من دفاتر النكبة (29): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (3)../ د.مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (29): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (3)../ د.مصطفى كبها

تعرضنا في الحلقة السابقة إلى الخطة العامة لعمل الجيوش العربية، وسنستعرض في هذه الحلقة وفي حلقات قادمة آليات تنفيذ هذه الخطة من قبل الجيوش العربية كل على حدة.

الجيش الأردني بين تلكؤ وتواطؤ قيادة جلوب باشا وحماس الضباط والجنود العرب: كان الجيش الأردني هو الجيش العربي الوحيد من بين الجيوش العربية الذي كانت له وحدات نظامية رابطت في فلسطين قبل القرار بإرسال الجيوش العربية النظامية إليها.

وقد رابطت هذه الوحدات في منطقة ميناء حيفا وفي معسكر بيت نبالا وفي منطقة أريحا. وقد شاركت بعض هذه الوحدات في الحرب العالمية الثانية ضمن المجهود الحربي لقوات الحلفاء بحيث كانت من أفضل الجيوش العربية تسليحاً وتدريباً، هذا مع العلم بأن القيادة العامة للجيش بدءا من ضباط الصف وحتى القادة الكبار كانوا من الضباط البريطانيين، ولم يتعد عدد الضباط الكبار من العرب أصابع اليد الواحدة ( كان بين الخمسين ضابطاً كبيراً الذين قادوا قوات الجيش العربي خمسة فقط من الضباط العرب؛ وهم عبد الله التل، صدقي الجندي، حابس المجالي، عبد الحليم الساكت وعلي الحياري، علماً بأن صدقي الجندي وعبد الحليم الساكت انتميا لسلك البوليس ولم يكن لهما خبرة في المجال العسكري ).

أما القائد العام لهذا الجيش فقد كان جون باغوت غلوب وهو من الضباط المؤسسين للفيلق العربي بحيث وقف على رأس الجيش الأردني قرابة الثلاثين عاماً إلى أن قام الملك حسين بن طلال بتنحيته عام 1956 فيما عرف في حينه بعملية تعريب الجيش.

وقد حاول جلوب جاهداً طيلة هذه الفترة الانغماس الكامل في أشكال الحياة اليومية العربية من حيث اللباس ولغة التحدث والمآكل وحفظ الشعر والمأثورات العربية ولكنه لم ينس يوماً انتماءه لبريطانيا العظمى وتفانى في خدمة مصالحها ومصالح حلفائها.

وقد وثق جلوب تجربته هذه بكتاب أسماه "جندي مع العرب" يحاكي فيه ابن جلدته توماس لورانس في كتابه المشهور "أعمدة الحكمة السبعة" من حيث كونه ينضح بمعاني الاستشراق والاستعلاء على قوم منحوه ثقتهم وسلموه مقاليد الأمور.

بلغ عدد أفراد الجيش الأردني الذين اشتركوا في القتال قرابة 4500 جندي، يضاف إليهم 1500 من المتطوعين (يختلف هذا العدد الوارد في العديد من المصادر مع العدد الذي أورده عبد الله التل في كتابه "كارثة فلسطين" والذي يحدث فيه عن 9050 مقاتل ). انضووا في إطار أربعة ألوية ضمت خمسة عشرة كتيبة، وقد أخذت مواقعها حسب التفصيل التالي:

اللواء الأول تمركز في منطقة مدينة رام الله وقرية النبي صموئيل وقرية بدو، وتوزعت كتائب اللواء الثاني والتي ضمت بطاريات المدفعية وبعض فرق المستودعات والذخائر وبعض الكتائب المدرعة بين أريحا ورام الله والخليل واللد والرملة ونابلس ومنطقة جسر المجامع.

أما قوات اللواء الثالث في منطقة اللطرون والتلال المشرفة على منطقة باب الواد الإستراتيجية جاعلة من قرية يالو مقر قيادة لها. أما اللواء الرابع فقد جعل من مدينة رام الله مقر قيادة له فيما توزعت كتائبه بين رام الله وأريحا ومنطقة الجفتلك والخان الأحمر ومنطقة جسر داميا.

امتلكت هذه القوات من العتاد والذخائر ما مجموعه: 72 مدرعة ثقيلة مجهزة بمدفع ورشاشين، 52 مدرعة خفيفة مجهزة برشاشين، 24 بطارية مدفع من عيار زنة 25 رطلاً، 38 بطارية مدفع من عيار زنة ستة أرطال، 40 مدفع هاون، 29 مدفعا من قياس 2 بوصة، 334 رشاشاً من طراز برن، 22 رشاشاً من طراز فيكرز، 35 رشاشاً من طراز هوشكيز، 668 رشاشاً من طراز طومسون و7359 بندقية.

إن المتأمل لهذه الأرقام يمكن أن يلحظ بان قوات الجيش الأردني كانت مسلحة تسليحاً جيداً، ومجهزة بالعتاد الكافي ليخوض الحرب كما خطط لها. ولكن اللواء عبد الله التل قائد الكتيبة السادسة يتحدث في كتابه عن خلل في توزيع هذا العتاد بين الكتائب والفرق المختلفة بحيث جعل السلاح الحديث والثقيل تحت إمرة ضباط بريطانيين يأتمرون بشكل مباشر بأوامر جلوب باشا الذي اهتم، حسب أقوال عبد الله التل، بعدم منح الفرق والكتائب التي كانت تحت إمرة الضباط العرب المدافع الثقيلة والسيارات المدرعة وكافة وسائل الحركة السريعة والناجعة.

وقد قال عبد الله التل في ذلك ملوحاً إلى تواطؤ بريطاني واضح: "وثمة أمر هام وهو أن الكتائب التي كان يقودها الإنجليز كانت مسلحة ومتحركة وجنودها المشاة تنقلهم السيارات، وقد بلغ عدد سيارات كل كتيبة بما في ذلك المدرعات أكثر من مئة سيارة، بينما لم تصرف للكتائب التي يقودها العرب – أي الرابعة والخامسة والسادسة – سوى عدد قليل من السيارات لم يتجاوز أصابع اليد".

لم يفتأ التل عن ذكر هذا التواطؤ في كافة أجزاء كتابه ويستشف مما كتبه بأن المنجزات العسكرية للجيش الأردني في معارك القدس القديمة وباب الواد وكفار عتسيون كانت رغماً عن هذا التواطؤ. وعن ذلك سنفصل في الحلقة القادمة.