من دفاتر النكبة (20): جيش الانقاذ بين الواقع والأسطورة (2)../ د. مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (20): جيش الانقاذ بين الواقع والأسطورة (2)../ د. مصطفى كبها

في الحلقة السابقة تطرقنا للظروف التي أنشئ فيها جيش الإنقاذ وإلى تركيبته البشرية والتنظيمية. وفي هذه الحلقة سنتطرق لوقائع ومعوقات نشاط هذا الجيش في الميدان، منذ قدوم طلائع وحداته إلى فلسطين في نهاية كانون الأول 1947 وحتى تقهقر ما تبقى ما تبقى من وحداته في منطقة الجليل في نهاية تشرين الأول 1948.

عانى هذا الجيش، من الناحية اللوجستية الكثير من النقص في المواد التموينية والذخيرة، ومن العيوب الجمة وعدم صلاحية المواد التي استلمها فيس هذا المضمار. فالمتمعن في وثائق هذا الجيش بوسعه أن يرى شكاية دائمة قدمت من الجنود والضباط إلى قادة الأفواج وأعضاء اللجنة العسكرية للجامعة العربية، بحيث تضمنت هذه الشكاوى تذمراً من النقص في المواد الغذائية والذخيرة أو فساد المواد القتالية وعدم صلاحياتها للاستعمال.

بالنسبة لنقص المواد الغذائية، قام الضباط بالضغط على الأهالي بغية تزويدهم بالطعام والفراش والأغطية، الأمر الذي أدى بدوره إلى احتكاكات مع الأهالي وذلك لشح الموارد وعدم قدرة الأهالي على تحمل أعباء النهوض باحتياجات الجنود لا سيما وأنهم استطاعوا بالكاد توفير حاجات منازلهم وعائلاتهم.

أفقدت هذه الاحتكاكات جيش الإنقاذ تعاطف الأهالي وترحيبهم به. أما فيما يتعلق بالذخيرة فقد كان واضحاً بأنه لم يكن باستطاعة الأهالي تزويد الجيش بها، ومن هنا انصبت الشكاوى جميعاً في رسائل شبه يومية كانت موجهة إلى أعضاء اللجنة العسكرية التي وقف على رأسها اللواء إسماعيل صفوت (عراقي ) أو المفتش العام لجيش الإنقاذ العميد طه الهاشمي (وهو عراقي أيضا).

عرضت هذه الرسائل صورة قاتمة عن الوضع في المناطق التي عمل فيها جيش الإنقاذ، فقد جاء على سبيل المثال في رسالة بعثها قائد حامية بيسان من قبل جيش الإنقاذ إلى الجنة العسكرية: "منذ يوم التاسع عشر من شباط 1948، حيث استلمت الذخيرة المخصصة للدفاع عن مدينة بيسان، قمت بتعيين 40 شخصاً في مواقع مختلفة في المدينة ولكني لم أجد أكثر من خمسين مشطاً من الذخيرة، هذا بالإضافة إلى أنني لم أجد فتائل إشعال للديناميت، هذا فضلاً عن أن نسبة عالية من الذخيرة كانت عديمة الصلاحية، فالعديد من الجنود لم يفلحوا بإطلاق طلقة واحدة من بنادقهم".

في حالات أخرى كان هناك نقص شديد بموارد الطاقة وخاصة البنزين، فعلى سبيل المثال بعث قائد سرية في فوج اليرموك الأول برسالة إلى قائد الفوج جاء فيها: "لقد نفذ البنزين لدينا بشكل كامل، منذ ثلاثة أيام لا يوجد لدينا حتى لتر واحد من البنزين".

مع ازدياد حدة هذه الصعوبات وازدياد تذمر الجنود، بدأت تطفو على السطح مظاهر خرق الانضباط وحتى العصيان والهروب من المعسكرات والمواقع.

قصص كثيرة و"مثيرة " في هذا المجال يمكن أن نجدها في يوميات الضابط الأردني محمد أبو صوفة الذي كان قائداً لسرية "الصاعقة" في فوج اليرموك الأول. وفور توليه دفة قيادة هذه السرية حاول الضابط أبو صوفة التعامل مع مخالفات الجنود بشيء من التسامح ولم تتعد درجة العقاب التي فرضها على الجنود إلغاء وجبة من الوجبات اليومية المخصصة للجنود أو إضافة ساعات حراسة على حصة الجندي المخالف وما إلى ذلك من أوجه العقاب الخفيفة، ولكن ومع تزايد عدد هذه المخالفات وحين أصبحت "تياراً جارفاً"، كما وصفها أبو صوفة في يومياته، قام بجمع جميع أفراد السرية ووقف فيهم خطيباً حيث قال: "حاول بعض الجنود الهروب، وهؤلاء سيعاقبون بالسجن والفلقة (الجلد بالسوط على أسفل القدم، م.ك). كل جندي سيحاول الهروب من الآن فصاعداً سيجلد ويسجن قبل أن يعدم بالرصاص لأن كل من يفعل ذلك هو بمثابة خائن ومتعاون مع اليهود".

لكن تهديد أبي صوفة هذا لم يكن، كما يبدو، مؤثراً بما فيه الكفاية لأن محاولات الهروب استمرت، واستمر معها تناقص عدد أفراد السرية، وذلك حسب ما جاء في رسالة بعثها أبو صوفة إلى قائد الفوج مشفوعة بقرار الاستقالة الذي رفضه القائد مجبراً أبا صوفة في وظيفته مكرهاً ومحبطاً.

على الصعيد الميداني، لوحظ منذ بداية المبادرات العسكرية التي قام بها جيش الإنقاذ أنه يحاول السيطرة والتمركز في المساحات المخصصة للدولة العربية حسب قرار التقسيم ولم يحاول، ولو لمرة واحدة، أن يشذ عن ذلك.

هذا الأمر يمكنه أن يفسر عدم محاولة البريطانيين (الذين كانوا من الناحية العملية المسؤولين الأمنيين عن كافة مساحة فلسطين الانتدابية حتى تاريخ 1948. 5. 15 ) منع جيش الانقاذ من تنفيذ مهامه بل إن المتمعن في وثائق جيش الإنقاذ والوثائق البريطانية من تلك الفترة بأنه كان هناك شيء من التنسيق الأمني الصامت بين الطرفين، وكما يبدو فإن ثمن هذا التنسيق كان عدم دخول الأراضي المخصصة للدولة اليهودية.

على الأرض، تمركزت أفواج هذا الجيش في منطقتين أساسيتين: الأولى كانت منطقة المثلث الكبير ( جنين – نابلس – طولكرم ) والتي ضمت إليها من الجنوب منطقة لواء اللد ( التي ضمت قضائي يافا والرملة )، ومن الشمال منطقة الكرمل والروحة ومرج ابن عامر، بحيث كانت كافة هذه المناطق تحت القيادة المباشرة للقائد العام فوزي القاوقجي. أما المنطقة الثانية فكانت في الشمال حيث ضمت مناطق الجليل الأعلى والجليل الأسفل ومنطقة الساحل الممتدة من عكا حتى الحدود اللبنانية، وقد قاد هذه المنطقة العقيد أديب الشيشكلي. وقد بقي هذا التقسيم قائماً حتى دخول الجيوش النظامية العربية في الخامس عشر من أيار 1948. ولكن جيش الإنقاذ، وقبل مجيء هذه الجيوش، خاض جملة من المعارك وعن تفاصيلها سنتحدث في الحلقة القادمة.