طيرة الكرمل:حكاية كفاح ورحلة عذاب وتهجير../ د.محمد عقل*

طيرة الكرمل:حكاية كفاح ورحلة عذاب وتهجير../ د.محمد عقل*

كنت أرى النار مشتعلة والناس يصرخون ويستغيثون، وفي الصباح ذهبت إلى مكان المحرقة، وعندما وقع بصري على عدة جثث متفحمة، استبد بي الرعب، فلم أبق لحظة واحدة لأعدهم



كانت قرية طيرة الكرمل في عهد الانتداب أكبر قرية في قضاء حيفا سكاناً والثانية بعد إجزم مساحة. سميت بهذا الاسم لوقوعها عند أطراف جبل الكرمل، وكانت تعرف كذلك باسم طيرة اللوز لكثرة أشجار اللوز التي كانت تنمو فيها وهو أقدم أسمائها، وباسم طيرة حيفا لقربها من هذه المدينة إذ تبعد عنها مسافة 7 كم إلى الجنوب الغربي على الشريط الساحلي الضيق.

إلى الغرب من هذه القرية كان يقع معسكر ضخم للجيش البريطاني وفيه رابط إلى جانب الجنود البريطانيين جنود من حرس الحدود الأردني الملقب بـ"الزنار الأحمر"، وبجوارها كانت تقع محطة للسكة الحديد.

بلغ عدد سكان قرية طيرة الكرمل عام 1945م 5270 نسمة جميعهم من العرب، أما مساحة أراضيها فبلغت حوالي 45000 دونم. من الخرب القريبة منها خربة الدامون التي كانت تقع على سفح جبل الكرمل، وتبعد عنها حوالي نصف كيلومتر. في عام 1943م كان في الطيرة ثلاث معاصر زيتون آلية لكثرة ما تزرع من الزيتون. في عام 1947 تم بناء مدرسة حديثة تعلم فيها التلاميذ فصلاً واحداً وهي اليوم مدرسة ثانوية. على أراضي القرية أُقيمت في سنة 1949 مستعمرة طيرات هكرمل، وفي بيت المختار فُتِحَ مركز للشرطة.

في سنة 945ھ/1538م كانت قرية طيرة اللوز تابعة لساحل عتليت الغربي ومن توابع ولواحق مرج بني عامر التي كانت في تصرف الأمير الحارثي طره باي. بلغ عدد دافعي الضرائب فيها 69، وعدد المعفيين اثنان، أي أن عدد سكانها بلغ أكثر من 347 نسمة.

بناء على حجم الضرائب المفروضة على القرية نستنتج بأن أهالي القرية استغلوا أراضي كثيرة في زراعة الحنطة والشعير والسمسم والذرة والقطن والزيتون والتين والخرنوب، كما عمل بعضهم في تربية النحل والمواشي. وقد جبيت من القرية رسوم معادية وهي ضريبة كان يدفعها أصحاب الأبقار. كما كانت هناك أراض نصفها وقف والنصف الآخر خاص بالسلطان، وقد بلغ مجموع ما جبي من القرية 10960 آقجة وهذا المبلغ لا يشمل ريع الوقف وريع الأراضي التي يملكها السلطان، والتي بلغ مجموع وارداتها 17280 آقجة، والآقجة عملة تركية فضية تساوي ثلث بارة أي أن كل ثلاث آقجات كانت تساوي بارة واحدة.

في سنة 1005ھ/1596م بقيت قرية طيرة اللوز تابعة لساحل عتليت، ومن لواحق لواء اللجون، ومن الإقطاع المسمى بزعامت، إذ كانت إقطاعاً لأحمد وعلي ولدي الأمير الحارثي طره باي وإقطاعاً لداود كتخذا، حيث حصل أحمد وعلي على 20000 آقجة، وحصل داود كتخذا على 14000 آقجة.

بلغ عدد دافعي الضرائب 52، أي أن عدد سكان القرية بلغ أكثر من 260 نسمة. يبدو أن انخفاض عدد السكان مرده إلى أن قسماً منهم انتقل إلى حيفا وللمزارع الكثيرة المحيطة بالقرية. بناء على حجم الضرائب المجبية من طيرة اللوز نستنتج بأن أهالي القرية استغلوا أراض كثيرة لزراعة الحنطة والشعير والسمسم والأشجار المثمرة والكروم، كما أن الرسوم المفروضة على الماعز والنحل قد ارتفعت بشكل ملحوظ. أما ريع الوقف البالغ 11000 آقجة، فكان مخصصاً لمسجد جوهر بن عبد الله اكسفي الإمام؟.

في القرن التاسع عشر أضر التجنيد الإجباري بالزراعة في ريف حيفا، إذ يشير الباحثان كوندار وكتشنر إلى التناقص المفاجئ في عدد سكان قرية طيرة الكرمل عام 1872 بسبب التجنيد الإجباري وغياب أو فقدان العديد من سكان هذه قرية، حيث استدعى العثمانيون كل الذكور البالغة أعمارهم 20-26، وأُعفي كل من دفع البدل العسكري ومقداره 10000 قرش، وكذلك أُعفي الابن الوحيد والمعيل الوحيد والمتزوج من امرأة غريبة أو من عبدة. تطور حيفا في أواخر القرن التاسع عشر أدّى إلى هجرة عدد لا بأس به من سكان قرية الطيرة إلى هذه المدينة حيث كانت لهم فيها حارة كبيرة عُرِفَت بحارة الطيرة.

في الأربعينيات من القرن العشرين عاشت في الطيرة ثلاث وثلاثون حمولة ونيف نذكر منها: السلمان، الباش، أبطح، حجير ،عباس، بستوني، شلّح ، هندي، زيدان، أبو عيسى، العلالقة، عمورة، قبيعة، درباس، غنام وغيرها. كانت كثير من العائلات تتحالف مع بعضها البعض لتشكل قوة اجتماعية وسياسية مهيمنة في القرية، والبعض الآخر منها تنافر معها ليشكل جزءاً من المعارضة التقليدية كما تحالفت بعض العائلات الصغيرة الأخرى التي ليس لها جذور في القرية مع حمائل وعائلات كبيرة لتجعل لنفسها عزوة ومكانة في هذا المجتمع الجديد، وكانت تظهر قوة ومكانة الحمولة في الطيرة في المناسبات مثل الأفراح والأتراح، وفي الصراعات مثل انتخاب مختار أو أعضاء جمعية.

في تقرير لـ"الهاغاناه" ورد أنه في يوم الأربعاء 16/4/1947 وصل إلى الطيرة وفد يرأسه الشيخ عبد الرحمن مراد حيث حلوا في بيت المختار أول عبد الله السلمان من أجل تحقيق هدفين: الأول إنشاء فرع في الطيرة للإخوان المسلمين، والثاني عقد راية الصلح بين عائلتي الباش وأبطح المتخاصمتين، إذ قبل ثمان سنوات قتل باشي أبطحياً، فرد الأبطحيون عليهم بالمثل وقتلوا باشياً ومنذ ذلك الحين تسود الفرقة بين الطرفين. في اللقاء الذي تم في بيت المختار عبد الله السلمان حضر جميع وجهاء عائلة السلمان وفقط عدد قليل من وجهاء العائلات الصغيرة والجديدة، وقد وعد المختار بالرد على مساعي الشيخ عبد الرحمن مراد في القريب العاجل، وانتهى الاجتماع دون الوصول إلى صيغة لحل النزاع. من الواضح أن الهاغاناه كانت تجمع معلومات عما يدور في داخل قرية طيرة الكرمل، وتحاول أن تذكي "الفساد" بين العائلات حتى لا تتحد عند اقتراب ساعة الحسم!.

بعد صدور قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947 اندلعت مواجهات بين اليهود والعرب في أنحاء متفرقة من فلسطين راح ضحيتها المئات من الضحايا من كلا الطرفين. في 13 كانون الأول 1947 قامت وحدة من منظمة "الإيتسل" بمهاجمة بيوت تقع في شمالي قرية طيرة الكرمل مستخدمة العبوات الناسفة والقنابل اليدوية والرشاشات.

وقد ورد في كتاب تاريخ الهاغاناه أن هذا الهجوم المباغت أسفر عن نسف منزل، وإشعال النار في آخر، ومقتل ثلاثة عشر شخصاً. وقد كشفت صحيفة فلسطين عن وجود أطفال وشيوخ من جملة الضحايا، وأكدت صحيفة نيويورك تايمز وقوع الهجوم وقالت إن الهجوم استهدف منزلاً مؤلفاً من طابقين يقع على أطراف القرية، وقد أسفر عن سقوط 13 قتيلاً وعشرة جرحى معظمهم من النساء والأطفال، وتدمير البيت بالكامل وإصابة عدة منازل مجاورة بأضرار متفاوتة.

وتقول الشاهدة أم حسن صبحية محمد إبراهيم الباش وهي من مواليد طيرة الكرمل سنة 1927 وتقطن في مخيم اليرموك بدمشق: "استفقنا قبل أذان الفجر على أصوات انفجارات قوية هزت القرية كان مصدرها من الحارة الشمالية للقرية والتي كان يسكنها عائلة الأبطح وحجير وعباس وغيرهم من العائلات الأخرى، هرع الرجال بفوانيس الكاز إلى المكان وشاهدوا الدخان يعلو سماء القرية، والحرائق تلتهم المكان، والنساء والأطفال يصرخون، أخذ الرجال يطفئون النيران ويخرجون الجثث من تحت الأنقاض، وبقي أهالي القرية وعلى أضواء الفوانيس ينبشون الركام، وأذكر أنه نجا من العائلة طفل صغير وجدوه تحت الأنقاض، وقد حماه عمود مائل ظلله، وظلوا هكذا حتى طلوع الفجر، حيث خرجت القرية عن بكرة أبيها نساء وأطفالاً ورجالاً ليشاهدوا ما حدث لأهاليهم وأبناء قريتهم من عائلة الدبور المتفرعة من عائلة حجير وللمنزل المؤلف من طابقين والذي انهار تماماً. وحينه شاهدنا جثث لسبعة عشر شخصاً من بينهم خمسة أطفال".

وتضيف اللاجئة المذكورة أعلاه: "عند الظهيرة وأثناء تشييع الجنازات والتي خرج فيها جميع أهالي القرية مع بعض أبناء القرى المجاورة، انتشر خبر مفاده أن اليهود هجموا على القرية من الجهة الشرقية من ناحية مستعمرة "أحوزا"، عندها تركت النعوش في المقبرة دون لحدهم، وانتشر الرجال على أطراف القرية والتزمت النساء والأطفال البيوت، وأفرغت البيوت الواقعة في أطراف القرية تماماً ونزلوا عند أقاربهم في وسط القرية. وظلت حالة الاستنفار مستمرة والمسلحون مستعدون لأي طارئ إلى أن تأكدوا أنه لا يوجد أي خطر عندها عادوا وألحدوا شهداءهم، ومنذ ذلك الحين أصبح الأهالي يؤرخون الحادثة بـ"موقعة بيت دبور" أو "موقعة دار حجير" في إشارة إلى المجزرة".

خلال الأسابيع اللاحقة تعرضت القرية إلى هجمات أصغر. ففي 5 شباط 1948 شن اليهود هجوماً استمر ساعة ونصف، ولم يُسفر عن وقوع ضحايا، وقد جاء في بلاغ رسمي بريطاني أنه لم يصدر عن القرية أي رد فعل. وفي الصباح الباكر من 22 نيسان شُن هجوم كبير على الطيرة ترافق مع هجوم الهاغاناه على حيفا، وكان هدف الهجوم منع التعزيزات العربية من الوصول إلى حيفا، لكن المحاولة الأولى للاستيلاء على القرية تمت بعد ثلاثة أيام من سقوط حيفا، إذ ذكر المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس أن الهجوم وقع في الساعة الواحدة والدقيقة الأربعين من صباح 25 نيسان، وأن مدافع الهاون والرشاشات استخدمت فيه، لكن سرعان ما حضرت وحدة بريطانية إلى مكان الاشتباك وتوقف إطلاق النار.

وقد أشار موريس إلى أن البريطانيين ساعدوا في إجلاء بعض النساء والأطفال وفي إيصالهم إلى مأمنهم، وهو يضيف أن الهجوم استؤنف في صباح اليوم التالي بعد أن غادر البريطانيون، واستمر إلى أن وصلت وحدة بريطانية أخرى في وقت لاحق من النهار، ونظمت عملية إجلاء أخرى.

رابط في القرية سوريون وعراقيون تابعون إلى جيش الإنقاذ يقدر عددهم بتسعة عشر مقاتلاً، ويبدو أن رجال طيرة الكرمل استطاعوا الحصول على كميات كبيرة من الرشاشات والذخيرة من رجال حرس الحدود الأردنيين المرابطين في المعسكر البريطاني الواقع غربي القرية، ورغم كل ذلك فإن الوضع كان حرجاً للغاية، ما جعل القائد الأردني إدريس بك وسعيد الدجاني يتصلون بالهاغاناه للوصول إلى اتفاق سلام يليه عودة العائلات المهجرة إلى القرية. وفيما يلي وثيقتان وجدناهما في أرشيف الهاغاناه تبينان سير المفاوضات بين الطرفين:

الوثيقة الأولى:

إلى طنا من حيرام/ ع. (سريه 2-مئير) التاريخ: 3/5/1948 جدي

الموضوع: مباحثات بين اليهود والعرب حول سلام في قرية طيرة (الكرمل)

في 28/4/48 جرى لقاء في بيت سعيد بك الدجاني بين اليهود ط.ي وبين العرب: الدجاني، وإدريس بك من قوات الفيلق العربي. في هذا اللقاء بحثوا في شروط السلام في قرية طيرة (الكرمل). طلب اليهود إخبار رجال الطيرة بأن اليهود يوافقون على الصلح مع أهالي الطيرة بنفس الشروط التي كانت في حيفا، أي تسليم السلاح لليهود وطرد جميع الغرباء من القرية. وعد الدجاني بأن يسلم هذه الشروط إلى رجال الطيرة وأن يستمع إلى رأيهم. في نفس اليوم سافر الدجاني إلى الطيرة ونصح رجالها بأن يعيدوا العائلات إلى القرية. ادّعى رجال الطيرة أنهم يخشون من أن يُهاجمهم اليهود ويقضوا عليهم جميعاً. أجاب الدجاني بأنه إذا لم يبدأ رجال الطيرة بمهاجمة اليهود فإن اليهود لن يكونوا البادئين بالهجوم، وإذا كانت لديهم الرغبة في عقد صلح مع اليهود فإنه مستعد لأن يكون وسيطاً بشرط أن يحصل منهم على تفويض رسمي. حسب رأيه إذا نجح في منح أهالي الطيرة نفس شروط السلام التي كانت في حيفا، فإن ذلك سيكون في صالحهم. أجاب رجال الطيرة بأنهم يرغبون في التشاور فيما بينهم، وغداً صباحاً سيسلمونه جوابهم. في 29/4/1948 بدأت العائلات بالعودة إلى القرية، ولكن حتى اليوم لم يصل جواب من رجال الطيرة فيما إذا كانوا موافقين على شروط السلام أم لا.

الوثيقة الثانية:

إلى طنا من حيرام/ ع. (سرية-مئير) التاريخ 5/5/1948 جدي

الموضوع: عقد اتفاقية سلام بين اليهود والطيرة

في الأسبوع الفائت جرت مفاوضات بين سعيد الدجاني ورجال الطيرة حول عقد اتفاقية سلام مع يهود حيفا. بعد أن طلبت الهاغاناه أن يُسلّم رجال الطيرة سلاحهم، أجاب أهالي الطيرة بأنهم غير مستعدين لتسليم سلاحهم، ولكن إذا لم يبدأ اليهود بالهجوم عليهم فإنهم لن يمسوا اليهود بسوء، وذلك لأنه قبل الحوادث الأخيرة كانت لديهم أسلحة، الذي يدير المفاوضات هو سعيد الدجاني.

كان من الصعب على رجال طيرة الكرمل قبول شروط السلام الواردة أعلاه وذلك للأسباب التالية:

1) إن السلام الذي اقترحته منظمة الهاغاناه كان استسلاماً دون قيد أو شرط، كاستسلام حيفا.

2) إن تسليم رجال طيرة الكرمل جميع ما بأيديهم من سلاح يعني سلبهم القدرة على المناورة.

3) إن قيام رجال الطيرة بطرد الغرباء أي المتطوعين السوريين والعراقيين يعني كشف القرية أمام قوات الهاغاناه لتفعل بها ما تشاء.

4) إن استسلام العرب في حيفا لم يمنع نزوح العرب عنها بل بالعكس.

5) يبدو أن سعيد الدجاني كان طبيباً مرافقاً لقوات الفيلق العربي، وهو الذي عُيّن، على ما يبدو، في الستينيات وزير دولة ثم وزيراً للمالية في حكومة وصفي التل في شرق الأردن.

فشل المفاوضات بين الطرفين أدى إلى تجدد الاشتباكات بينهما وإلى نقل المزيد من السكان إلى أماكن آمنة، إذ ذكر بني موريس أنه في 5/5/1948 نقل نحو 600 شخص من طيرة الكرمل إلى جنين ونابلس. ويبدو أن المتطوعين السوريين والعراقيين قد غادروا الطيرة إذ جاء في التلخيص اليومي للمعلومات المقدم في 26 أيار 1948 والموجود في أرشيف الجيش الإسرائيلي أنه بقي في قرية الطيرة عدد قليل من الرجال بعد أن قام الفيلق العربي بإخلاء الأطفال والنساء والشيوخ في بداية شهر أيار، وأن معظم من أُخلوا وصلوا إلى شرق الأردن. قسم من النساء والأطفال والشيوخ لجأ إلى عين غزال وإجزم.

سقطت الطيرة في 16 تموز/يوليو 1948 خلال حرب الأيام العشرة التي فصلت بين الهدنتين. وقد جاء في الجزء الثالث من كتاب تاريخ الهاغاناه أن احتلال الطيرة تم بمساعدة نيران القوات البحرية المساندة للقوات البرية، وكان الهجوم على الطيرة جزءاً من عملية واسعة النطاق أسفرت، أيضاً، عن احتلال كفر لام وصرفند.

أما السكان الذين صمدوا تحت الحصار فكانوا، حسب رواية يوآف جلبر، 36 رجلاً نقلوا إلى معسكر للأسرى و200 من النساء والأطفال الذين نقلوا إلى القاطع الذي يسيطر عليه العراقيون في "السامرة". ويشير جلبر إلى أن رئيس الجامعة العربية عزام باشا اتهم الجيش الإسرائيلي بحرق 28 من المبعدين عن الطيرة وهم أحياء وذلك في قرية اللجون الواقعة عند المدخل الشرقي لوادي عاره.

وقد قدم شكوى بذلك إلى الوسيط الدولي برنادوت مرفقة بقائمة بأسماء الضحايا. خلال التحقيق في الحادث ادّعى الجنرال هاركابي بأن التهمة هي من نسج خيال أهل الشرق، وأنكرها جملة وتفصيلاً. أما بيني موريس فيشير إلى أنه ما بين 25-30 عربياً قتلوا بالقرب من قرية عين غزال معظمهم من الطيرة، وعندما تعفنت جثثهم قام الجيش الإسرائيلي بحرقها فلما لم تكف كمية الحطب أُمِرَ الأسرى العرب بدفنها.

هذه المعلومات تشير إلى حادثتين منفصلتين وليس إلى نفس الحادثة، وعن الحادثة الأولى أفادت الشاهدة رحمة إبراهيم الحاج التي استدعيت إلى نابلس للمثول أمام مراقبي الهدنة بالآتي:" عندما وصلنا شرقي اللجون قال اليهود: انزلوا من الباصات، وكل واحد يجلس على صرة ملابسه على شكل دائرة. كنا في غاية العطش وطلبنا الماء، قال اليهود بالعربية: انتظروا، وذهبوا في اتجاه الباصات وعاد كل واحد منهم يحمل تنكة وبدأوا يصبون محتوياتها على الصرر وعلى العجزة، ثم أشعلوا النار فيهم وذهبوا. كنت أصغر وأقوى من البقية، فلما شممت أن السائل بنزين وليس ماء، هربت إلى الجهة البعيدة عن النار وجريت واختبأت تحت صخرة إلى الصباح، وكنت أرى النار مشتعلة والناس يصرخون ويستغيثون، وفي الصباح ذهبت إلى مكان المحرقة، وعندما وقع بصري على عدة جثث متفحمة، استبد بي الرعب، فلم أبق لحظة واحدة لأعدهم. وجريت إلى أن وصلت إلى قرية زلفة حيث وقعت على الأرض من الرعب والإعياء. اعتنى بي أهالي القرية ثم أخذوني إلى جنين". في 24 تموز 1948 بدأت الطائرات الإسرائيلية بقصف قرى مثلث الكرمل: عين غزال، جبع وإجزم بالطائرات ففر الأهالي إلى عرعرة.

من بين الفارين كانت مجموعة من أهالي طيرة الكرمل بينها مسلح إنكليزي الأصل يحمل رشاشاً من نوع برن، وقد شاهده رواتنا وهو يحامي عن أهل الطيرة وقد أسمى نفسه محمداً، وانضم إلى فوج الكرمل وبقي يدرب العرب على غرس الألغام حتى انفجر به لغم فاستشهد في وقت لاحق.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018