لبنان: هل تُلغى "المظاهر العسكرية" في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين؟

لبنان: هل تُلغى "المظاهر العسكرية" في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين؟

 دخل قرار إزال المظاهر العسكرية للفصائل الفلسطينية في مخيم اللاجئين المية ومية، في لبنان، نهاية الأسبوع الماضي، بعد عقود من الرفض القاطع لتسليم السلاح للدولة اللبنانية، في خطوة مُفاجئة دفعت البعض للتساؤل عن أسبابها وتبعاتها.

واختلفت الآراء الأمنية والسياسية حول إزالة المظاهر العسكرية من المخيم الذي يقع شرقي مدينة صيدا جنوبي لبنان، فالبعض اعتبرها مقدمة لـ"صفقة القرن" التي تحاول الإدارة الأميركية عبرها تصفية القضية الفلسطينية، فيما رأى البعض أنها "ضرورة أمنية" نظرا للاشتباكات التي تدور بين الفينة والأخرى بين فصائل المخيم.

وبينما وصف البعض الخطوة بأنها ضرورة سياسية لأطراف سياسية معينة في البلاد، ربطها البعض الآخر بـ"صفقة القرن"، وإعادة تنظيم المخيمات تمهيدًا لإخلائها، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ليتفق الجميع على أنها "ضرورةٌ أمنية" سواء للمخيم أو للجوار بغض النظر عن الخلفيات.

ودخل اتفاق إزالة المظاهر العسكرية حيّز التنفيذ نهاية الأسبوع الماضي، بعد لقاء مفصلي في 14 أيار/ مايو الجاري في وزارة الدفاع، ضم قيادة الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية في المخيم (حركتَي فتح وحماس، وأنصار الله).

وخلُص الاتفاق إلى ضرورة إنهاء المظاهر المسلحة في المخيم، حفاظًا على أمنه وأمن الجوار بعد سلسلة التوترات الأمنية التي شهدها في فترة سابقة.

هل نشهد في مخيم شاتيلا الأمر ذاته؟

قال مصدر أمنى لبناني مطلع، في حديث لوكالة "الأناضول" التركية، إن "اللقاء الأخير مهدت له لقاءات عديدة خلال أسابيع ثلاثة، بمبادرة من مخابرات الجيش اللبناني، وعليه تم مؤخرًا بالتنسيق مع الفصائل الفلسطينية سحب السلاح الخفيف والمتوسط".

وأضاف أن الاتفاق "يبقي على بعض الأسلحة الفردية في المكاتب الحزبية لحمايتها، التي يُمنع إظهارها خارج المكاتب، علمًا بأن أي خلل ستتم معالجته مباشرةً من قبل عناصر الجيش اللبناني أو بالتنسيق مع الفصائل".

وتابع: "تم نقل الأسلحة الخاصة بحركة فتح إلى مخيم عين الحلوة، بينما باقي أسلحة الفصائل (حماس وأنصار الله) وُضِعت في مكان معين مُتفق عليه بين الجيش والفصائل، كما تمت إزالة بعض المظاهر العسكرية من المخيم، كحاجز الأمن الوطني الفلسطيني على باب المخيم، وبعض السواتر الترابية، في أجواء إيجابية من التعاون".

وعن المرحلة المقبلة، أشار المصدر أنها ستكون عبر "إخلاء بعض العقارات التي وُضِعت اليد عليها من قبل الفصائل، أو يتم استئجارها بطرق غير شرعية، وهي تعود لأهالي قرية المية ومية من اللبنانيين، إذ سيُسرّع هذا الاتفاق معالجة الدعاوى القضائية العالقة بهذا السياق".

وفيما يخص احتمالية انتقال هذه الخطوة إلى مخيمات أخرى، لفت المصدر نفسه إلى أن "هناك حديث بهذا الخصوص، وقد يكون مخيم شاتيلا جنوب غرب العاصمة بيروت هو النقطة التالية، لما يشهده من مشكلات اجتماعية عديدة متمثلة بانتشار المخدرات على أيدي شبّان من جنسيات متعددة، يهددون أمن المخيم وجواره".

سلّة حقوق وواجبات

بدوره، قال القيادي بحركة فتح، اللواء منير المقدح، إن إزالة المظاهر المسلحة في مخيم المية ومية، تأتي "في إطار التوافق الفلسطيني اللبناني لمصلحة مشتركة بين الطرفين، عبر برنامج مشترك بيننا وبين الجيش اللبناني لضبط وتنظيم السلاح في المخيمات".

وعن خطوة تسوية العقارات المُختلف عليها، أضاف المقدح أن "الأمر غير مطروح إلا في إطار وثيقة عمل وُضعت في اللقاء الأخير بين الجانبين الفلسطيني واللبناني، على أساس أن يتم نقاشها بين القوى الفلسطينية ليتم نقاشها في وقتٍ لاحق بين الجانبين، في الحقوق والواجبات كسلة واحدة؛ لا سيما أن الفلسطيني في لبنان لا يتمتع بحقوقه الإنسانية أو المدنية أو الاجتماعية".

وردًا على ربط الخطوة بـ"صفقة القرن"، شدد القيادي في حركة "فتح" أن "صفقة القرن مرفوضة فلسطينيًا ولبنانيًا، وهي لا تعطي أي حقوق للفلسطيني وعودته إلى بلاده، ولبنان متضرر من هذه الصفقة أيضًا، ولذلك من الصعب أن تمر على حساب الشعب الفلسطيني وحساب قضيته".

توطين 100 ألف فلسطيني

ومن وجهة نظرٍ سياسية، رأى الكاتب والمحلل السياسي، منير الربيع، أنه تبعًا للمؤشرات، فإن "الخطوة لها علاقة بمخيم المية ومية ومحيطه بشكل خاص، أما الحديث عن انتقال الخطوة إلى مخيمات أخرى، فهذا يحتاج لقرار سياسي كبير واتفاقٍ دولي، لأن وجود السلاح الفلسطيني داخل المخيمات مرتبط بتوازنات دولية لم يأتِ الوقت بعد ليتم بحثها".

وقال الربيع إن الخطوة تندرج تحت "إطار سياسي شعبوي من قبل بعض القوى المسيحية اللبنانية، تحديدًا التيار الوطني الحر (المحسوب على رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون)".

وأوضح أن مسعى القوى اللبنانية يأتي "لاسترجاع بعض الأراضي والبيوت التي يسكنها مسلحون في المخيم، وإعادتها لأصحابها من أهالي قرية المية ومية اللبنانيين من الطائفة المسيحية، وذلك لتسجيل النقاط والانتصارات التي يتم استثمارها شعبيًا".

واعتبر الربيع، أن "جعل المخيم آمنًا بعدما كان بؤرة للتوتر، تلتقي فيه مصالح ثلاث قوى أساسية، أولها الدولة اللبنانية متمثلة بالجيش ونواب المنطقة، والثانية هي حركة حماس التي يهمها نزع المظاهر المسلحة كون ذلك يعيد التوازن السياسي بينها وبين فتح في المخيم، وثالث القوى حزب الله الذي يعتبر أن هكذا خطوة تشرّع وجود أنصار الله، وهم جماعته في المخيم، وبالتالي الحفاظ عليهم".

وكشف الكاتب والمحلّل اللبناني، أن "مسؤولًا بريطانيًا جال على المسؤولين اللبنانيين قبل أسبوعين، واقترح على لبنان توطين 100 ألف فلسطيني مقابل تعزيز الأوضاع الاقتصادية والمالية".

وأشار إلى أن هذا العرض البريطاني "يؤشر إلى أن وضع المخيمات سيُبحث مستقبلًا بالتوازي مع إنجاز صفقة القرن، ولذلك أي حديث عن نزع السلاح من المخيمات الأخرى مؤجل ليكون جزءً من تسوية إقليمية دولية لم تنضج بعد".

وتستضيف العاصمة البحرينية المنامة، في حزيران/ يونيو المقبل، "ورشة عمل" اقتصادية تستهدف جذب استثمارات إلى المنطقة تحت إطار محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل، تصفية القضية الفلسطينية اقتصاديا (وطمس حقوق الفلسطينيين) دون التطرق للجانب السياسي في الوقت الراهن.

ومن المرتقب أن تعلن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد شهر رمضان الجاري، "صفقة القرن" التي يتردد أنها تقوم على إجبار الفلسطينيين، بمساعدة دول عربية، على تقديم تنازلات مجحفة لصالح الاحتلال.

ويستضيف لبنان نحو 400 ألف لاجئ فلسطيني في 12 مخيمًا وتجمعات سكنية، بينها مخيم المية ومية الذي أُنشئ عام 1954، ويبلغ عدد سكانه المسجلين لدى وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" نحو 5 آلاف لاجئ.

وتنشط في المخيم 3 تنظيمات مسلحة، هي فتح وحماس وأنصار الله، ويقع على أطراف قرية تحمل الاسم نفسه، على تلة تبعد 4 كلم شرقي مدينة صيدا (جنوب غرب).