من ذاكرة الأسر (6)../ راسم عبيدات

من ذاكرة الأسر (6)../ راسم عبيدات

..... بداية وقبل الحديث عن هذين المناضلين، فإنه من الهام جداً قوله، أن أسرة بدر المسلماني والد المناضل إسماعيل دفعت وما زالت تدفع ثمناً وضريبة نضالية عاليتين وغاليتين، وفي أوقات ليست بالقليلة كان يوجد في قلب المعتقلات الإسرائيلية ثلاثة من الأشقاء، وعلى ما أذكر أنه في عام 2005، عندما كنت معتقلاً في سجن عسقلان مع الدكتور أحمد المسلماني شقيق المناضل إسماعيل المسلماني، كان شقيقهم الأكبر علي"أبو بدر" والمحكوم بالسجن المؤبد، موجوداً في معتقل آخر..

ولكم أن تتصورا ثلاثة أشقاء، كل واحد في معتقل، وهذا أسلوب وإجراء احتلالي إجرامي، يهدف إلى الإمعان في إذلال البشر وامتهان كرامتهم، والتنغيص والتنكيد عليهم وكذلك محاولة لكسر إرادتهم والتأثير على معنوياتهم، وثنيهم عن الاستمرار والمشاركة في العمل النضالي والكفاحي ضد الإحتلال.

وبالعودة للمناضلين إسماعيل المسلماني وشادي الشرفا، فإسماعيل عرفته من خارج المعتقل، وهو إنسان مرح إلى أبعد الحدود والبسمة لا تفارق وجهه أبداً. ولكنه في المقابل إنسان جدي إلى أبعد الحدود، وكاثوليكي في الجانب الأخلاقي.

وعندما التحق في إتحاد لجان الطلبة الثانويين، حمل هموم الطلبة والوطن مبكراً، وغادر صفوف الإتحاد مبكراً، ولعب دوراً بارزاً في النضال الطلابي الجامعي عندما التحق بجامعة القدس المفتوحة – فرع القدس.

وما يميز أبو المجد هو الانضباط والإلتزام والإنكباب على العلم والثقافة، وكثيراً ما سببت له هذه الميزة الخلافات مع الآخرين، وخصوصاً إذا ما شعر أن من يدعون المسؤولية والقيادة، لا يتمتعون بالصدقية والمهارات والصفات التي تؤهلهم لمثل هذه المراكز، وإنسان بهذه الصفات وكونه ينتمي لأسرة مناضلة حجزت مقاعدها الدائمة في السجون ومراكز التحقيق الإسرائيلية، فإنه من الطبيعي جداً أن يكون هدفاً للإحتلال وأجهزته المخابراتية.

مع بداية الإنتفاضة الثانية اعتقل أبو المجد ليبدأ رحلته الإعتقالية في السجون، ولكي ألتقي به في سجن عسقلان عام 2006، حيث بدا واضحاً عليه كما عهدته الجدية والبشاشة، والحزن والخوف على ما آلت إليه الأوضاع الإعتقالية، وما فعل أوسلو بالمناضلين والحياة الإعتقالية. وكذلك توجيه اللوم والنقد للقوى والفصائل الوطنية والإسلامية، حيث أنها جميعاً وإن بدا ذلك بشكل متفاوت، لا تركز على تربية المناضلين والأعضاء ولا تقوم بتثقيفهم بالشكل المطلوب، بل وحتى في الحدود الدنيا.

من هنا ترى أن هناك قلة من المناضلين الأسرى، ممن يهتمون بالثقافة من قراءة وكتابة وغيرها، وأبو المجد دائماً يقول على المناضلين أولاً أن يهتموا بتثقيف أنفسهم، ومن هنا تراه دائما يحرص على تثقيف من حوله.

وكنت أنا وهو وعدد من المناضلين القدماء دائماً نخوض نقاشات وجدالات حول واقع الحركة الأسيرة ما قبل أوسلو وما بعده. وكم كنت أحاول استفزازه، وأقول له ما أن أغادر السجن، حيث أن محكوميتي كانت تقارب على الإنتهاء ، "ما تهتم يا أبو المجد رح بس أروح أطلعكم"، وكان يرد والله بعرفك أصيل يا أبو شادي، وما إنا غيرك بركة، وبدوري أقول له لن أطلعكم من السجن، بل من رأسي عند بوابة المعتقل.

كنا نستفز المعتقلين القدماء، والذي مضى على وجودهم ما لا يقل عن عشرين عاماً في المعتقل، حول صفقات التبادل والأخبار التي تقول بأن من سيطلق سراحهم، هم من أبناء الإنتفاضة، أما الذين مضى على اعتقالهم عشرون عاماً، تأقلموا في السجون ولا حاجة لوجودهم خارج السجن! أو نقوم ببث أخبار كاذبة عن أن بعض المحطات المحلية، نشرت أسماء من سيطلق سراحهم، وهكذا على سبيل المزاح وقتل الوقت، وأبو المجد عادة ما يصحو مبكراً للرياضة الصباحية، ولكوني غير متخصص في الطبخ أو خبيراً به، فقد كنت أستغل فترة زيارات الغرف الصباحية في العديد من الأحيان والذهاب لغرفة أبو المجد والإفطار عندهم، وخصوصاً أن من كان يقوم بعمل الفطور في غرفتي، على مزاجي، الدكتور المسلماني قد انتهت مدة محكوميته وخرج من المعتقل.

وكان أبو المجد في العديد من الأحيان "يعمل أفلاماً" على أبو غسان (القائد أحمد سعدات) على سبيل النكات والدعابة. وبالمناسبة أبو المجد ليس من الكاثوليكيين في التنظيم، فهو يدعو إلى توجيه سهام النقد وحرية الرأي والتعبير، وكان دائماً يقول لي لا توجد ديمقراطية في التنظيم، وأنا بدوري كنت أقول له أنه إذا ما استمرت قوى اليسار والقوى الديمقراطية، بنفس العقلية والرؤى والبرامج والآليات، فإنها لن تعمر أكثر من عقد على الأطول، وهي بحاجة إلى ثورة شاملة، ووقفة "ستالينية" ونقدية مع ذاتها، وقفة "ستالينية" وبدون وجود ستالين .

أما الأسير شادي الشرفا، والذي عرف طريقه مبكراً إلى السجون، وهو على مقاعد الدراسة الثانوية في مدرسة الفرير بالقدس، فهو ينتمي إلى أسرة ليست بالمحافظة، وكان زعيماً وقائداً طلابياً، حيث كان شعلة نشاط في مدرسة الفرير، وقد أعتقل على خلفية نشاطه في العمل الطلابي، لكي يكتسب تجربة اعتقالية مبكرة، توسع من مداركه ومعارفه، وتزيده صلابة وفولذة، وليخرج أكثر انتماء من السابق.

وشادي الذي عرفته رغم عشقه وحبه للحياة وليالي السمر والسهر، ورغم ما يبدو عليه من نعومة وعز، إلا أنه صلب في أرائه ومواقفه، وكذلك في انتمائه وقناعاته، وقد التقيته مرتين في الأسر، الأولى في نفحة عام 2002، والثانية في عام 2006 في سجن عسقلان، وفي كلتي الحالتين وجدته ذلك الإنسان الذي يمسك بأفكاره الشيوعية رغم الزلازل القاسي، الذي أصاب النماذج، بل وحتى الكثير من المسلمات في الفكر الشيوعي، وهو يحرص دائماً على الثقافة والدراسة، وكان يطمح دائماً إلى إصدار مجلة اعتقالية لا حزبية. وهو صدامي وهجومي مع إدارات السجون، فيما يتعلق بحقوق الأسرى ومنجزاتهم ومكتسباتهم، ولذا كان عرضة للقمع والتنقل والترحيل المستمرين بين السجون والمعتقلات الإسرائيلية.

وشادي الذي اكتسب مهارات الطبخ في السجون، فهو كذلك أحد ألمع الرياضيين في السجون، ويحرص على لعب كرة السلة، وكذلك حاول أن يتقن ويحترف لعبة"الدمينو" ولكن الحظ لم يسعفه في التغلب علي فيها.

وتراه دائماً يشاكس والدته الإنسانة الطيبة أم فادي، والتي تدعو له ولكل الأسرى بالإفراج العاجل، وتطالبه في كل زيارة دائماً بالصلاة والصوم، وأغلب الكتب التي ترسلها له، لها علاقة بالجوانب الدينية، ودائماً على الزيارة، تقول لي صلي يا أبو شادي واهدي على شادي يصلي، وشادي يقولها يا ماما ما تحضري لي كتب دين السجن مليان منها.

وأبو المجد وشادي وإن اختلفا في طباعهما، فما يوحدهما هو الوطن أولاً وأخيراً، قبل أية أحزاب وفصائل، هذه الأحزاب والفصائل، ومعها بالأساس وأولاً السلطة الفلسطينية، المسؤولية عن ما آلت إليه أوضاع الحركة الأسيرة، من فقدان للثقة والإحباط، بسبب الإهمال والتقاعس في هذا الملف بالذات، وهم يقولون أنظر ها هو" أبو الحكم" سعيد العتبة يدخل عامه الإعتقالي الحادي والثلاثين، وها هم أبو الناجي وأبو شادي ونائل البرغوثي وأكرم منصور" الوحش" يدخلون عامهم الإعتقالي التاسع والعشرين، فإلى متى هذا الإهمال والقصور، والاعتماد على حسن النوايا الإسرائيلية.