من دفاتر النكبة (27): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (1)../ د. مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (27): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (1)../ د. مصطفى كبها

هناك الكثير من اللغط في الكتابة التاريخية المتعلقة بمشاركة الجيوش العربية النظامية في حرب 1948، ومدى مساهمتها فيما آل إليه حال الشعب الفلسطيني جراء تلك الحرب من نكبة وتهجير وتشريد.

والقضية لا تتعلق فقط بما تتداوله الرواية الشعبية عن تقصير تلك الجيوش وتقاعسها أو بحسن تعاملها مع السكان المحليين وإلى غير ذلك من الأسئلة، بل أرى من الضروري أن نحاول الإجابة عن أسئلة تتعلق بالمستوى الاستراتيجي العام حول: هل كان الفلسطينيون بحاجة لمساعدة هذه القوات؟ ولمصلحة من كان دخول هذه القوات؟ وهل أرادت بالفعل منع إقامة الدولة اليهودية؟ وهل ساهمت هذه الجيوش بمنع إقامة دولة فلسطينية؟ وهل كانت هذه القوات مهيأة للمهام التي أنيطت بها؟ والاهم من ذلك هل كانت قادرة على تنفيذ هذه المهام بنجاح؟.

وإذا اتفقنا بداية على أن الفلسطينيين كانوا محتاجين بالفعل، من الناحية العسكرية - الإستراتيجية، لمثل هذه المساعدة، لأنه لم يكن بمقدورهم وحدهم الوقوف عسكرياً بوجه القوات اليهودية (كان العدد الأقصى الذي جنده الفلسطينيون للقتال من المقاتلين الفلسطينيين لم يتعد السبعة – الثمانية آلاف مقاتل بينما قارب عدد المقاتلين اليهود من المنظمات المختلفة السبعين ألف مقاتل)، فإننا سنجد بأن أهداف مشاركة هذه الجيوش لم تتفق مع طموحات الفلسطينيين والتي تركزت في هدفين أساسيين: منع إقامة دولة يهودية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وليس بوسع المتأمل لسلوك معظم الجيوش العربية أثناء الحرب وسلوك الزعماء العرب، عشية دخول هذه القوات وأثناء تواجدها في فلسطين، إلا أن يرى أفعالا تناقض بشكل صارخ هذين الطموحين الفلسطينيين: فالفلسطينيون لم تتم دعوتهم للمداولات السرية، ولم يشتركوا باتخاذ القرار على شكل التدخل وماهيته بل إن محاولاتهم لأي شكل من أشكال التأثير على مصيرهم الوطني باءت بالفشل.

يوحي دخول القوات العربية المتزامن مع نهاية الانتداب وإقامة الدولة اليهودية وكأنه كان هناك تنسيق بين قوات الدول المختلفة على خطة عمل مشتركة أو تنسيق قيادي على مستوى القيادات الميدانية. ولكن القيادة العامة كانت قضية نظرية فحسب، فلم ينصع لأوامر القائد العام، الملك عبد الله الأول، ملك الأردن في حينه، إلا جيشه وبشكل محدود للغاية الجيش العراقي كذلك. أما الجيوش المصرية والسورية واللبنانية فقد عملت بشكل مستقل وانفرادي.

ولم يفلح ضباط الارتباط الذين عملوا من قبل الأمين العام للجامعة العربية، عبد الرحمن عزام، بتحقيق الحد الأدنى من التنسيق الذي يلزم لإنجاح الخطة الفضفاضة التي كان من المفروض تنفيذها لضمان تحقيق الأهداف.

وقد ظهر واضحاً للعيان ومن الوهلة الأولى التنافس والتنافر بين المحور المصري – السعودي – السوري وبين المحور الهاشمي ( العراقي – الأردني ). هذا التنافس شلّ، إلى حد كبير فاعلية العمل العسكري العربي المشترك، ووصل في بعض القطاعات إلى درجة التوتر الشديد بل العداء السافر.

والأهم من ذلك كله أن هذه الجيوش دخلت غير جاهزة أو مجهزة ولم يكن بمقدورها منع إقامة الدولة اليهودية ولا حتى الدفاع، بشكل ناجع، عن الأراضي المخصصة للدولة العربية. ومن الضروري التأكيد هنا بأن كافة هذه الجيوش لم تحاول، بأي حال من الأحوال، تجاوز الحدود المخصصة للدولة العربية وهذا بحد ذاته يعد كافياً لدحض الادعاءات المنتشرة في الرواية الصهيونية وكتب التدريس الإسرائيلية حول "الغزو" العربي وصده وتهويل حجم الخطر الذي كان يتهدد الدولة اليهودية من دخول هذه الجيوش ميادين القتال.

وثمة ملاحظة مهمة تتعلق بحجم هذه القوات قياساً بالقدرات العسكرية العربية في حينه ومقارنة بحجم القوات اليهودية التي وقفت أمامها في ساحات القتال. فمن الضروري التأكيد بان حجم القوات العربية التي دخلت فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948 لم يواز قرابة ال20% من القدرات العربية العسكرية الحقيقية في حينه، فقد كان مجموع ما دخل فلسطين ليلة الخامس عشر من أيار أو تواجد فيها قبل ذلك (قوات المتطوعين ) هو 23000 مقاتل توزعوا على النحو التالي: الجيش المصري 10000 مقاتل (منهم 2000 من المتطوعين )، الجيش الأردني 4500 مقاتل (بعضهم كان قد تواجد في فلسطين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية)، الجيش العراقي 3000 مقاتل (منهم 1500 تواجدوا في فلسطين قبل ذلك وعملوا ضمن وحدات جيش الإنقاذ)، الجيش السوري 3000 مقاتل (منهم 1500 خدموا في وحدات جيش الإنقاذ )، الجيش اللبناني 1000 مقاتل والجيش السعودي 1500 مقاتل (عملوا تحت إمرة القيادة المصرية). علماً بأن هذه القوات غير المتناسقة افتقدت إلى قواعد عمل جدية وإلى آليات إمداد ناجعة وباستثناء الجيش الأردني (وبشكل معين الجيش العراقي) الذي كان حسن التجهيز والتدريب، وذلك لاشتراك بعض وحداته في الحرب العالمية ضمن المجهود الحربي لقوات الحلفاء.

وكانت باقي الجيوش غير مهيأة للقتال الفعلي، ولم تشترك معظم وحداتها بالقتال بشكل فعلي من قبل، هذا فضلاً عن سوء التسليح وفساد الذخيرة (الذي عانى منه الجيش المصري على وجه الخصوص) الشيء الذي جعل النجاح بالمهام العسكرية المناطة بهذه الجيوش أمراً يشابه المستحيل. في الحلقات القادمة سنستعرض ما قامت به هذه الجيوش من مهام عسكرية رغم كل القيود والقسريات التي وضعت فيها.