لا وقت للتوقف أمام الأحزان في غزة..

لا وقت للتوقف أمام الأحزان في غزة..

عادت الحياة تدب في شوارع مدينة غزة، وبدأ الغزيون يتنفسون الصعداء بعد قرار وقف إطلاق النار الذي أعلن قبل يومين لمدة أسبوع، تقوم إسرائيل خلاله بسحب قواتها إلى حدود مع قطاع غزة.

في اليوم الثاني لقرار وقف إطلاق النار شهدت شوارع المدينة ازدحامها المألوف، والذي غاب في اليوم الأول، حيث بدأت المحال التجارية والأسواق تفتح أبوابها أمام الزبائن الذين كانوا يمرون على هذه المحال إما للسؤال أو لشراء بعض المستلزمات.

عشرات العائلات الفلسطينية النازحة بدأت تترك أماكن نزوحها، وعادت محملة ببقايا ما أخرجته من منازلها قبيل الرحيل سواء عبر سيارات أو شاحنات نقل أو حتى عربات تجرها حيوانات، وكل له وجهته سواء إلى شرق غزة أو إلى الشمال او إلى الجنوب وبالذات المناطق التي كانت مسرحا لعمليات قصف واشتباكات مسلحة.

الصخب في الشوارع الناتج عن ضوضاء السيارات أو حتى أصوات الناس كان رسالته بأن غزة بدأت تعود للحياة حتى بعد سقوط مئات الضحايا وتضرر الآلاف من المباني السكنية جراء العدوان، وكأن هذه البقعة من العالم تعودت على دفن جراحاتها مبكرا والمكابرة عليها لأن الحياة لدى الغزيين لها مفهوم خاص.

مئات التساؤلات تطرح نفسها من خلال نظرات الحائرين والمصدومين فيما التساؤل الأكبر " هل سيستمر الهدوء في غزة أم سنعود لأيام الحرب مرة أخرى"..

في الأماكن المدمرة في غزة، خاصة مناطق شمال وشرق وجنوب غزة، أصبحت أمس واليوم وربما لأيام قادمة وجهة الغزيين حتى هؤلاء الذين لا يقطنون المنطقة ولكن ليكونوا شهودا على ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية.

هؤلاء الذين قدموا من كل مكان في غزة إلى الأماكن المدمرة شمروا عن سواعدهم وبدأوا بمساعدة العائلات المنكوبة برفع الأنقاض بأيديهم أو بما تيسر من الأدوات لإخراج ما يمكن إخراجه من بقايا ملابس أو آلة كهربائية لا زالت على حالها أو أغطية أو أي شيء قد يساعد العائلة المنكوبة على الحياة مرة أخرى ولكـن هيـهات.

في عزبة عبد ربه قرب المنطقة الحدودية الحاجة أم عمر تواسي جارتها التي فقدت أربعة من أبنائها، وفقدت في الوقت نفسه منزلها بالكامل تقول لها "الحمد لله على ما حصل"، فيما الحاجة أم عمر تقف على أرض كانت تحمل منزلها المكون من خمس طبقات إلى جانبه المسبح المفضل لدى أبنائها وجيرانها، وتنظر إلى منزلها والى جارتها وتشيح ببصرها، وتنظر إلى زوجها الذي وقف بعيدا وترسل له رسالة "نحن أفضل حالا من جارتنا.. فقدت منزلي فقط، وأبنائي لا زالوا إلى جانبي وسيبنون لنا منزلا آخر".

ورغم كبر حجم الحزن قرر أهل غزة التمرد عليه، والخروج منه كخروج العنقاء من وسط الرماد.. تراهم يستذكرون أيام العدوان أحيانا ببعض النكات والمواقف الضاحكة، وأحيانا ببعض الحزن والأسى، فيما الحياة تستمر.. لا وقت للتوقف أمام الأحزان هنا في غزة..