32 عاما على انتفاضة الحجارة

32 عاما على انتفاضة الحجارة
انطلاق "انتفاضة الحجارة" يوم 8 كانون الأول 1987 (أرشيفية)

صادف اليوم مرور 32 عاما على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى والتي سُميت بـ"انتفاضة الحجارة"، التي انطلقت شرارتها يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 1987.

وجاءت ذكرى الانتفاضة هذا العام مع استمرار مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة للشهر 21 على التوالي، رفضا لاستمرار الحصار ومناداة بحق العودة.

واعتبر الفلسطينيون انتفاضة الحجارة أكبر هبة شعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد احتلال باقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م، وارتقى فيها 1300 شهيد ونحو 90 ألف مصاب.

وجاءت هذه الذكرى كذلك في خضم أحداث كبيرة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، بدءا من ما تسمى "صفقة القرن" وتشديد الحصار على غزة، مرورا بإعلان الرئيس الأميركي ، دونالد ترامب،  مدينة القدس عاصمة لإسرائيل، وإعلان وزير خارجيته مايك بومبيو أن مستوطنات الاحتلال بالضفة الغربية "قانونية"، إضافة لتلويح إسرائيلي بضم الأغوار.

مواجهات

واندلعت شرارة انتفاضة الحجارة بعد تشييع الفلسطينيين في ذلك اليوم، 4 عمال من بلدة جباليا شمال غزة، قضوا في حادث سير "متعمد" وقع بين سيارتهم ومقطورة إسرائيلية خلال عودتهم من العمل داخل الخط الأخضر.

وعمّت المظاهرات بلدة جباليا ومخيمها، تخللها رشق الآلاف من الشبان جنود الاحتلال بالحجارة والزجاجات الفارغة والحارقة.

وامتدت إلى كل شارع وزقاق في المخيم حيث جابههم جنود الاحتلال بالرصاص الحي، واستشهد إثر ذلك الشاب حاتم السيسي (21 عاما)؛ أول شهيد في هذه الانتفاضة.

واعتقد الاحتلال أن هذه المواجهات عبارة عن رد عابر على جريمة حادث المقطورة، وأن الأمور ستهدأ في اليوم التالي، إلا أنها اشتعلت من جديد وتصاعدت حتى امتدت إلى بقية مخيمات القطاع وأحياء مدينة غزة، ومن ثم الضفة الغربية.

ودخلت كلمة "انتفاضة" في القاموس العربي وقواميس اللغات الأخرى من حيث ترجمتها لتأخذ والأحداث ضجة إعلامية كبيرة، لا سيما في الإعلام الغربي رغم محاولة الاحتلال التعتيم عليها.

وأخذت الانتفاضة الطابع الشعبي ووحدة الموقف والتعاضد الاجتماعي والتكافل الأسري وشمولية المواجهة واتساع ساحة الاشتباك المباشر مع الاحتلال في كل المدن والقرى الفلسطينية.

حجر ومقلاع

وشارك فيها جميع الشرائح المجتمعية والفئات العمرية، فضلًا عن أن سلاحها كان في متناول الجميع (الحجر والمقلاع)، وفي بعض الأحيان السكين والزجاجات الحارقة، قبل أن يتطور لاحقًا إلى السلاح.

ومع استمرار المظاهرات والمواجهات اليومية مع قوات الاحتلال دون توقف، بدأ شبان الانتفاضة يكتسبون ثقة أكبر لاستمرارها، وجعلها منهج حياة من خلال الدعوة للمواجهات والإضرابات التي كانت تعم كل أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة، ليشكلوا لجانا شعبية لقيادتها.

وشعرت سلطات الاحتلال باليأس والإحباط في إخماد جذوة الانتفاضة، لا سيما في ظل نقل الإعلام الغربي لهذه المظاهرات.

وتعاقبت على هذه الانتفاضة عدة حكومات لليسار واليمين وكذلك لكلا الجهتين معا في "حكومة الوحدة" برئاسة يتسحاك شامير، ويتسحاك رابين الذي كان وزيرا للجيش آنذاك، وقرر استخدام سياسة "تكسير العظام" بحق الفلسطينيين.

واستخدمت قوات الاحتلال شتى الوسائل لقمع الانتفاضة وإخمادها دون جدوى، وارتكبت سلسلة مجازر بحق الفلسطينيين كان أبرزها: مجزرة الحرم القدسي الشريف؛ 8 تشرين أول/ أكتوبر 1990 وأدت لاستشهاد 21 فلسطينيا.

وكذلك مجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل؛ 20 شباط/ فبراير 1994 والتي راح ضحيتها 34 شهيدًا قضوا خلال صلاة الفجر.

كما نفذت قوات الاحتلال عدة مجازر في "نحالين" ومخيم "النصيرات" وحي "الشيخ رضوان" و"الصبرة" و"الدرج" بمدينة غزة، وخانيونس.

وشرعت قوات الاحتلال فور اندلاع الانتفاضة بتنفيذ حملة اعتقالات كبيرة طالت الآلاف من الفلسطينيين، وافتتحت العديد من السجون والمعتقلات لاستيعاب المعتقلين الجدد. ومن بين تلك السجون: "أنصار 2"، غرب مدينة غزة، و"النقب الصحراوي" (أنصار 3)، وكذلك سجن "عوفر" و"مجدو" في الضفة الغربية.

وحولت معظم المعتقلين إلى الاعتقال الإداري (بدون محاكمة)، حيث قدر عدد المعتقلين خلال الانتفاضة بنحو 200 ألف حالة اعتقال، قضى منهم 42 معتقلا شهيدا بسبب التعذيب والإهمال الطبي والقتل المباشر بالرصاص.

ولم تؤثر هذه الاعتقالات على مسيرة الانتفاضة وديمومتها أو على حجم المشاركة فيها، ولم تُثنِ الفلسطينيين عن مواصلة مقاومتهم المشروعة للاحتلال من أجل استرداد حقوقهم ونيل حريتهم.

سياسة "تكسير العظام"

واستخدمت إسرائيل كذلك سياسة "تكسير العظام" الأمر الذي أثار المجتمع الدولي ضدها بعد نشر صور لجنودها وهم يعتدون على شبان فلسطينيين بشراسة ويعمدون تكسير أيديهم وأرجلهم، لا سيما في نابلس.

وحينما أدركت سلطات الاحتلال أن استخدام القوة لن يجدِي نفعاً في إيقاف الانتفاضة، لجأت إلى "الحل السلمي"، ففتحت خط مفاوضات مباشرة مع منظمة التحرير، مما تسبب في انقسام في المجتمع الفلسطيني.

اتفاق "أوسلو"

وأسفرت المفاوضات عن توقيع اتفاق "أوسلو" بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية يوم 13 أيلول/ سبتمبر 1993؛ والذي ينص على تأسيس السلطة الفلسطينية، التي تم تشكيلها بعد 6 أشهر، وبسط نفوذها في قطاع غزة ومدينة أريحا، وإدخال قوات الأمن الوطني الفلسطيني، وتشكيل الأجهزة الأمنية، وخروج قوات الاحتلال من داخل المدن وانتشارها على الحدود، وبقائها في المستوطنات، وتخمد بذلك الهبة الشعبية الكبيرة.

 

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة