بيت حانون ابتسامات جاوزت الدم والدموع..

بيت حانون ابتسامات جاوزت الدم والدموع..

بيت حانون مدينة الفقر والموت والمقاومة ...كانت على موعد مع عرسها الدموي العاشر منذ اعادة الانتشار الاسرائيلي من القطاع في العام الماضي .

فجر ... خلف وراءه دمارا وخرابا هائلين سببته قوافل الموت الاسرائيلية القادمة من الشرق والشمال الشرقي الامر الذي حدا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لاعلانها مدينة" شهيدة" لا حياة فيها لمن تنادى بعد ستة ايام من الاستهداف الإسرائيلي المجنون للأخضر واليابس وتحويلها من مدينة زراعية كانت تسمى من قبل سلة فلسطين للخضار الى بلدة جرداء انهزم فيها اللون الاخضر بعد صراع مع الالوان تغلب فيها اللون الاحمر مسقطا 63 شهيدا وثلاثمائة مصابا من ابناء البلدة .

ستة ايام من حصار الدم والخراب هي الاطول على سكان فقراء البلدة المسحوقة حولت الشارع الرئيسي فى بيت حانون الى صحراء موحلة بعد ان خاصمته السيارات واصبحت تبحث لها طرقا اخرى اقل وعورة من هذا الشارع الذى امتلا بالحفر وتكسرت جوانبه بشكل لا يسمح لاى وسيلة مواصلات استخدامه للعبور الى منطقة اخرى وامتلأ" بمياه الصرف الصحي التي اختطلت بالرمل لتشكل عائقا امام المشاة ايضا .

فى احد جوانب الشارع الرئيسى مدخلا إلى شارع يسمى " شارع المصريين" ..مجاميع من النساء يتسابقن للحاق بموكب تشييع مجزرة الاربعاء الاسود التي راح ضحيتها 20 من ابناء البلدة " ابناء يحملون نعوش الابناء ونساء يتسابقن للمشاركة في جنازة الابناء واباء تقتلهم حسرات الموت والخراب في مشهد جنائزي تستقرأ منه لحن الموت الاخير للامل والمجزرة والحياة "..

خطواتهن السريعة جدا رغم كبر سن بعضهن للمشاركة فى الجنازة كانت دليلا كبيرا على ان بيت حانون التي يقطنها حوالى 60 الف نسمة انما يشكلون عائلة واحدة مصابهم واحد وفرحهم واحد فكيف ان كان المصاب جللا ..

جنازة التشييع كانت كبيرة جدا عشرات الألاف من اهالى البلدة والبلدات المجاورة " بيت لاهيا، جباليا " وباقى مدن ومحافظات قطاع غزة الذين كانت قبلتهم مدينة الموت منذ الصباح للمشاركة في تشييع هذه الجنازة والتي كان سبقها بيوم واحد فقط جنازة حمل على الاكتاف فيها عدد مماثل .

يضنيك البحث بين نظرات طفل هنا وعجوز هناك ...شاب او امراة هناك عن شئ تلمس فيه كيف ستكون الايام المقبلة على هذه البلدة المنكوبة هى واهلها .

الأطفال النسوة يتهافتون على سرد تفاصيل مرعبة عن مشهد الايام الستة التي لم يرو فيها الشارع ليستيقظوا في سابعها على مجزرة بشعة فى احد شوارع مدينتهم .

"ام عماد المصري" سيدة فى الاربعينات من العمر قالت " تعرضنا للكثير من الاجتياحات السابقة ولكن هذا الاجتياح كان هو الاسوء على الاطلاق فلم نتمكن من الخروج من منازلنا او حتي النظر عبر النوافذ لان الدبابات الاسرائيلية كانت تحاصر جميع المنازل وكان القناصة الاسرائيليين يعتلون اسطح الكثير من المنازل القريبة .

وتضيف " ان زوجة ابنها ميساء انجبت فى اليوم الاول للاجتياح ولم تتمكن اخذها الى المستشفى مباشرة مشيرة الى انها استطاعت اخذها الى المستشفى بعد صعوبات بالغ وقالت إنها عادت الى المنزل مع زوجة ابنها التي انجبت طفلة فى اليوم الرابع للاجيتاح بعد ان رفع الحصار عن البلدة مدة ساعتين" .

الطفل جهاد المصري ذو الوجه والهم المتجاوز لعمره يعلن عن غضبه الشديد جراء ما خلفه الاحتلال الاسرائيلي بعد عمليته العسكرية وبعد ارتكابه مجزرة فى البلدة " السنا اطفالا السنا بشرا ليتدخل العالم لانقاذنا من القتل والدمار الذى نتعرض له" .

شقيقه علاء الذى جاء بعد مشاركته فى تشييع جثاميين مجزرة بيت حانون والتي كان من بينها احد زملائه فى المدرسة قال " لن تستطيع اسرائيل ان تفعل لنا شيئا وسنواصل المقاومة ليس فقط بحمل السلاح بل بحمل سلاح العلم لان اسرائيل تحاول استهداف الاطفال والشباب حتى تقتل فينا الامل ."

حنين ذات الاثنا عشر ربيعا وابتسامتها التي زادتها رقة جاءت لتروى ذكرياتها مع الاجتياح الاخير " دبابة اسرائيلية دخلت الى ارضهم التي كانوا يعتاشون منها ويزرعونها الخضروات ما ادى الى تدميرها تماما ومن ثم جاءت جرافة لتجرف الارض بما فيها ."

واضافت "جيش الاحتلال قضي على آخر مصدر رزق لهم وعلى الارض التي كنا نعتاش منها " وتمنت الطفلة الصغيرة ان يقوم احد باعادة ارضها ليتمكن والدها الذى لا يمتلك عملا من العودة للممارسة عمله فى الارض .
ليس بعيدا عن شارع المصريين يقع مستشفي بيت حانون الصغيرة التي بنيت بطابقيها الاثنين على مساحة ثلاثة دونمات وتم افتتاحها منذ خمسين يوما تقريبا استقبل خلال الايام السبعة الماضية رغم ضعف امكانياته 36 شهيدا وما يقارب من مائة وخمسين جريحا .

يقول الدكتور جميل محمد على مدير المستشفى" ان ما حدث كان اختبارا لقدرات المستشفى التي لم تكن معدة اصلا لمثل هذه الاوضاع"موضحا ان مشفاه " يتكون من قسم للاطفال وقسم للباطنة وجراحة عامة وجراحة اطفال واذن وحنجرة وهي مستشفى ميدانى لخدمة اهالى بيت حانون وتم افتتاحها قبل خمسين يوما فقط ."

ويضيف ان طاقم المستشفى عمل خلال ستة ايام بطاقة كاملة لمدة اربع وعشرين ساعة يوميا وسط ظروف صعبة للغاية خاصة فى ظل عدم توفر الامكانيات الاساسية كالماء والكهرباء ونفاذ المخزون الاساسي من المواد الطبية اللازمة الى جانب الشح الكبير فى وحدات الدم امام هذا العدد الكبير من الاصابات والحالات .

وقال " ان مستشفى بيت حانون التي حوصرت خلال الاجتياح من بوابتها الاربع وانقطعت عن العالم الخارجي بسبب انقطاع خطوط الهاتف وعدم تمكن الطواقم من اجراء الاتصالات اللازمة قامت بعد انتهاء الاجتياح بتقديم خطة لوزارة الصحة لتفادى كافة الاخطاء التي تم الوقوع بها تحسبا من اجتياحات اخرى او احداث مماثلة تقع فى البلدة" .

ورغم حديثه المحزن عما حدث له ولطاقمه الطبى فى المستشفى خلال ستة ايام من الاجتياح ويوم مجزرة بيت حانون قام بتوزيع بعض الحلويات وقال " رغم كل ما نمر به الا اننا شعب يحب الحياة "


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018