"مصلحة إسرائيل بنقل فقرائها للاستيطان في الضفة"

"مصلحة إسرائيل بنقل فقرائها للاستيطان في الضفة"
بيغن مع مستوطنين من "غوش إيمونيم" في سبسطية (مكتب الصحافة الحكومي)

يعتبر حزب الليكود الحاكم ممثل للمستوطنين في الضفة الغربية، ونفذت حكومات بنيامين نتنياهو مخططات المستوطنين، وخاصة في عمق الضفة الغربية، حيث جرى توسيع المستوطنات فيها، التي توصف بـ"المعزولة" لأنها تقع خارج الكتل الاستيطانية، بشكل كبير جدا ويزيد عدد المستوطنين فيها حاليا على الثمانين ألفا. ويقول الباحث الإسرائيلي إيرز ماغور، الذي يعد لأطروحة الدكتوراة في علم الاجتماع في جامعة نيويورك، إن هذه لم تكن سياسة الليكود عندما صعد إلى الحكم لأول مرة، في العام 1977.

وأضاف ماغور، في مقال نشرته مجلة "هَزْمان هَزيه" الإلكترونية التابعة لمعهد فان لير في القدس، أنه "خلافا للاعتقاد السائد (أن حكومة الليكود الأولى برئاسة مناحيم بيغن وسّعت المشروع الاستيطاني من أجل تخليد حلم "أرض إسرائيل الكاملة" ومنع احتمال قيام دولة فلسطينية)، فإن جهود الحكومة كانت غايتها مواجهة الاحتجاجات التي نظمها ناخبوها على الضائقة الاقتصادية – الاجتماعية، وفي مقدمتها أزمة السكن، التي أنتجتها السياسة النيوليبرالية. ولهذا السبب، أقيمت المستوطنات بالقرب من الخط الأخضر والمدن الكبرى، بينما جرى رفض موقف اليمين الديني – الذي طالب بتعميق السيطرة في قلب المناطق المحتلة. ونموذج التطوير هذا هو الذي أدى إلى زيادة سكان المستوطنات حتى اليوم". 

وقاد الاحتجاجات في حينه "حركة الخيام" في القدس، التي تأسست في منتصف السبعينيات. وأشار ماغور إلى أن "قادة هذه الحركة كانوا الأوائل في أوساط الطبقات الفقيرة الذين استفاقوا بشكل علني من النشوة التي رافقت صعود الليكود إلى الحكم، وحتى أنهم ربطوا بين السياسة الاقتصادية النيوليبرالية للحكومة الجديدة وبين النقص والضائقة الاقتصادية لسكان الأحياء (الفقيرة) وبلدات التطوير. وخلال الاحتجاجات التقى قادتها، ودخلوا في مواجهة أيضا، مع من اعتبروهما المسؤولين الرئيسيين عن ضائقتهم، وهما رئيس الحكومة، مناحيم بيغن، ونائب رئيس الحكومة ووزير الإسكان، دافيد ليفي".     

احتجاجات "حركة الخيام" في تل أبيب (مكتب الصحافة الحكومي)

وطرح المحتجون مطالب، لم تقتصر على السكن فقط، وإنما تطرقت إلى مواضيع اجتماعية في مجالات التربية والتعليم والخدمات الاجتماعية والأجور وغلاء المعيشة. وفي العام 1979، اقتحم نشطاء هذه الحركة مبان مهجورة في القدس بهدف لفت الأنظار إلى نقص الخدمات العامة، وبادرت إلى تنظيم مظاهرة ضد السياسة الاجتماعية – الاقتصادية للحكومة، وخاصة ضد غلاء المنتجات الغذائية الأساسية من خلال إلغاء الدعم الحكومي لها.  

واندلاع هذه الاحتجاجات، وانضمام حركات أخرى إليها، بينها حركة "سكن الآن"، كانت نتيجة مباشرة لسياسة حكومة الليكود، وبينها قرارات متعلقة بالسكن، مثل خصخصة هذا الفرع وانسحاب الحكومة من هذا الفرع تدريجيا وتقليص الميزانية الحكومية للبناء وتقليص حجم المساعدة في هذا المجال. وقلصت الحكومة حجم البناء بنسبة 75%، في السنوات 1975 – 1983، ما أدى إلى انخفاض حاد في حجم البناء، كما انخفضت بدايات البناء بنسبة 50%، وأدى ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار السكن. وأدت هذه الخطوات الحكومية إلى مواجهة الكثيرين مصاعب في تسديد قروض الإسكان.   

ولفت ماغور إلى أن توجيه الاحتجاجات مطالب مباشرة إلى قيادة الليكود وضعت الحكومة أمام معضلة سياسية. من جهة، كانت السياسة الاقتصادية متلائمة مع المصالح الاقتصادية لتجار ورجال أعمال تماثلوا مع الكتلة الليبرالية البرجوازية التي نشطت في إطار الليكود. ومن الجهة الأخرى، مسّت هذه السياسة بشكل كبير بأوساط واسعة بين ناخبي الليكود، وخاصة الطبقات الضعيفة، "وغالبيتهم شرقيين من أحياء الفقر وبلدات التطوير. وكان لطبقة المصوتين هذه أهمية سياسية بالغة كونها هي المسؤولة عن انقلاب الحكم في العام 1977. وهذه الحقيقة جعلت مطلب تغيير الاتجاه من الناحية الاجتماعية – الاقتصادية حدثا لم يكن بإمكان الحكومة تجاهله".

وكتب ماغور أن "الحل الذي وضعته حكومة الليكود للأزمة الاجتماعية، وخاصة أزمة السكن، يشكل علامة هامة في تاريخ دولة إسرائيل: زيادة الاستثمار الحكومي في السكن الذي بالإمكان الحصول عليه وفي البنية التحتية بواسطة إقامة مجموعة من المستوطنات وراء الخط الأخضر، التي ستتحول لاحقا إلى الكتل الاستيطانية".

توسيع المشروع الاستيطاني

ينفي ماغور الاعتقاد السائد بأن اتساع المشروع الاستيطاني نجم عن شراكة أيديولوجية بين اليمين الديني والعلماني، وأنه في أعقاب صعود اليمين إلى الحكم، تحالفت حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية مع حكومة الليكود "من أجل دفع الحلم المشترك لأرض إسرائيل الكاملة".

ووفقا لماغور، فإن "هذا التفسير لا يتماشى مع الواقع التاريخي. ورغم التصريح المشهور الذي أطلقه بيغن عشية صعوده إلى الحكم بأنه تحت حكومته ستقام الكثير من (المستوطنات مثل) ’ألون موريه’، لكن في السنوات الأولى من حكم اليمين، حتى العام 1980، تقدم توسع المشروع الاستيطاني ببطء. وبدأت حكومة الليكود في تنفيذ خطوات اللبرلة الاقتصادية بعد أيام معدودة من الوصول إلى الحكم، لكن مر وقت طويل دون رؤية أي إشارة إلى تطبيق حلم إسكان مكثف للمناطق (المحتلة) بهدف ترسيخ السيطرة فيها. والاستيطان في المناطق بقي ظاهرة هامشية لم تنجح في الانطلاق نحو نواة الاستيطان الأيديولوجي. وقد أقيمت مستوطنات جديدة نتيجة لمبادرات مستوطنين، وتم إيداع إقامتها بأيدي هيئات استيطانية، مثل دائرة الاستيطان أو وزارة الزراعة، التي لم تكن لديها الموارد المطلوبة لقيادة عملية تطوير واسعة النطاق وعملت من دون إطار تخطيطي أو سياسة واضحة. وسكن أفراد فقط في المستوطنات التي أقيمت في أعقاب قرارات اللجنة الوزارية للاستيطان، وخصوصا في أعقاب مبادرات وزراء نشطين مثل أريئيل شارون".   

حل أزمة سكن الحريديين بنقلهم لمستوطنات (أ.ب.)

وأضاف أنه التحول في السياسة الاستيطانية لحكومة الليكود حدث في العام 1980. "بدأت حكومة الليكود في حينه بتحويل المشروع الاستيطاني، لأول مرة في تاريخه، إلى مشروع بحجم واسع. وإذا كان عدد سكان المستوطنات، باستثناء القدس الشرقية، حوالي 10 آلاف مستوطن فقط، في بداية الثمانينيات، فإنه في السنوات 1981 – 1986 ارتفع عددهم إلى 51 ألف مستوطن، واستمر هذا الاتجاه في السنوات اللاحقة".  

وبحسب ماغور، فإنه "خلافا للادعاء السائد، الهدف الأساسي لضلوع الدولة في المشروع الاستيطاني لم يكن زيادة إلى الحد الأقصى للمنطقة التي سيتم ضمها فعليا إلى إسرائيل أو من أجل منع احتمال قيام دولة فلسطينية مستقبلية. ورغم أن حكومة اليمين أيدت مبدئيا إمكانية البناء في المناطق المحتلة، وكان لجهات معينة داخل وخارج الحكومية مصلحة بارزة للقيام بذلك لدوافع أيديولوجية، لكن هذه الحقيقة كانت بمثابة شرط وحسب يسمح بتوسع استيطاني في المناطق، ولا تدل على الدوافع الأساسية لتوسيع البناء في المستوطنات أو شكل انتشارها في الحيز".

وتابع أنه "عندما انضمت حكومة بيغن لأول مرة بشكل فعال إلى دفع مشروع المستوطنات وسمحت بذلك بتوسيعه الدراماتيكي، كان ذلك نابع بالأساس من تحولات اقتصادية – اجتماعية بجوهرها. وللدقة، فإن أسباب عناية حكومة الليكود بالمشروع الاستيطاني كانت سياسية قبل أي شيء آخر، إذ أراد اليمين السياسي جعل المسّ الاقتصادي – الاجتماعي بالطبقة الفقيرة من مصوتيها أكثر اعتدالا، ومنع معارضتها لاستمرار دفع الأجندة النيوليبرالية الجديدة، التي خدمت بالأساس مصالح الطبقات العليا".    

الكتل الاستيطانية

معظم أعمال البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، في السنوات 1967 – 1980، جرى وفقا لمبدأ الانتشار السكاني، وفي عمق الضفة، حسب "خطة دروبلس" التي وضعتها حركة "غوش إيمونيم". وأشار ماغور إلى أنه "كان هذا، عمليا، التوجه الذي ميّز نموذج التطوير القومي منذ قيام الدولة وجرى التعبير عنه بإقامة بلدات التطوير في النقب وبلدات (يهودية) في الجليل".  

وأضاف أن "كل هذا تغير في بداية الثمانينيات، عندما أخذت حكومة الليكود على عاتقها مقاليد المشروع الاستيطاني وبدأت تقود التخطيط الاستيطاني في المناطق. وكلفت الحكومة، في بداية العقد، وزارة البناء والإسكان، التي تولاها الوزير دافيد ليفي، بمسؤولية تخطيط وتطوير المستوطنات. وأصبحت هذه الوزارة المبادر الرئيسي للبناء في المناطق وقادت التحول الجوهري في سياسة تطوير المستوطنات".

وأشار ماغور إلى أنه "في البداية، غيرت وزارة الإسكان سياسة الاستيطان من بناء بؤر استيطانية صغيرة ومعزولة منتشرة في أنحاء الضفة الغربية إلى تطوير شامل ومُركز في في نقاط استيطانية قليلة ذات قدرة على النمو بحجم مدن. وكان موقع هذه البؤر بالقرب من مناطق عليها إقبال للسكن، حول القدس وتل أبيب ومنطقتها. وأدى هذا القرار إلى تركيز جهود البناء وميزانيات الوزارة حول إقامة مستوطنات مدينتية، مثل معاليه أدوميم وأريئيل وكرني شومرون وغفعات زئيف".

ورأى ماغور أن "التدقيق في هذه المعطيات يكشف أن معظم النمو في المشروع الاستيطاني، في بداية الثمانينيات، تم في إطار المستوطنات المدينتية الواقعة بالقرب من مناطق الطلب (للسكن فيها) بالقرب من حدود الخط الأخضر. وتبين إحصائيات أجريت على مر السنين أنه منذ منتصف الثمانينيات ولاحقا، 75% - 90% من مجمل المستوطنين تجمعوا في هذه المستوطنات، التي تُسمى الكتل الاستيطانية".

واعتبر ماغور أنه "من الناحية الفعلية، فإنه بترسيخ المشروع الاستيطاني حظيت المصلحة الكولونيالية بأهمية ثانوية مقابل اتجاهات أوسع، اقتصادية – اجتماعية وتخطيطية، التي ميّزت تلك الفترة وبلورت شكل مواجهة حكومة الليكود مع الضائقات الاجتماعية المختلفة، وفي مقدمتها ضائقة السكن".  

وأشار ماغور إلى أن إعلانات تسويق بيوت في المستوطنات الجديدة ونشرت في الصحف المركزية، حينذاك، تُظهر بشكل واضح مسألة الرفاه وجودة الحياة بدعم اقتصادي حكومي. بينما عبارات مثل "تخليص أراضي" و"أرض إسرائيل الكاملة" لم تُذكر أبدا. وسعى مسوقو البيوت إلى التشديد على قرب هذه المستوطنات من مدن كبيرة داخل "الخط الأخضر"، مثل أن البيت "يبعد خمس دقائق عن كفار سابا"، وأحيانا تم إخفاء حقيقة أن الحديث عن مستوطنات وراء "الخط الأخضر".

وأضاف أن إدارة المستوطنات كوحدة جغرافية منفصلة "سمح للحكومة برصد موارد عامة سخية لها وبصورة لم ’تمس’ بعملية زيادة توسيع التقليص الحكومي في باقي مناطق البلاد... ورغم أن حركة الخيام وشريكاتها طالبت الدول بحل أزمة السكن بواسطة زيادة الاستثمار الحكومي داخل حدود الخط الأخضر، إلا أنه في نهاية المطاف كان الحل الذي طُرح عليها يقضي بدمجهم في المشروع الاستيطاني في المناطق وفي الكتل الاستيطانية، قريبا من مراكز التشغيل".  

أعمال بناء في مستوطنة بالضفة (أ.ب.)

ورأى ماغور أن "هذا الحل اختير لأنه مكّن الحكومة من الخروج من الفخ السياسي. من جهة تمكنت من الاستمرار في تقليص الإنفاق الحكومي داخل إسرائيل وفقا لإملاءات السياسة الاجتماعية – الاقتصادية التي طالب بها جمهور مؤيديها الذين ينتمون للتيار الليبرالي – البرجوازي. ومن الجهة الأخرى، زيادة الاستثمار الحكومي خارج الخط الأخضر سمح بطرح رد جزئي على المحتجين في إطار المستوطنات وتقليص المس الاجتماعي – الاقتصادي بالطبقة الدنيا، التي شكلت جزءا بارزا من جمهور ناخبيها".

واستنسخت سياسة الإسكان هذه خلال مواجهة الحكومة الإسرائيلية وصول المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، في بداية التسعينيات، وكذلك أزمة السكن في المجتمع الحريدي. وتتركز مجموعات كثيرة من الحريديين في مستوطنتين كبيرتين، هما "بيتار عيليت" الواقعة بين "غوش عتصيون" والقدس، ومستوطنة "موديعين عيليت" القريبة من مدينة موديعين، التي قسم منها مقام في أراضي الضفة. ويسكن في هاتين المستوطنتين أكثر من 120 ألف حريدي.  

وخلص ماغور إلى أن "من يعارض الاحتلال ويتطلع إلى إنهاء الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، عليه أن يدرك أن الانشغال الذي يكاد يكون مطلقا بجمهور المستوطنين الأيديولوجي يُخفي الجذور المادية والسياسية التي مثلت في أساس الهجرة للمناطق وتطوير المستوطنات، منذ بداية الثمانينيات حتى اليوم. ولا يمكن للنضال ضد الاحتلال أن يتجاهل السياسة الاقتصادية النيوليبرالية التي تنفذها حكومات إسرائيل، اليمينية واليسارية، منذ نهاية السبعينيات. ونضال يتجاهل ذلك لا يواجه أحد المحركات المركزية الماثلة وراء نمو المستوطنات، ولذلك فإنه محكوم بالفشل".