في القدس: مع بداية العام الدراسي الجديد مدارس "سوبر" وطلاب بلا مدارس../ راسم عبيدات*

في القدس: مع بداية العام الدراسي الجديد مدارس "سوبر" وطلاب بلا مدارس../ راسم عبيدات*

.....مع بداية العام الدراسي الجديد تتكشف حجم المأساة التي يعيشها طلاب مدارس القدس العربية، ليس المدارس الحكومية وحدها، والتي تديرها بلدية الإحتلال ودائرة معارفها، بل والمدارس الخاصة والأهلية والتي تتبع جهاز التربية والتعليم الفلسطيني.

فالتعليم في المدارس الحكومية قلنا فيه ونشرنا عنه المقالات،أكثر مما قاله مالك في الخمر وقيس في محبوبته ليلى، ومن خلال صلتي في هذا القطاع وكوني رئيس لجنة أولياء أمور مدارس المكبر، ألخص لكم المشكلة بالقول إنها أكثر من كارثية، حيث الكثير من الطلبة ليس لهم أماكن، والذي يجد له مكان بصعوبة، فيحشر في صفوف هي أقرب إلى غرف الإعتقال منها إلى صفوف تعليمية، وفي غرف ليست مجهزة ومعدة لأن تكون غرف صفية، حتى أن الغرف الصفية للمدرسة الواحدة، تكون موزعة على أكثر من بناية ومتباعدة عن بعضها بشكل كبير، مما يسبب مشكلة وإرباكاً في المتابعة والإشراف وضياعاً للوقت والجهد، وبعض المدارس بل أغلبها أصبحت تشترط في الطلبة الذين يأتون إليها من مدارس أخرى، الحصول على معدل ثمانين فما فوق، والتقدم لامتحان قبول، وكل ذلك حتى لا يؤثر على نسبة النجاح عندها في امتحانات التوجيهية العامة، ولكي يكون لها مبرراً عندما تنشر إعلانات التهنئة في الصف المحلية، للتفاخر والقول بأن نسبة النجاح عندها كانت قريبة من المائة، وان لديها طاقات وكفاءات علمية وأكاديمية، وهذا يتطلب رفع الأقساط "وحلب أكثر لذوي الطلبة".

أما الدور الذي لعبته في تسريب الطلبة من خلال عدم قبولها للطلبة ذوي المعدلات المتوسطة والمنخفضة، فهذا لا تتحدث عنه ولا تتحمل مسؤوليته، حتى أن إحدى المدارس الثانوية ألزمت سبعه وعشرين من طالباتها ذات القدرات الأكاديمية المتوسطة والضعيفة، بعدم التقدم لامتحان الدراسة الثانوية العامة، تحت يافطة التقدم لامتحان الثانوية المهني، لكي نكتشف لاحقاً، عدم وجود توجيهي مهني وضياع امتحان التوجيهية على الطالبات.

والمشكلة هنا لا تخص مدرسة لوحدها، بل إن المدارس الخاصة والأهلية أكثر لجوءاً لهذا الأسلوب من المدارس الحكومية. وهناك مسألة أخرى يجب التوقف أمامها من كافة الهيئات والجهات المسؤولة، أن العديد من المدارس الخاصة والأهلية، تتلقى من بلدية القدس دعماً مالياً مقابل استيعاب الطلبة، وفي المقابل، فإن أقساطها خيالية، وفي كل سنة تفرض شروطاً إضافية على الأهالي بالنسبة للقبول. والحق يقال هنا أن أهالي الطلبة ذوي المدارس الخاصة والأهلية يلقى عليهم أعباء كبيرة في تدريس ومساعدة أبنائهم في الواجبات المعطاة لهم.

والمأساة هنا أن العديد من الأهالي لا يقومون بتدريس أبنائهم في المدارس الحكومية، ليس من باب المستوى التعليمي والإلتزام والانضباط في تلك المدارس، بل من باب " الفشخرة" والتباهي الإجتماعي، وبكل المعايير والمقاييس، فإن المستويات التعليمية بين القطاعين الحكومي والخاص، أصبحت إلى حد كبير متقاربة، وما ينطبق على القطاع التعليمي الحكومي، من حيث نقص المباني والغرف الصفية، فإنه يبدو بشكل أكثر وضوحاً في القطاع الأهلي والخاص، حتى أن إحدى المدارس العريقة في القدس، ولفترة قريبة كانت مهددة بالإغلاق، لكون السلطة لم تقم بدفع بدل الإيجار إلى صاحب الملك، والسلطة ليست فقط لا تبدي اهتماما في القطاع التعليمي الحكومي، والتي تعتبر أن هذا الشأن لا علاقة لها به، بل أن الإهمال والقصور يطال القطاعين التعليمي الأهلي والخاص.

وهناك مشكلة على غاية الأهمية، تعاني منها مدارس القدس عموماً، وهي النقص الحاد في عدد المدرسين للتخصصات المختلفة، والمفترض لو كان هناك اهتمام جدي في هذا الجانب، أن يتم تخصيص عدد من المقاعد في الجامعات المحلية لمجموعة من الطلبة، وعلى حساب السلطة وفي تخصصات يحتاجها القطاع التعليمي في القدس، وإلزامهم بالتدريس في هذه المدارس من خلال توقيع عقود معهم، وخاصة أن الجدار ألحق ضرراً بالغاً بالقطاع التعليمي في القدس، حيث لا يسمح لمدرسين ولا طلبة من خارج ما يسمى بحدود بلدية القدس بالتدريس والدراسة في هذه المدارس، وبما يؤشر إلى سعي الإحتلال الجدي لتدمير العملية التربوية والتعليمية في القدس، وضمن السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تهويد المدينة المقدسة وأسرلة سكانها، وبالتالي فالتصدي لهذه السياسة وتحديداً في هذا القطاع الهام جداً، لا يكون عبر البيانات والتصريحات والشعارات، بل لا بد من وضع خطط ورسم إستراتيجيات ووضع حلول عملية، تنقذ هذا القطاع من الكارثة المحدقة به، وإلا ما حدث في اللد والرملة سيحدث في القدس، فالمعطيات التي صدرت عن المكاتب الرسمية الإسرائيلية، أشارت بشكل جلي وواضح إلى حجم الكارثة والمأساة، عندما اعترفت لأول مرة، بأنه من كل طالبين من طلاب المرحلة الثانوية في المدارس الحكومية العربية، يتسرب طالب، ناهيك عن النقص الحاد في الغرف الصفية والذي لا يقل عن 1350 غرفة صفية.

والمتابع لأوضاع هذه المدارس يلمس هذا بشكل بارز، حيث أن مدرسة الرشيدية الثانوية، إحدى أهم المدارس الحكومية الثانوية في القدس، استوعبت زيادة عن العام الدراسي السابق مائة وعشرين طالباً، وبقي العشرات على قائمة الإنتظار، دون أن تتوفر لهم مقاعد دراسية في الرشيدية أو غيرها من المدارس الثانوية، وعلى هذا المنوال قس على بقية المدارس، ليس الثانوية فقط بل الإعدادية والابتدائية بنين وبنات.

وهذا جيش كبير من المتسربين والأمية من الطلبة المقدسيين، والذين يشعرون أن لا أحد يكترث لمصيرهم ومستقبلهم، وحالهم كحال القطاعات الأخرى، وهذا يتطلب ضرورة استشعار الخطر والهجمة على المدينة المقدسة من قبل الجميع سلطة وأحزاب وفصائل ومؤسسات مجتمع مدني. والمسألة يجب أن لا تبقى في إطار ورش العمل واجتماعات واللقاءات وإعداد الدراسات، فحتى ننتقل إلى خطوة عملية، يكون الإحتلال قد أجهز على المدينة المقدسة وأحكم سيطرته عليها بالكامل، ولهذا فالمطلوب من الاتحادات الشعبية، لجان أولياء الأمور، وإتحاد المعلمين العمل والضغط على كل الجهات والدوائر المختصة، من أجل الشروع في حلول عملية لهذه المشكلة التي تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم من خلال بناء أو استئجار مدارس تستوعب الطلبة، وكذلك وضع سياسات محددة فيما يخص الأقساط في المدارس الخاصة، والتي أضحت أقساطها أغلى من الأقساط الجامعية، وكذلك خوض نضال جماهيري وشعبي ضد بلدية الإحتلال ودائرة معارفها للقيام بواجباتها والتزاماتها فيما يختص بالتعليم في القطاع الحكومي.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"