مجد سمارة: تقييد الحريات والخروج عن "الإجماع الوطني"

مجد سمارة: تقييد الحريات والخروج عن "الإجماع الوطني"
مجد سمارة

تقدم "بنك القدس" في الضفة الغربية بدعوى تشهير ضد المخرج الفلسطيني، مجد سمارة، وتسببت باعتقاله، بسبب موقفه بمساندة قضية "رواتب الأسرى" بعد قرار البنوك الفلسطينية بمنع تسلم وتسليم رواتب الأسرى.

وقال سمارة إن "بنك القدس" قدّم ضده دعوة تشهير، بعد أن انتقد قرار البنك بإغلاق حسابات الأسرى، وذلك إثر تعامل "بنك القدس" بشكل وصفه بأنه "غير لائق" مع إحدى عوائل الأسرى التي قصدت البنك لتلقي راتب ابنها الأسير.

وكان سمارة قد نشر في صفحته في "فيسبوك" أن "بنك القدس يمكن تسميته بنك يروشلايم"، في إشارة إلى موقفه بالتعاطي والتجاوب مع أوامر الاحتلال الإسرائيلي ومحاصرته للأسرى وعائلاتهم، وهو ما دفع "بنك القدس" لتقديم دعوى قضائية بالتشهير سمارة واعتقاله ليومين بهدف التحقيق، ثم أطلق سراحه بكفالة مالية إلى حين مثوله للجلسة المقبلة يوم 11 حزيران/ يونيو المقبل.

تسعى إسرائيل منذ أعوام إلى محاصرة الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، إذ اتخذت العديد من الإجراءات لمنع وصول أي أموال للأسرى وعائلاتهم، وعمدت في العام الماضي إلى خصم مبالغ هائلة من المقاصة الفلسطينية بداعي أنها رواتب مخصصة للأسرى.

وأصدر الاحتلال في شهر شباط/ فبراير الماضي أمرًا للبنوك الفلسطينية، محذرًا إياها من تحويل أموال لعائلات الأسرى ما يضعها، إدارة وموظفين، تحت طائلة "قانون الإرهاب"، وهو ما حدا بجمعية البنوك الفلسطينية إلى إصدار كتاب لوزارة المالية الفلسطينية يوم 7 أيار/ مايو 2020 أعلنت فيه إجماع البنوك على انصياعها لقرار الاحتلال الإسرائيلي، وطلبت من سلطة النقد الفلسطينية عدم تحويل هذه الأموال إلى حسابات الأسرى أو عائلاتهم بالبنوك، وإلا سيتم تحويلها لحساب وزارة المالية.

ورد وزير المالية الفلسطينية، شكري بشارة، على هذا القرار ملوحا بإمكانية تعرض البنوك لمساءلة قضائية فيما لو أقدمت على الانصياع لأوامر الاحتلال، وجاء في رده على كتاب البنوك، إن كتباكم "سيتم استخدامه من قبل الجهات التي تسعى للمساس بالسلطة الوطنية وقرصنة أموالها" وهو ما اضطر البنوك للتراجع عن قرارها بمنع تحويل الأموال لحسابات عائلات الأسرى.

وبالعودة إلى قضية المخرج سمارة؛ فقد اتخذ "بنك القدس" موقفا غريبا، فلم يكتف بتقديم دعوة تشهير بعد انتقاده سياسة البنك في انصياعها للاحتلال في ملف رواتب الأسرى، إنما أصدر بيانا رسميا جاء فيه تصنيف "الخارج عن الصف الوطني"، وكأن صكوك الوطنية جاهزة كصكوك الغفران عند البابوية، في القرون الوسطى.

ويجب أن تقال الحقيقة بصراحة، إن القضية الأساسية فقدان السيادة، فالسلطة الفلسطينية لا سيادة لها حتى على أموالها، ويتصرف المحتل كما يشاء، ولم تولد قضية "تمويل الإرهاب" اليوم، بل هي تراكمات منذ أعوام، ولعل ما كتبه الأسير المحرر من الاعتقال الإداري، محمد قيق، عينة سابقة من إغلاق حسابه عام 2015، ورفض استلام راتبه من قناة "المجد" السعودية تحت طائلة "قانون الإرهاب". عينة لما كان يجري بصورة فردية مع الأسرى، ورفض تجديد حسابه بعد نيل حريته إثر إضرابه الشهير عن الطعام، بداعي "قانون الإرهاب" الإسرائيلي، يعني سيادة القانون الإسرائيلي حتى على ما يجري في رام الله من معاملات مصرفية. ولعل أبلغ تعبير ما جاء على لسان المدير الإقليمي في حي الماصيون برام الله للأسير المحرر القيق "لا سيادة لنا.. وبصراحة اسمك ضمن قائمة سوداء وطُلب منا أن نغلق الحساب، ورغم معرفتنا الدقيقة ومراجعتنا لكل حركات حسابك التي كانت واضحة لا لُبس فيها ولا خلل ولا شكوك، إلا أنه وجب علينا إغلاق حسابك بأوامر من فوق".

سعى "بنك القدس" من خلال بيانه إلى شخصنة القضية، ووفقا لما نشره بعض زملاء سمارة، فإن البنك يحاول تحويل القضية العامة، "رواتب الأسرى"، والتي تحظى بإجماع وطني، إلى قضية إساءة عينية أو قضية حساب بنكي للمخرج سمارة.

وقال سمارة لـ"عرب 48": "أحصر معركتي في هذه القضية، إلى قضية رواتب الأسرى وخضوع البنوك لأوامر المحتل، والغريب أن هناك من أطلق الرصاص على البنك بعد رفض تسلم رواتب الأسرى، ولم نشهد اعتقالهم، بل اعتقلت أنا لأنني تحدثت عن القضية، فيما يخالف القانون الفلسطيني والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها السلطة الفلسطينية لضمان حرية الرأي والكلمة، ثم إصدار بيان تصنيفي خارج الإجماع الوطني، وهو أمر غريب أن يقدم بنك بتصنيف من هو وطني ومن هو غير وطني، رغم اتخاذه موقفا مشينا قبلها بيومين بالانصياع للاحتلال من خلال كتاب جمعية البنوك الفلسطينية، فأين حمرة الخجل؟".

وأضاف أن "ما أقوله للناس هو قولوا ما تربينا عليه قبل أن نتدجن، وقبل أن ينخفض سقف أحلامنا. لا تسمحوا أن تقمع حريتكم في الكلام".

وأكد أن "محاولات البنك تحويل قضيتي لقضية شخصية، سواء قضية شخصية مصرفية أو غيرها، هي محاولات تضليل مرفوضة، فقضيتي الشخصية مع البنك تعالج في مساراتها الطبيعية البنكية، والقضية بالنسبة لي قضية تعبير حول قضية رواتب الأسرى التي هاجمت من خلالها البنك، ورد البنك على ذلك بدعوى التشهير التي اعتقلت بسببها ليومين وأُفرج عني بكفالة مالية قدرها 500 دينار أردني، شرط حضوري الجلسة المقبلة في حزيران".

وختم سمارة بالقول إنه "يهمني أن أوصل رسالتي كصاحب حق، فرد متفرد وحيد، في قضية واحدة ووحيدة هي قضية فلسطين وإفرازاتها المقرفة التي تأتي من خلال أناس، للأسف، أذلوا الشعب الفلسطيني ورسموا عنه صورة لا تعبر عن حقيقة الشعب الفلسطيني وإرادته".

تعقيب بنك القدس

وقال مدير الإعلام في "بنك القدس"، نور حمد، في رده على توجه "عرب 48" إنه "فيما يخص العميل (الزبون) الذي أشرتم إليه، سأتطرق إليه تباعا، وفي ما يتعلق بقضية ‘رواتب الأسرى’، فإن بنك القدس ملتزم من خلال اللجنة التي تم تشكيلها من قبل رئيس الحكومة، وهي من ستجد الحل المناسب لهذا الموضوع، ونحن لسنا جهة مخولة للحديث حول قضية رواتب الأسرى، ونحن ملتزمون بما سيصدر عن اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء د. محمد شتية".

وأضاف أنه "في ما يخص العميل (الزبون)، مجد سمارة، فهناك حقوق وواجبات بين البنك والعميل، وهذه العلاقة مبنية على عقد بين الطرفين، في حال وجود خلاف بين العميل وبين البنك سيكون قرار إما إنهاء العلاقة أو إبقائها، لكن العميل خرج عن موضوعه وربطه بقضية رواتب الأسرى، وهي قضية حساسة جدا تمس شريحة كبيرة جدا من المجتمع، وهذا قد يعرض البنك إلى مخاطر نتيجة صدور معلومات غير صحيحة، الأمر الذي دفع البنك إلى إصدار شجب واستنكار والتوجه للقضاء، والقضاء هو من يفصل في هذا الموضوع، لأن ما من مؤسسة تقبل على نفسها أن تنعت بهذه الصفة، فلسنا بصدد قضية شخص مذكور، وإنما نتعامل مع العملاء بناء على علاقة تعاقدية، ولدى وجود خلاف فإما إنهاء العلاقة أو إبقائها، لكن الشخص المذكور ربط موضوعه بقضية الأسرى، وهي قضية حساسة جدا، كما ذكرت آنفا".

وأشار إلى أن "بنك القدس لم يتخذ أي إجراء في هذا الموضوع وإنما نحن ملتزمون بما سيصدر عن اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء د محمد اشتيه وأعضائها".