمهندس الحلّ النهائيّ في الرايخ الثالث، الّذي كان مسؤولًا عن إرسال مئات الآلاف من اليهود إلى معسكرات الموت النازيّة، حتّى انتهاء الحرب العالميّة الثانية وهروبه إلى الأرجنتين، إلى أن اختطفته قوّات صهيونيّة خاصّة، وأجرت إسرائيل محاكمته في القدس، المحاكمة الّتي كتبت عنها الفيلسوفة اليهوديّة الأمريكيّة حنّة آرندت، كتابها الشهير "آيخمان في القدس – تقرير حول تفاهة الشرّ".

 

لشارون دور مركزيّ في مذبحة صبرا وشاتيلا؛ كان مهندس الحرب الإسرائيليّة على لبنان عام 1982، وكان على علاقة وثيقة بالقوّات اللبنانيّة وزعيمهم بشير الجميّل، الّذي على إثر اغتياله ارتكبت عناصره مجزرة صبرا وشاتيلا بتنسيق وتوجيه من الجيش الإسرائيليّ. وُلِدَ شارون عام 1928، في الـ 26 من شباط (فبراير)، ومن ثَمّ، وبعد 54 عامًا، كانت المجزرة، وربّما لو لم يُولد لظلّ عشرات الآلاف من الفلسطينيّين أحياء، ولوُلد عشرات الآلاف الآخرين وظلّوا أحياء إلى الآن.

 

بدايات حرب الإبادة

في الـ 15 من تشرين الأوّل (أكتوبر) 1953، حرّر شارون أمرًا لوحداته بالنصّ الآتي: "هدف القيادة تنفيذ عمليّات ردّ حادّة ... الهدف: الهجوم على قرية قبية واحتلالها، وقتل أكبر عدد ممكن، والمسّ بالممتلكات ... اجتياح قريتَي شقبا ونعلين بهدف القتل، وتفجير عدد من البيوت". نُفّذت العمليّة بعد منتصف ليل  15 تشرين الأوّل (أكتوبر). وحملت القوّة الّتي نفّذت العمليّة معها 700 كغم من المتفجّرات، وجرى تفجير 54 بيتًا في قرية قبية، في مدّة لا تتجاوز ثلاث ساعات. قُتِل 70 من سكّان القرية، غالبيّتهم من النساء والأطفال، غالبيّتهم بالرصاص، وقسم منهم تحت الأنقاض في بيوت لم يُحذَّر سكّانها قبل تفجيرها[1]. حاولت إسرائيل في البداية إنكار حدوث هذه المجزرة على يد وحدة عسكريّة، مدّعية أنّ "المستوطنين الغاضبين في المنطقة الحدوديّة" يتحمّلون المسؤوليّة، لكن بعض العسكريّين، وغالبيّة السكّان وبخاصّة الشباب، اعتبروا هذه العمليّة نجاحًا كبيرًا، وأنعشت الكبرياء القوميّ الصهيونيّ[2]. وقد أدّت هذه العمليّة، الّتي شنّها شارون وهو لا يزال بعد في الـ 25 من عمره، إلى توطيد علاقته ببِن غوريون، وكذلك بموشي ديّان، وكانت بدايته الحقيقيّة في حرب التصفية ضدّ الفلسطينيّين.

وعلى ضوء الضجّة الدوليّة الّتي أحدثتها العمليّة، أصدرت حكومة إسرائيل بيانًا، قام بن غوريون فيه بوعظ أخلاقيّ طويل للدول المجاورة، انتهى إلى موقف الحكومة الأساسيّ، وهو: "كلّ واحد منّا يأسف على الدم الّذي يُسفَك في كلّ مكان، وليس ثمّة مَنْ يأسف أكثر من حكومة إسرائيل، إذا سُفِك دم في عمليّة الانتقام في قبية، لكنّ المسؤوليّة كلّها ملقاة على عاتق حكومة عبر الأردنّ ... ترفض حكومة إسرائيل بكلّ قوّة الرواية الخياليّة والشرّيرة، وكأنّ 600 جنديّ في ’جيش الدفاع الإسرائيليّ‘ شارك في العمليّة ضدّ قرية قبية. لقد أجرينا فحصًا دقيقًا، وتبيّن لنا بشكل قاطع أنّه لم تغب عن معسكرها أيّ وحدة عسكريّة، ولا حتّى أصغرها، في ليلة الهدم في قبية"[3]. هكذا كان نصّ بيان بن غوريون والحكومة الإسرائيليّة؛ كذب صريح يرافقه الوعظ الأخلاقيّ للآخرين، وصراحة وحزم في إنكار التهم، والحديث عن إجراءات فحص ذاتيّ جرى اتّخاذها[4]، لتأكيد تفوّق أخلاقيّ صهيونيّ مقابل انحطاط أخلاقيّ للآخر/ للآخرين.

أمام "لجنة كاهان"، في شهادته في يوم 25 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1982، قال شارون في دفاعه عن نفسه: "إنّني باسم المؤسّسة الدفاعيّة كلّها، وبالنيابة عنها، أريد أن أقول أنْ لا أحد كان في وسعه أن يتنبّأ أو أن يتصوّر مسبقًا، الفظائع الّتي ارتُكبت في جوار صبرا وشاتيلا"...

يبدو أنّ بن غوريون، كان يشبه أيّ ديكتاتور آخر؛ فهو لم يحتجْ إلى لجنة تحقيق لتُحقّق في مذبحة قبية، كلّ ما احتاج إليه تسجيل إذاعيّ، يؤكّد فيه كذب ادّعاءات الآخرين، ويؤكّد فيه قوّة إسرائيل وتفوّقها الأخلاقيّ، وانتهى الأمر. لكن، لنعُد إلى شارون؛ تلك كانت البداية فحسب. تعلّم شارون القتل دون تحمّل أيّ عواقب، تعلّم القتل بصمت، تمامًا كما قال للمظلّيّين الأربعة الّذين قتلوا وذبحوا خمسة من البدو، أمرهم شارون بعدم التعاون مع الشرطة: "صامتون، حسب أمر واضح من أريك"[5].

وأمام "لجنة كاهان"، في شهادته في يوم 25 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1982، قال شارون في دفاعه عن نفسه: "إنّني باسم المؤسّسة الدفاعيّة كلّها، وبالنيابة عنها، أريد أن أقول أنْ لا أحد كان في وسعه أن يتنبّأ أو أن يتصوّر مسبقًا، الفظائع الّتي ارتُكبت في جوار صبرا وشاتيلا"[6].

 

"منطق" الإجرام

لا يشبِه شارون أدولف آيخمان في شيء، بل هو النقيض منه، لكنّ أمرًا واحدًا يجمعهما؛ أنّ جُرمهما جزء من واقعهما، أنّهما لا يكتفيان من الإجرام، ولا يعتقدان أنّه خطأ، ولكن بالطبع لكلٍّ منطقه الخاصّ.

لم يكن آيخمان مجرمًا عاديًّا، كما تراه حنّة آرندت، ولم يجد في مواجهة حقيقة العالم البريء ملاذًا إلّا في زمرته من الأشرار، ولكي يقنع نفسه بأنّه لم يكذب على غيره ولا على نفسه، لم يتبقّ له وهو يقف أمام القاضي إلّا إثارة الماضي؛ ذلك أنّه كان على وفاق مع العالم الّذي عرفه فحسب[7].

دافع المجتمع الألمانيّ بعد الحرب العالميّة الثانية عن نفسه، ضدّ الواقع والوقائع بوسائل شتّى؛ الكذب على النفس، والفِرية/ والوشاية والغباء. يتغيّر الكذب من سنة إلى أخرى ويتناقض أحيانًا؛ إنّ ما يروونه لعامّة الناس، ليس بالضرورة ما يمكن ترديده في مختلف مستويات الحزب النازيّ. لكن أصبح الكذب ممارسة عاديّة، نفسيًّا هو مرادف البقاء على قيد الحياة، إلى درجة أنّه حتّى لحظة كتابة آرندت كتابها "آيخمان في القدس"، أي بين عامَي 1959 و1960، وبعد ثماني عشرة سنة على انهيار النظام النازيّ، والحال أنّ المحتوى الحقيقيّ لهذه الأكاذيب جرى أحيانًا تَناسيه؛ فمن الصعب ألّا يُعتقَد أنّ الكذب يمثّل جزءًا ضمنيًّا للشخصيّة الألمانيّة[8].

منطق آيخمان يقوم على أنّه جزء من منظومة إداريّة بيروقراطيّة، يمثّل فيها دورًا/ أداءً، عليه القيام به على أكمل وجه. قد يؤدّي ذلك إلى موت الآخرين، قد يؤدّي إلى فقدانهم حيواتهم وأطفالهم وأوطانهم، لكنّه سيحاول فعل ذلك، بأكبر قدر ممكن من الفعاليّة والأدائيّة الفعّالة...

منطق آيخمان يقوم على أنّه جزء من منظومة إداريّة بيروقراطيّة، يمثّل فيها دورًا/ أداءً، عليه القيام به على أكمل وجه. قد يؤدّي ذلك إلى موت الآخرين، قد يؤدّي إلى فقدانهم حيواتهم وأطفالهم وأوطانهم، لكنّه سيحاول فعل ذلك، بأكبر قدر ممكن من الفعاليّة والأدائيّة الفعّالة؛ هذا ما يدفعه إلى القول إنّه قد يكون مذنبًا، لكنّه بريء من الاتّهام الّذي وجّهته إليه المحكمة الإسرائيليّة، والقول إنّه "لا يعرف سوى اللغة الإداريّة"[9].

في المقابل، شارون وفي مرحلةٍ ما، لم يكن مجرمًا عاديًّا بأيّ طريقة من الطرق. وُلد شارون في كفار معلول، المستوطنة الّتي تقع على بعد 15 ميلًا شرق تل أبيب، في ظلّ الاستعمار البريطانيّ لفلسطين عام 1928. لم يكن شارون طفلًا سعيدًا، بل عاش طفولة متوتّرة؛ وذلك يعود إلى عجرفة والده وسلوكه المضطرب مع جيرانه، الّذي دفعه إلى تسليح ابنه ذي السنوات الستّ بعصًا غليظة، ليدافع بها عن نفسه وعن حقول الأسرة وأملاكها. حمل الصبيّ العصا معه سنوات طويلة، حتّى عندما كان يذهب إلى المدرسة، وتسبّب في الأذى للكثير من الصبية الآخرين. كان تلميذًا متوسّطًا في ما عدا أعمال الحقل والقيادة. لم يكن رفاقه يحبّونه، لكنّهم أحبّوا مهاراته الاستكشافيّة وقدراته القياديّة[10].

عاش شارون طفولة معقّدة، ولمّا انتقل إلى تل أبيب تشكّلت مواقفه الأساسيّة تجاه الفلسطينيّين من ذكريات والديه عن المكان، الّتي كانت خليطًا من القلق والازدراء؛ إذ تعرّضت المستوطنة، الّتي وُلد فيها، مرّات عدّة لهجمات عربيّة عام 1929، وكذلك خلال الثورة الفلسطينيّة الكبرى خلال 1936-1939. وكان الوضع الراهن عمومًا، والّذي استوعبه شارون أثناء وجوده في تل أبيب، أنّ معظم العرب لا يريدون ولا يرحّبون بالمستوطنين اليهود، وأنّهم لم يقبلوا أن تكون دولة فلسطين "وطنًا قوميًّا لليهود". وفي عام 1948، خدم شارون ضابط صفّ في الجيش، وشارك في معركة اللطرون الخاسرة، الّتي اعتُبرت واحدة من أخطر الهزائم الّتي عانت منها إسرائيل، وقد أُصيب خلالها عدد كبير من الجنود الإسرائيليّين. أُصيب شارون إصابة بالغة في أثناء المعركة، وبسبب إصابته لم يتمكّن من المشاركة إلّا في معركة أخرى حتّى نهاية الحرب. وبعد نهاية الحرب، ترك السلك العسكريّ سريعًا، خائبًا من الجيش وممّا اعتبره سلبيّة لا تُحتمل ومفروضة من قِبَل السياسيّين على القوّات المسلّحة[11].

نشأ شارون صبيًّا مضطربًا، مسلّحًا، وفي أولى معاركه مع العرب، الّذين رآهم مجرّد سكّان في البلاد، حاولوا أن يُعيقوا تقدّم المشروع الصهيونيّ وإقامة وطن قوميّ لليهود، وجد نفسه جريحًا مهزومًا، ناقمًا على السياسيّين الّذين فرضوا القيود...

إذن، نشأ شارون صبيًّا مضطربًا، مسلّحًا، وفي أولى معاركه مع العرب، الّذين رآهم مجرّد سكّان في البلاد، حاولوا أن يُعيقوا تقدّم المشروع الصهيونيّ وإقامة وطن قوميّ لليهود، وجد نفسه جريحًا مهزومًا، ناقمًا على السياسيّين الّذين فرضوا القيود، الّتي أتساءل عن طبيعتها في ظلّ ما هو معروف وموثّق عن النكبة والجرائم الصهيونيّة خلالها، لكن ربّما كان لشارون رأي آخر، في ما يجب أن تكون عليه الإبادة أو التصفية. استطاع شارون لاحقًا أن يعود إلى السلك العسكريّ، بدءًا بمجزرة قبية و"وحدة الـ 101" الشهيرة في الجيش الإسرائيليّ، وانتهاءً به وزيرًا للدفاع خلال حرب لبنان.

بالعودة إلى آيخمان؛ نجد أنّه هو الآخر عاش طفولة مضطربة، وعانى أيضًا كثيرًا حتّى وصل إلى ما وصل إليه في جهاز الـ "إس" النازيّ، ولم يستطع تمامًا التأقلم مع واقعه داخل الجهاز، وكان ذا طموحات لم يستطع يومًا تحقيقها. وجد آيخمان نفسه مضطرًّا إلى تنمية مهارته الوحيدة؛ وهي اللغة الإداريّة والإدارة الفعّالة. ووجد شارون نفسه مضطرًّا إلى تنمية مهارته الوحيدة؛ إظهار أكبر قدر ممكن من القسوة العسكريّة.

 

الحرب الضروريّة

في مجتمع يكذب على نفسه كما يتنفّس، كان شارون في وضع جيّد في ظلّ علاقة وطيدة برئيس الوزراء الإسرائيليّ بن غوريون، وفي ظلّ توسّع سطوة "وحدة الـ 101"، الّتي كان يُشرف على قيادتها، والّتي نفّذت العديد من المجازر بحقّ الفلسطينيّين في خمسينات القرن الماضي.

وعندما حدثت مجزرة صبرا وشاتيلا، وجد شارون نفسه يمثُل أمام القضاة، محاصَرًا بالاتّهامات، وفي سرّه يشعر بالازدراء ويحنّ إلى الماضي، الماضي الّذي فيه يرى نفسه قادرًا على أن يكون كما هو، دون أيّ ضغوط من "حركة السلام الآن"، أو أنصار "حزب العمل" الّذين تجمهروا أمام مقرّ مجلس الوزراء، مطالبين باستقالته بعد صدور تقرير كاهان. يروي شارون، بعدما قدّم استقالته، مشاعره وأفكاره في مذكّراته:

لم يروِ شارون شيئًا مخالفًا لما روته لجنة التحقيق، بل كان راضيًا فعلًا عن نتائج تحقيقها كما يروي ذلك في مذكّراته، وكان تحفّظه الوحيد هو أنّها وجدت أنّه لا بدّ من إيجاد شخص للومه على كلّ ما حدث. كان مقتنعًا تمامًا بأنّ ما حدث لم يكن خطأ أحد...

"عندما مررت بالجنود نظرت في وجه كلّ منهم؛ فإذا بي أشعر بحاجة إلى تذكّر كلّ جنديّ، إلى إبقاء معالمه محفورة أبدًا في ذاكرتي. لكن على الرغم من نيّتي هذه، بان أمام ناظريّ وجه آخر هو وجه والدي قبل سبعة وثلاثين عامًا، حين كان في بستان البرتقال، أيّام ’موسم‘ مطاردة مناحيم بيغن، رئيس الأرغون. قال لي وهو يعمل بين الأشجار: ‘إريك، يمكنك أن تفعل ما يحلو لك، لكن عليك أن تقدّم لي وعدًا بعدم التخلّي أبدًا عن أيّ يهوديّ أبدًا‘؛ فقلت في نفسي: ‘انظر ما يحدث من حولك الآن، يا أريك؛ فهؤلاء الّذين كانوا سابقًا ضحايا سلّموني إلى الجموع وتخلّوا عنّي‘[12].

سبق ذلك جلوس شارون في اجتماع مجلس الوزراء صباح صدور تقرير كاهان، وتحذيره للمجلس من أنّ "بقبولنا التقرير؛ سوف نقرّ بحُكم يُدين الحكومة بتهمة القتل". ويروي شارون في مذكّراته أنّه توجّه إلى الحضور قائلًا: "في حال قبلتم نتائج "لجنة كاهان"، سوف تضعون على جبين الشعب اليهوديّ وجبين دولة إسرائيل دمغة قايين بأيديكم"[13].

في الواقع، لم يروِ شارون شيئًا مخالفًا لما روته لجنة التحقيق، بل كان راضيًا فعلًا عن نتائج تحقيقها كما يروي ذلك في مذكّراته، وكان تحفّظه الوحيد هو أنّها وجدت أنّه لا بدّ من إيجاد شخص للومه على كلّ ما حدث. كان مقتنعًا تمامًا بأنّ ما حدث لم يكن خطأ أحد، وأنّ أحدًا لم يكن ليتصوّر أو يتنبّأ بما سيترتّب على دخول المخيّمات، رغم ادّعائه معرفته العميقة بالوضع اللبنانيّ، ومن ثَمّ بالكتائب وطباعهم وطبائع الحرب اللبنانيّة، ومع ذلك، ها هو يكتب عن الواقع بعد خروجه من مقرّ مجلس الوزراء مرغمًا على الاستقالة، وكأنّه غريب تمامًا عن الواقع. الواقع الّذي فيه، دافع عن كلّ يهوديّ، بينما هؤلاء اليهود هم أنفسهم مَن ألقوه إلى الجموع. أين الضحايا؟ أين صبرا وشاتيلا؟ أين هذا كلّه؟

تشارك كلٌّ من آيخمان وشارون في عدد من الصفات... شارون كآيخمان، عسكريّ صارم، هويّة صارمة لا تقبل التفاوض على شيء، لقد كان في لبنان، وسيفعلها مرّة أخرى لو عاد إلى الحياة مرّة أخرى؛ سيفعل الشيء نفسه بلا أيّ تردّد أو تفكير...

لو وجد شارون نفسه في جلسة وحيدة مع آيخمان، لاتّفقا على أنّ البشر لا يفهمون أمثالهم من البشر، وأنّهم سرعان ما يلقون بهم إلى الجموع، أو إلى أعواد المشانق. والضحايا - في نهاية الأمر - غير مهمّين. يتشارك كلٌّ من آيخمان وشارون في عدد من الصفات... شارون كآيخمان، عسكريّ صارم، هويّة صارمة لا تقبل التفاوض على شيء، لقد كان في لبنان، وسيفعلها مرّة أخرى لو عاد إلى الحياة مرّة أخرى؛ سيفعل الشيء نفسه بلا أيّ تردّد أو تفكير. لقد كان العرب يشكّلون بالنسبة إليه نقيضًا وجوديًّا، من بداية حياته إلى نهايتها. لم يشعر يومًا بأيّ قلق إزاء مقتل أيّ منهم. هُم في النهاية أشياء، أضرار جانبيّة، أو أضرار لا بدّ منها "للحفاظ على حياة كلّ يهوديّ". بإمكانه فعل ما يحلو له، شرطَ إيفائه بوعده لوالده؛ الحفاظ على حياة كلّ يهوديّ. يستطيع أن يكذب، أن يخدع، أن يقتل، أن يُهجِّر السكّان، أن يهدم البيوت، أن يفعل أيّ شيء، في سبيل إيفائه بهذا الوعد، الّذي يُشكِّل إليه مغزى وجوده كلّه.

وإن كان المجتمع الإسرائيليّ، أو بعضه على الأقلّ، قد دفع بشارون إلى الهاوية في تلك اللحظة من الزمن، فهو نفسه المجتمع الّذي أعاده مرّة أخرى لكن ليس وزير دفاع، بل رئيسًا للوزراء؛ فالمجتمع الإسرائيليّ كالألمانيّ في ظلّ النازيّة وما بعدها بقليل كما تصفه آرندت؛ يُدافع عن نفسه بالكذب، بالخداع، بالإيمان بالقدَر، بالحتميّة الّتي لا بُدّ منها، وبأنّ وراء الجدار – والجدار جدار نفسيّ مُتخيَّل، وهو أيضًا جدار الفصل العنصريّ، وكلّ الجدران الّتي بنتها إسرائيل حول نفسها - لا يقبع بشر فحسب، بل يقبع خطر وجوديّ يتهدّد الوجود الإسرائيليّ ويتربّص به؛ لذلك عاد شارون الّذي كان بالأصل بطلًا قوميًّا في إسرائيل، عاد في لحظة الانتفاضة الثانية، الّتي شعر معها الإسرائيليّون بأنّهم يوشكون أن يدخلوا في دوّامة عنف لن تنتهي أبدًا، عاد لمّا صار المجتمع الإسرائيليّ جاهزًا مرّة أخرى لخداع نفسه والكذب على نفسه، ومستعدًّا أيضًا لنسيان جثث صبرا وشاتيلا، بل لاستدعائها عند الحاجة، لتقوية الشعور القوميّ، وتغذية الكراهية العرقيّة للآخر العربيّ.

تلك هي قضيّة شارون، الّتي لا تختلف في تفاصيلها كثيرًا عن قضيّة بيغن، أو رفائيل إيتان الّذي كان أحد عناصر "وحدة الـ 101" الدمويّة، أو دوداعي، أو شامير... إلخ... من الجهلاء التسعة، الّذين وجّهت إليهم "لجنة كاهان" اتّهامات بالمسؤوليّة غير المباشرة المتفاوتة الحجم، استنادًا إلى مبدأ "الجهل البشريّ" الّذي يشمل التقصير، والنسيان، والخطأ البشريّ، والتقاعس، وكلّ المصطلحات الّتي استخدمتها تقارير كاهان حتّى اللحظة، في وصف مجريات الأحداث ووقائعها.

.........

إحالات:

[1] عزمي بشارة، من يهوديّة الدولة حتّى شارون – دراسة في تناقض الديمقراطيّة الإسرائيليّة (رام الله: مواطن: المؤسّسة الفلسطينيّة للدراسات والنشر، 2005)، ص 289-290.

[2] باروخ كيملرنغ، التصفية: حرب آرييل شارون ضدّ الفلسطينيّين (بيروت: الحوار الثقافيّ، 2005)، ص 63.

[3] عزمي بشارة، من يهوديّة الدولة...، ص 290.

[4] المرجع نفسه.

[5] المرجع نفسه، ص 290-291.

[6]  بيان ضويهن الحوت، صبرا وشاتيلا أيلول 1982 (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، 2003)، ص 588.

[7] حنّة آرندت، آيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشرّ (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2014)، ص 90.

[8] المرجع نفسه، ص 89.

[9] المرجع نفسه، ص 87.

[10] باروخ كيملرنغ، التصفية...، ص 55-57.

[11] المرجع نفسه، ص 59.

[12] دافيد شانوف، مذكّرات آرييل شارون (بيروت: مكتبة بيسان 1992)، ص 694.

[13] المرجع نفسه، ص 692.

 

للاطّلاع على سلسلة المقالات السداسيّة بعنوان "لجان التحقيق في إسرائيل"، اضغط هنا.

 

أنس إبراهيم

 

 

كاتب وباحث. حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسيّة من جامعة بيرزيت، والماجستير في برنامج الدراسات الإسرائيليّة في الجامعة نفسها. نشر العديد من المقالات في عدّة منابر محلّيّة وعربيّة في الأدب والسينما.

 

 

 

تعليقات Facebook