تقرير: جدار الفصل العنصري يدمر جهاز الخدمات الصحية في مستشفيات القدس الشرقية

تقرير: جدار الفصل العنصري يدمر جهاز الخدمات الصحية في مستشفيات القدس الشرقية

اكد تقرير جديد كشفت عنه جمعية "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، اليوم الأربعاء، أن إسرائيل كانت السبب في تدهور الوضع الصحي ووضع المستشفيات الفلسطينية في مدينة القدس (البلدة القديمة)، وذلك لأن جدار الفصل العنصري يمنع الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية من الوصول إلى المركز الطبي الأول في الأراضي المحتلة، مستشفيات القدس، كما يعرض إستمرار بقاء هذه المستشفيات إلى الخطر!

وتشكل القدس الشرقية مركزا طبيا يسعى إلى تقديم الخدمات الطبية للسكان الفلسطينيين. وثمة خدمات طبية معينة، كعلاج الأورام الخبيثة، عمليات القلب المفتوح، عمليات القلب للأولاد، وبعض عمليات الأعين والعظام لا تتوفر إلا في القدس ولا يمكن الحصول عليها في الضفة الغربية أو قطاع غزة. وبالرغم من ذلك فقد جرى عبر السنين فصل القدس الشرقية عن سائر المناطق المحتلة، ووصلت مرحلة الفصل مؤخرا حدا قياسيا مع بناء الجدار.

وجاء في التقرير: يمكن استشعار الأمر في أطراف القدس الشرقية على الخصوص – ففي بلدة الرام مثلا كان يعتمد السكان على الخدمات المقدمة في القدس، بينما يضطرون الآن إلى السفر لمدن فلسطينية أخرى سعيا وراء الخدمة الطبية. إن لهذا الفصل التعسفي بين المستشفيات والمرضى تأثيره السلبي الكبير على المستشفيات ويهدد مستقبل وجودها. فمثلا، انخفض عدد المرضى الوافدين من قطاع غزة والضفة الغربية إلى النصف: من أصل 344172 في العام 2002 إلى 177500 في العام 2003. هذا العدد مستمر في الانخفاض.

وأضاف التقرير، أنّ "الحل" الذي تقدمه إدارة الجيش – التصاريح – فشل فشلا ذريعا، إذ أن عدد الفلسطينيين المحتاجين إلى العلاج يفوق كثيرا عدد الأشخاص الحاصلين على التصاريح لدخول القدس. وثمة حالات لم يحصل فيها حتى الطواقم الطبية على تصاريح للعبور، مما يؤدي إلى عجز مستشفيات القدس الشرقية عن أداء دورها الإنساني في معالجة مرضاها.

وطبعا، فإن المرضى هم الخاسرون الأوائل بسبب سياسة إسرائيل الساعية إلى الحفاظ على سلطتها في القدس الشرقية التي ضمت بشكل غير قانوني بعد حرب 1967.

وجاء في التقرير ان المستشفيات غير قادرة على القيام بعملها دون مرضى، ويعاني المرضى من حظر وصولهم إلى المستشفيات. وتسفر تنتائج ذلك عن ضرر في كافة النواحي التي يتطرق إليها التقرير. وعليه يصل التقرير إلى الاستنتاجات المتصلة بشتى النواحي: تقديم الدعم السياسي، الاقتصادي والمهني الطبي لهذه المستشفيات، من أجل عدم وقوعها ضحية للسياسة الاسرائيلية.
وجاء في التقرير، أنّ جدار الفصل يمنع الفلسطينيين القاطنين في الضفة الغربية من الوصول الى المركز الطبي الرئيس والمتقدم في المناطق المحتلة – مستشفيات القدس الشرقية، ويشكل خطر على وجودها وإستمرارية عملها.

وعلى سبيل المثال، يورد التقرير قصة امرأة فلسطينية مسنة: مريم مزهر، البالغة من العمر 71 عاما، والمقيمة في مخيم الدهيشة للاجئين القريب من بيت لحم، وهي تعاني من فشل كلوي ومن السكري الذي تسبب بفقدانها للنظر. وجاء في التقرير ان وضعها الصحي يتطلب إجراء غسيل للكلى (الدياليزه) لها، ثلاث مرات اسبوعيا بإشراف طبيب أخصائي ، الأمر غير المتوفر في المستشفى المحاذي لبيتها (مستشفى الحسيني في بيت جالا). لقد تقدمت مريم بعدد من الطلبات للحصول على إذن للدخول إلى مستشفى أوغوسطا فيكتوريا (المُطلع) في القدس الشرقية، ولكن من غير طائل. فقد اعتبرت السلطات الإسرائيلية مريم "ممنوعة أمنيا".

وتقول مريم إن الإسرائيليين يحاولون منذ زمن طويل الضغط عليها بكل الوسائل المتاحة وإجبارها على تسليم ابنها المطلوب. في الـ-17 من كانون الأول 2005 تقدمت جمعية أطباء لحقوق الانسان بالاتماس باسم مريم لمحكمة العدل العليا (رقم 556/05)، وذلك بعدما فشلت كافة المحاولات السابقة لإستصدار تصريح يُخول مريم دخول القدس والوصول لمستشفى المُطلع. في ال-19 من كانون الأول تم التوصل إلى حل مع السلطات الاسرائيلية، يتم بموجبه السماح لمريم بدخول القدس، بناء على تصريح خاص يتم تجديده كل ثلاثة أشهر.
ويتابع تقرير "جدار في القلب" أثر الجدار الفاصل المقام في القدس على المركز الطبي الفلسطيني في شرق المدينة. ويبحث التقرير في الأشكال التي يؤثر فيها الجدار على قدرة وصول المرضى الفلسطينيين من الضفة الغربية والبلدات الفلسطينية المجاورة للقدس إلى القدس الشرقية ومستشفياتها، وهو يتطرق أيضا إلى الصعوبات التي تعاني منها تلك المستشفيات بسبب الفصل المتتالي بينها وبين الجمهور الذي يستفيد من خدماتها. ويؤكد التقرير، ان "جدار الفصل يهدد مستقبل هذه المستشفيات إما كنتيجة حتمية لسياسة مخططة أو كنتيجة لعملية الفصل نفسها".

في محيط 20 كم من البلده القديمة في القدس يقيم حوالي نصف مليون فلسطيني. قسم من هؤلاء مقادسة يحملون الهويات الزرقاء، وتشكل القدس مدينة مركزية بالنسبة لهم، يستفيدون فيها من كافة الخدمات ذات الأهمية الخاصة، ومن ضمنها الخدمات الطبية. غير أنه، ومنذ نصبت الحواجز في مداخل المدينة في نهاية العام 2000، ولا سيما مع إقامة جدار الفصل الممتد من الشمال والشرق والجنوب، انخفض عدد المرضى الذين ينجحون في الوصول إلى مستشفيات المدينة انخفاضا حادا، ويضطر عدد كبير منهم إلى التخلي عن العلاج الطبي الذي يحتاجون إليه، أو إلى اللجوء إلى مدن أخرى في الضفة الغربية. إلا أن القدس شكلت في الماضي، وهي تكافح اليوم لأن تبقى المركز الطبي الرئيس والمتقدم لعموم سكان المناطق المحتلة، فهي تقدم خدمات صحية خاصة لا تتوفر في مستشفيات أخرى.

تعمل في القدس الشرقية تسع مستشفيات تحوي 524 سريرا، تشكل 11.2% من مجموع أسرة مستشفيات المناطق المحتلة. وتعتبر هذه مستشفيات المتقدمة في المناطق المحتلة. وهي تقدم منذ إقامتها قبل عشرات السنين الخدمات للسكان الفلسطينيين في كافة أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة، لا سيما في الحالات الطبية الصعبة والمستعصية كحالات الأورام الخبيثة، عمليات القلب المفتوح وعمليات القلب للأولاد، حالات جراحة العظام المستعصية وعمليات العيون.

في العام 2002 زار العيادات الخارجية التابعة للمستشفيات الفلسطينية في القدس 344.172 مريضا من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. غير أن هذا العدد انخفض في العام 2003 إلى النصف، فقد وصل إلى عيادات المستشفيات 177.500 مريض فقط من الضفة الغربية وقطاع غزة. منذ ذلك الحين وهذا العدد يشهد انخفاضا مستمرا وحادا.

ويتابع التقرير: إن الحل السحري الذي تقترحه الإدارة المدنية الإسرائيلية - أي استصدار تصاريح الدخول من السلطات الاسرائيلية، أثبت فشله، فهناك هوة كبيرة بين عدد المحتاجين للعلاج وبين الحاصلين على هذه التصاريح.

إن أثر الاغلاق والجدار على المستشفيات مدمر. ورغم ان المستشفيات ليست هدفا بحد ذاته، الا انها تشكل رمزا للوجود الفلسطيني في القدس الشرقيه.

إن مواصلة بناء الجدار يؤسس لفصل المستشفيات عن الجمهور الذي تخدمه وعامليها من سكان المناطق المحتلة. ارتباط المرضى الفلسطينيين من سكان المناطق المحتلة بهذه المستشفيات من ناحية، وطواقم العاملين في تلك المستشفيات من ناحية أخرى، بالتصاريح الصادرة عن سلطات الجيش الاسرائيلي – يبقي السيطرة والقوة بايدي اسرائيل ويمنع المستشفيات من الاستفادة من قوى عاملة مؤهلة ويحرمها من مصدر دخل مهم لإستمرار عملها. إن هذا ليس إلا أحد الأشكال الاضافية لفصل القدس الشرقية عن الضفة الغربية.

ويخلص التقرير إلى القول: لا شك لدينا في أن إسرائيل ستكون مستعده لتحمل وجود "فلسطينيين سكان القدس الشرقية"، إن كان الأمر في أعتاب مفاوضات ممكنة، او حتى بدونها. إلا أنها غير مستعدة أن تتحمل وجود مركز فلسطيني يصرح أنه كذلك. وعليه فإن جدار الفصل يستهدف قبل كل شيء هدم التواصل مع الضفة الغربية. وعليه فإن المركز الطبي في القدس بحاجة ماسة إلى دعم عاجل في نواح عدة مترابطة:

الناحية الطبية: المستشفيات بحاجة إلى دعم ولنظام مراقبة متفق عليه يحمي معاييرها الطبية.

الناحية الاقتصادية: المستشفيات بحاجة إلى دعم مالي يؤمن تطورها ويحفظ مستواها الطبي.

الناحية السياسية: الوضع الذي وصلت إليه المستشفيات يتطلب اتخاذ خطى ضد المحاولات الاسرائيلية لوأد المستشفيات وتقييد عملها. على السلطة الفلسطينية والمنظمات الدولية التحرك السريع في هذا الشأن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018