عن الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"/ د. هنيدة غانم

عن الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"/ د. هنيدة غانم
(*) الدكتورة هنيـدة غانـم- المدير العام للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله

 

تعريف:

 

هذه المقالة هي فصل من كتاب "في معنى الدولة اليهودية" والذي أشرفت الكاتبة على إعداده وتحريره بالاشتراك مع الكاتب أنطوان شلحت.

ويضم هذا الكتاب مداخلات ندوة خاصة عقدها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار بدعم من دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية وتناولت موضوع "الدولة اليهودية" من جوانبه ودلالاته المتعددة الظاهرة والخفيّة، وذلك في ضوء تواتر المطلب الإسرائيلي بنيل اعتراف فلسطيني وعربي بها كشرط للتفاوض على إيجاد حل للصراع. وقد اشترك فيها كل من د. هنيدة غانم، وحسن جبارين، ود. رائف زريق، ود. بشير بشير، وأنطوان شلحت.

كما يضم مداخلتين أخريين لنمر سلطاني، ود. أحمد رفيق عوض، تسلطان الضوء على الموضوع نفسه من زوايا إضافية، وتسعيان في الوقت ذاته لتفنيد معظم الطروحات التي تتكئ عليها النخب السياسية والأكاديمية في إسرائيل لتسويغ هذا المطلب الذي شهد قدرًا كبيرًا من التصعيد خلال الأعوام القليلة الفائتة.

وتتفق جميع المداخلات على أن تشديد تلك النخب على الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية من جانب الفلسطينيين في الخارج يهدف، من ضمن أشياء أخرى، إلى رفع سقف المطالب الإسرائيلية إلى مستويات جديدة أقرب إلى التعجيز، بمقدار ما يهدف إلى حسم صراع وجدل سياسي داخل إسرائيل نفسها، وبالأساس مع فلسطينيي 48. وفضلاً عن ذلك فإنه يهدف إلى أن يحسم مستقبل الصراع عبر استدراج الجانب الفلسطيني لقبول الرواية الصهيونية ولا سيما بشأن ما ارتكب بحقه في الماضي من آثام التشريد والإقصـاء.

ومما جاء في تقديم المؤلفين: "يقف وراء إعدادنا لهذا الكتاب في الوقت الحالي مفهوم عام فحواه أنه بغض النظر عن المكاسب التي يحاول الجانب الإسرائيلي أن يحصدها سياسيًا من خلال مطالبته الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية فإن من الأهمية بمكان مناقشة معنى الدولة اليهودية وتجلياتها العملية في سبيل الوقوف على الترجمة التطبيقية لمثل هذه الدولة وبالذات في علاقتها ليس فقط مع الفلسطينيين الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية، بل أيضًا في علاقتها بالبعد التاريخي للقضية الفلسطينية".   

 

خلفية عامة

 

أعطى صعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية دفعة جديدة في اتجاه التأكيد على تحويل شرط الاعتراف بيهودية إسرائيل إلى مصاف شرط أساس لأي اتفاق سلام مستقبلي. ولا يحمل موقف نتنياهو هذا تجديداً لمن تابع تصريحاته قبل وصوله إلى سدة الحكم، فقد سبق أن أعلن وهو في صفوف المعارضة ضرورة اشتراط الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية من أجل استئناف المفاوضات، بمعنى آخر مطالبة الفلسطينيين الاعتراف بيهودية إسرائيل قبل البدء بالحديث عن موضوع آخر مهما يكن نوعه. وفي خطابه الموجه إلى الإسرائيليين عشية رأس السنة اليهودية، المتزامن مع الإعلان عن استئناف المفاوضات في واشنطن، أعلن نتنياهو ما يلي:

إننا نصر على أن يتأسس كل اتفاق مع الجانب الفلسطيني على مبدأين، الأمن والاعتراف، من بين المصالح والأمور القومية المهمة لنا. الأمن لأنه لا يمكن لأي اتفاق أن يستمر من غير إرساءات أمنية قوية وملموسة في المنطقة، والأمر الثاني هو بالطبع الاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي . نحن مطالبون بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن الطبيعي والصحيح أن نطلب من الطرف الآخر الاعتراف بالدولة اليهودية، دولة شعب إسرائيل. إن التفهم العميق والإيمان بحقنا أن نحيا هنا في هذه البلاد، أرض وطننا، أرض آبائنا وأجدادنا، هما مسألة حيوية للتعامل مع تحديات السنة القادمة ومع تحديات العقود القادمة ومع تحديات المستقبل ككل. لا يوجد نضال أكثر عدلاً من نضالنا للعودة إلى وطننا من أجل أن نبني فيه حياتنا كاملة حرة ذات سيادة. لا ولن تكون أية علامة استفهام - لا على حقنا ولا على عدل طريقنا ولا على كياننا كشعب حرّ في بلاده.

 

وقد سبق أن أعلن نتنياهو مطلبه هذا في خطاب بار إيلان في حزيران 2009 ، ثم في خطابه أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك في 8 تموز 2010 ، كما سبق أن صرح في مناسبات عديدة عن مطلبه هذا، حتى تحول الحديث عن يهودية إسرائيل إلى قضية منافسة حزبية تتسابق الأحزاب اليهودية في توكيدها والسعي لقوننتها. ولم يكن نتنياهو السياسي الإسرائيلي الأول الذي طالب الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية.(1) فقد أثير الموضوع بدرجات متفاوتة من قبل العديد من القادة الإسرائيليين، حيث سبقته إلى ذلك تسيبي ليفني وإيهود أولمرت مثلاً.

 وقد ترافق التشديد على الاعتراف بيهودية إسرائيل من الخارج بتشديد على ضرورة تأكيد يهودية إسرائيل تجاه الداخل، وبالذات أمام المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، حيث دعم نتنياهو اقتراح تعديل قانون المواطنة، ويشير هذا التعديل إلى أن على كل من يرغب في الحصول على المواطنة الإسرائيلية من غير اليهود أن يقسم يمين الولاء لإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. يشار هنا إلى أن نتنياهو شدد على أن هذا التعديل يأتي كجزء من المطالبة بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية ديمقراطية،(2) مضيفاً في أحد خطاباته أن دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، وهذا المبدأ يوجه سياسة الحكومة تجاه الداخل والخارج، وهذا هو حجر الأساس في القانون الإسرائيلي. وهذا المبدأ يعبر عنه في العبارة يهودية وديمقراطية ومن الصواب أن يظهر هذا المبدأ أيضاً في إعلان الولاء الذي يعلنه كل من يرغب في أن يكون مواطناً في إسرائيل.(3) وهو ما يعني عملياً أن إسرائيل تعمل بشكل حثيث على الصعيد الداخلي بالتزامن مع الصعيد الخارجي من أجل حسم موضوع كونها دولة يهودية أو دولة الشعب اليهودي. وقد رفض نتنياهو الربط بين التعديل ومطالبة حزب "إسرائيل بيتنا" إعلان الولاء لإسرائيل مقابل المواطنة والتي استهدفت بالطبع محاصرة العرب في إسرائيل.

إن متابعة تطور المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وتزامنها مع حمله لتقنين هذه اليهودية تتعدى العلاقات مع العرب الى محاصرة تيارات "يسارية علمانية" ، يشير إلى أن الموضوع تحول تدريجياً ومنذ أكثر من عقد من قضية ثانوية إلى أحد المواضيع المركزية التي يتشكل على صداها الخطاب القومي والحزبي الإسرائيلي الداخلي من جهة والخطاب السياسي الدبلوماسي والموجه نحو الخارج من جهة أخرى، حيث تم في هذا السياق إعلاء المطالبة بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية إلى مصاف القضايا الجوهرية المطروحة في المفاوضات تماماً مثل قضية الأمن.(4) وفيما قابل الجانب الفلسطيني هذا الرد بالرفض فقد تراوحت أسباب الرفض ما بين اعتبار الأمر شأناً داخلياً إسرائيلياً حيناً أو اعتباره مساً بحقوق اللاجئين وحقوق الفلسطينيين في إسرائيل حيناً آخر. وبغض النظر عن المكاسب التي يحاول الجانب الإسرائيلي أن يحصدها سياسياً من مطالبته الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية فإن من الأهمية بمكان مناقشة معنى الدولة اليهودية وتجلياتها العملية من أجل الوقوف على الترجمة العملية للدولة اليهودية بالذات في علاقتها مع الفلسطينيين، ليس فقط الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية، بل أيضاً في علاقتها بالبعد التاريخي للقضية الفلسطينية.

 

 

ما بين الدولة اليهودية ودولة الشعب اليهودي

 

كلنا ندافع عن فكرة دولة إسرائيل في العالم ونشرح للجميع بأننا دولة يهودية وديمقراطية. لكن كيف من الممكن أن نناضل في شوارع العالم سعياً نحو دولة الشعب اليهودي، في حين أننا لم نعرف حتى الآن فيما بيننا ما هي.(5) (تسيبي ليفني- 27/5/2010)

 

يوجب الخوض في موضوع "اليهودية"، التمييز بين مجموعة من المفاهيم التي وإن بدا أنها متطابقة أو على الأقل متشابهة إلا أنها تحيل إلى وقائع مختلفة، ونقصد خاصة مفاهيم مثل "الدولة اليهودية" في مقابل "دولة اليهود" أو دولة الشعب اليهودي حتى وان كان هذا التمييز غائبا في الخطاب السياسي الإسرائيلي أو على الأقل في جزء كبير منه.

نظريا ومنطقيا، يحيل الحديث عن "دولة يهودية" إلى الطابع والهوية التي تطغى على الدولة وتصبغ صورتها العامة، وعادة ما تتشكل هذه الهوية من المزج بين مركبات دينية وثقافية وتاريخية، تحوي الرموز والأساطير والقيم والعادات والمعتقدات العامة التي توليها الجماعة مكانه خاصة وتتمثلها بوصفها انعكاسا لها ولروحها الجمعية، في هذا السياق تكون "يهودية الدولة" انعكاسا لهوية الجماعة وروحها الثقافية . في المقابل تحيل مفاهيم "دولة اليهود" او "دولة الشعب اليهودي" بالدرجة الأولى إلى البعد الإثني- قومي، الذي يرتبط بشكل عضوي بالمركب الديمغرافي والسكاني للجماعة التي تسكن الدولة، ويفترض وجود ما سماه أندرسون "جماعة متخيلة" هم اليهود في هذه الحالة يرتبطون بعلاقات وجدانية ويعتقدون - بغض النظر عن التاريخ الموضوعي- أنهم ينتمون لأصل واحد ويشتركون في ماضي واحد موغل في القدم والأهم يتخيلون أنفسهم ضمن مستقبل ومصير مشترك يجمعهم حيث تشكل الدولة الإطار السياسي الذي يتمكن هؤلاء من التعبير عن إرادتهم. بمعنى آخر تحيل الدولة اليهودية الى طابع عام وهوية فيما تحيل دولة الشعب اليهودي إلى البعد القومي وبالضرورة الديمغرافي.

وعلى الرغم من ان الادعاء الأساسي الذي رفعه آباء الحركة الصهيونية من أن اليهودية وخلافا للمسيحية أو الإسلام هي دين وقومية وبالتالي لا يمكن الفصل فيها بين "الهوية" و"الطابع" من جهة وبين المركب القومي من جهة أخرى، إلا أن هذا الادعاء تعرض للنقض والنقد من قبل كثير من الباحثين خاصة علماء الاجتماع والمؤرخين (6) (للمزيد أنظر خاصة شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله 2010) الذين يرفضون النظر إلى الهوية القومية بوصفها هوية ثابتة وقبلية ومطابقة للدين بقدر ما يعتبرونها تشكلا اجتماعيا شيد في ظروف تاريخية خاصة، حيث عملت الحركة الصهيونية بحسب ساند على إنتاج التطابق بين الدين والقومية وعرضه بوصفه حالة طبيعية ودائمة وفوق تاريخية وهو ما يناقض بحسبه الوقائع التاريخية المثبتة. ومع ذلك من المهم هنا التوضيح بأن القومية هي تشكل اجتماعي لا يعني اعتبار القومية اليهودية زائفة أو إنكار وجود تاريخ يهودي، بل يعني أن الاعتقاد بأن اليهودية هي قومية ودين حمله شعب واحد منذ آلاف السنين واستمر إلى يومنا هذا، هو بالأساس اعتقاد سياسي (بالمعنى العام للسياسي) تم صياغته وبناؤه لاحقا، حيث تم استقطاب الأساطير التوراتية والمعتقدات الدينية والحديث عنها كأحداث تاريخية حقيقية نظمت ورتبت في رواية تحكي عن الماضي المشترك، بهدف تحقيق مشروع سياسي هو بالذات مشروع علماني أوروبي.

يلفت الانتباه بشكل خاص في عملية بناء الهوية القومية اليهودية وما رافقها من استدعاء للديني هو أن من قام أصلا بهذا الاستخدام كانوا من الملحدين (وليس فقط العلمانيين) الذين لم يؤمنوا أصلا بهذه القصص، ومع ذلك انتبهوا الى قوتها الجاذبة وحولوها الى ركيزة أخلاقية لشرعنة مطالبهم و"حقهم" في فلسطين، وهو ما أنتج لاحقا قومية- دينية يهودية منغلقة لكنها في ذات الوقت وبسبب تركيبتها زاخرة بالتناقضات الداخلية وأرض خصبة للصراعات خاصة بين العلمانيين الذين أسسوا الدولة على "أرض إسرائيل السماوية" وبين المتدينين الذين يريدون أخذ التحقيق حتى نهايته باعتبار إسرائيل "فكرة خلاصية" .

 لكن بغض النظر عن حيثيات تشكل الاعتقاد "بقومية يهودية" وبعيدا عن النقاش الأكاديمي أو المماحكات الفكرية والقومية حول كون القومية نتاجا تاريخيا أم لا فان الذي لا يمكن نكرانه أو نفيه اليوم هو وجود إيمان راسخ لدى مجموعة معينة يعيش جزء كبير منها اليوم في بقعة جغرافية (استولت عليها عنوة واستعمرتها) بأنها تنتمي الى شعب واحد، حيث يكفي الإيمان بحد ذاته للتعامل مع الجماعة بأنها جماعة قومية (خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما يقوله أندرسون عن القوميات المتخيلة).

دوليا، تستند فكرة الدولة اليهودية إلى وثيقتين أساسيتين، هما وعد بلفور وقرار التقسيم 181:

·        صدر وعد بلفور في 2 تشرين الثاني العام 1917 وشكل عملياً أول وثيقة ذات صبغة رسمية (وإن كانت غير شرعية فهو "وعد من لا يملك لمن لا يستحق") تتحدث عن إقامة كيان يهودي في فلسطين، وجاء فيه "إن جلالة الملك ينظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسيبذل جهده لتسهيل تحقيق هذه  الغاية على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضير الحقوق التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين.(7) ...". وتأتي أهمية هذه الوثيقة من أنها صدرت عن دولة صارت "تتمتع بوصاية قانونية وتفويض قانوني دولي أعطي من قبل عصبة الأمم المتحدة لها على فلسطين".

·        قرار التقسيم (8) 181 الذي صدر العام 1947 من قبل الأمم المتحدة، وشكل وثيقة اعتراف دولية بإسرائيل، حيث نص القرار صراحة على إقامة دولة يهودية وأخرى عربية مع تدويل القدس. وجاء فيه "تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية واليهودية، والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس المبين في الجزء الثالث من هذه الخطة، وذلك بعد شهرين من إتمام جلاء القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة، على ألا يتأخر ذلك في أية حال عن 1 تشرين الأول 1948. أما حدود الدولة العربية والدولة اليهودية ومدينة القدس فتكون كما وضعت في الجزأين الثاني والثالث أدناه".   وقد فصل القرار في البند ب من الجزء الثاني حدود الدولة اليهودية وجاء فيه: "الدولة اليهودية: تحد القطاع الشمالي الشرقي من الدولة اليهودية (الجليل الشرقي) من الشمال والغرب الحدود اللبنانية، ومن الشرق حدود سورية وشرق الأردن. وتضم كل حوض الحولة وبحيرة طبريا وكل مقاطعة بيسان، حيث يمتد خط الحدود إلى قمة جبال الجلبوع ووادي المالح. ومن هناك تمتد الدولة اليهودية نحو الشمال الغربي ضمن الحدود التي وصفت فيما يتعلق بالدولة العربية. يمتد الجزء اليهودي من السهل الساحلي من نقطة بين ميناء القلاع والنبي يونس في مقاطعة غزة، ويضم مدينتي حيفا وتل أبيب تاركا يافا قطاعا تابعاً للدولة العربية. وتتبع الحدود الشرقية للدولة اليهودية الحدود التي وصفت فيما يتصل بالدولة العربية".

داخليا، شكلت وثيقة الاستقلال العام 1948 نصاً تأسيسياً موجهاً (وإن لم يكن ذا سلطة قانونية) لدولة إسرائيل، تم عبرها إعلان إقامة إسرائيل دولة لـ "الشعب اليهودي"، وقد تم فيها ذكر وعد بلفور وقرار التقسيم 181 والإشارة إليهما بوصفهما وثائق دولية رسمية. وقد فصلت وثيقة الاستقلال ما تراه من علاقات تاريخية بين اليهود والبلاد ومن حقوق لهم فيها من دون ان تدخل بالطبع بالتفاصيل المتعلقة بتعريفات فنية لمعنى اليهودية ومن هو اليهودي. فيما قامت الدولة لاحقاً وفي ظل عدم إقرار دستور بسن مجموعة قوانين أساس تضمن التعبير عن كونها كذلك. من الممكن التمييز في المجال القانوني بين مجالين أساسين يرتبطان بموضوع يهودية الدولة تتفرع منهما طبعاً مجالات أخرى أقل أهمية على الأقل لموضوعنا هنا، وهما:

1.     المجال الديني- والذي يتعلق بكل القوانين والتشريعات المرتبطة بالشرائع اليهودية، ومن بينها يمكن أن نشير إلى قانون ساعات العمل، قانون منع تربية الخنزير، قانون الأعياد وأيام العطل الرسمية، قانون الأحوال الشخصية وقانون المحاكم الدينية.

2.     المجال القومي- الإثني الذي يشمل القوانين والتشريعات المتعلقة بتعريف اليهود كجماعة قومية- وتتضمن قانون العودة من العام 1950 وقانون المواطنة وقانون مكانة الهستدروت العالمية- الوكالة اليهودية لأرض إسرائيل 1952- والتي يعطي دوراً رسمياً للوكالة في "تجميع شتات" اليهود وتحويلهم إلى أرض إسرائيل- وقانون أراضي إسرائيل 1960 الذي يمنع بيع الأراضي التابعة للكيرن كييمت وأراضي الدولة لأية جهة كانت مع العلم أن أغلبية الأراضي التي صودرت بموجب قانون أملاك الغائبين هي أراض لفلسطينيين سواء أكان جزء منهم لاجئين في خارج الدولة أم كانوا لاجئين داخليين.

يقع بين المجالين "مجال ثقافي" ويحوي القوانين التي تتعلق بتنظيم جهاز التعليم ومناهجه وبالبث الرسمي، وتهدف إلى تنظيم آليات وكيفية نشر قيم "اليهودية" والتعبير عن الحضارة اليهودية. من المهم أن نشير هنا إلى أن الإشكالية الأساسية التي يثيرها مطلب الاعتراف بيهودية إسرائيل لا يتعلق عادة بالقوانين التي تتعلق بالتعليم ولا بالقوانين التي ترتبط بالمجال الديني أو بالميراث اليهودي الثقافي، خاصة إذ ما أخذنا بعين اعتبار أن أغلب المجتمعات في العالم حتى في حال عدم كونها دولاً تعيش أنماطاً ثقافية مختلفة ويحق لها أن تعيش وفق ما ترتئيه ملائماً طالماً لا يمس هذا حياة الآخرين. لكن الإشكال الأساسي يتعلق بالفئة الثانية، أي التي تتعلق بالبعد القومي وليس الديني والذي يتم العمل من خلاله من أجل تثبيت مصالح اليهود، بغض النظر عن الآثار المترتبة على الجماعات الأخرى، حتى وإن جاء التأكيد على أن الدولة اليهودية هي أيضا ديمقراطية، وأن هذا يعمل كابحاً لأية "ممارسات غير ديمقراطية تجاه الآخرين". ويقف على الحافة بين المجال الديني والمجال القومي سؤال تعريف من هو اليهودي، وهو سؤال أساسي وجوهري ويعتبر في آن واحد دينياً وقومياً ذا أبعاد سياسية، حيث تبنى على أساسه فكرة "توطين المهاجرين" واستجلاب يهود العالم إلى دولة إسرائيل.

 

من هو اليهودي – إشكاليات التعريف

 

بعد أن أقيمت دولة إسرائيل عام 1948 التي اعتبرت ضمنا دولة يهودية، بدأ الصراع حول كيف يعرف اليهودي، خاصة بين التعريف الديني والتعريف القومي، وفيما رأى التعريف الأرثوذكسي في اليهودية انتماء دينياً في الأساس، فإن التعريف القومي حاول الذهاب بالتعريف نحو الانتماء الإثني والثقافي، مع الاعتراف بالبعد الديني. وقد شهدت العقود المتعاقبة بعد إقامة إسرائيل توتراً بين تيارات أيديولوجية مختلفة تحاول أخذ التعريف نحو ما تريد، حيث يبدو اليوم أن الفروق أخذت في التقلص باتجاه قبول التعريف الأرثوذكسي أكثر من القومي.(9)

 

تحولات في تعريف من هو اليهودي

 

بعد إعلان استقلال إسرائيل، تم وفي الجلسة الأولى لمجلس الشعب المؤقت التي عقدت في 16 أيار 1948 وفي إطار "أوامر أنظمة الحكم رقم 1، 1948" إلغاء كل القيود على الهجرة اليهودية، وتم إقرار "أن كل يهودي هاجر (عالاه بالعبرية) في أي وقت كان إلى أرض إسرائيل، سيتم التعامل معه بوصفه مهاجراً شرعياً لكل شيء منذ لحظة قدومه".(10)   لكن هذا الاعتراف واجه منذ ولادته المشكلة الأساسية التي سترافق إسرائيل حتى يومنا هذا، وهي: كيف يمكن تعريف اليهودي، وبالتالي تحديد الأفراد الذين تحق لهم الهجرة إلى الدولة الحديثة أو لا تحق لهم، وقد برزت هذه القضية بالذات في القضايا "الضبابية" و"الحدودية" مثل حالات الأفراد المولودين من زواج أب يهودي بامرأة غير يهودية أو زوجات غير يهوديات متزوجات من يهود. وتدل الوثائق التاريخية على أمرين: الأول أن بن غوريون حاول الامتناع عن مناقشة القضية علنياً والعمل على إيجاد مخارج بالاتفاق مع المتدينين في الأروقة المغلقة، والثاني أن مؤسسات الدولة عمدت إلى اتخاذ إجراءات شديدة تمنع النساء غير اليهوديات المتزوجات من يهود من الهجرة إلى إسرائيل، وقد صرح في حينه موشيه شابيرا، وزير الهجرة والاستيعاب، في تشرين الثاني 1948، أن الحكومة قررت "عدم اعطاء تصاريح هجرة للمتزوجين زواجاً مختلطاً، إلا في حال كون أحد الطرفين (أي غير اليهودي) ذا أفضال خاصة بإنقاذ اليهود أيام الخراب الذي حل بجاليات إسرائيل في أوروبا، وحتى في هذه الحالات يجب الحصول على موافقة من قبل رئيس مكتب الهجرة، وإن تمت الموافقة فعلى الغريب ان يتهود".(11) وقد أشار الوزير شابيرا بالذات الى الجهود الكبيرة التي تبذل في وزارته من أجل منع دخول النساء الألمانيات المتزوجات من يهود.(12)

وعكست هذه السياسة التي عبر عنها شابيرا عملياً توجهاً نحو تعريف اليهودي بحسب الهالاخاه من جهة وفكرة "نقاء العرق" وإن بشكل مقنَّع من جهة أخرى، لأنها انطلقت من الرغبة في إقامة مجتمع متجانس "عرقياً" إلى أبعد الحدود، وهو ما يفسر الموقف من أبناء الزيجات المختلطة والموقف من اليهود المتزوجين من غير اليهوديات، غير أن وجود أعداد كبيرة من اليهود المتزوجين من غير اليهوديات أثار غضباً شديداً بين العلمانيين من اليهود الذين أثارهم بالذات الربط بين اليهودية كدين واليهودية كقومية. وفي إطار مناقشة الأدوات التي يتم من خلالها تحديد من هو اليهودي تم الاتفاق على أن تكون المؤسسة الدينية هي التي تعطي الوثائق في إسرائيل من أجل تسجيل الفرد كيهودي أم لا في وزارة الداخلية ومن ثم في الهوية، لكن بقي النقاش حول اليهود غير الإسرائيليين الذين يريدون الهجرة إلى إسرائيل ولكنهم غير قادرين على توفير الوثائق التي تثبت يهوديتهم، وبسبب الفارق بين مواقف المتدينين الصهيونيين وبين العلمانيين تم الاتفاق في النهاية على إيجاد أدوات لتنظيم هجرة "غير اليهود" أي من يشكل تعريفهم إشكالية من الناحية الدينية، وقد نظم الأمر في قانوني أساس جاءا بعد سن قانون العودة هما قانون الجنسية من العام 1952 وقانون الدخول إلى إسرائيل، حيث يحدد بحسب الأول إعطاء الأشخاص الذين تربطهم قرابة بيهودي الإمكانية للحصول على جنسية، والثاني يهدف الى تقليص هجرة غير اليهود وكبح جماحها، إذ أعطي وزير الداخلية سلطة سحب الجنسية من كل من زيف هوية يهودي وهو غير يهودي.

وفيما هدف القانونان إلى تنظيم هجرة غير اليهود، فإن القانون الأساس الذي سيكون ذا آثار إستراتيجية على تنظيم العلاقة بين الدولة واليهود هو قانون العودة (حوك هشفوت) الذي صودق عليه في 5 تموز 1950 وأعطي بموجبه كل يهودي الحق في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على جنسية إسرائيلية، وهو ما حول كل يهود العالم عملياً إلى مخزون من المواطنين الإسرائيليين القادرين على تحقيق مواطنتهم في اللحظة التي يحددونها. وفيما أعطى القانون حق الهجرة لإسرائيل لكل يهود العالم، إلا أنه لم يحدد من هو اليهودي، ولا ما هي الوثائق التي يجب اعتمادها لإثبات يهودية من "يشك" في يهوديتهم، مبقياً التعريف معلقاً وغير واضح، والأهم محل اجتهاد لموظفي وزارة الداخلية ووزراء الداخلية المختلفين بحسب انتماءاتهم الأيديولوجية على الأقل حتى العام 1958، إذ أصدرت وزارة الداخلية برئاسة أحدوت هعفودا حينها توجيهاً لمكاتب تسجيل السكان باتباع سياسة ليبرالية في التسجيل، فتقرر ان يتم تسجيل كل إنسان يعلن بنية صافية أنه يهودي كيهودي.(13) غير أن هذه السياسة لم تصمد كثيراً وسقطت بفعل ضغط الأحزاب الصهيونية الدينية التي أرادت تبني تعريف لليهودي بحسب أسس هالاخية دينية ومتزمتة ومناقضة عملياً للموقف العلماني الذي  أراد اعتبار تعريف من هو اليهودي موضوعاً قومياً وإن كانت له أبعاد دينية، إلا أنه لا يحدد بحسبها الانتماء لليهودية.

 وبعدم وجود تعريف رسمي ومتفق عليه صارت المحاكم الإسرائيلية عنواناً للبت في القضايا الإشكالية التي تنبع من الصراع بين الديني والقومي وبين اليهودية الأرثوذكسية والعلمانيين، وفي هذا الصدد شكلت قضية شموئيل أوسوالد روفايزين التي صارت تعرف باسم "قضية الأخ دانيال" مفصلاً تاريخياً في تعريف اليهودي. كان الأخ دانيال (14) راهباً من الناجين من المحرقة، ولد كيهودي لأم وأب يهوديين ثم جاء بعد إقامة إسرائيل أليها وطلب إعطاءه شهادة "عوليه" (مهاجر) كمقدمة لمنحه الجنسية، إذ استند في طلبه هذا على قانون العودة من العام 1950، غير أن وزارة الداخلية رفضت الاعتراف به كيهودي، وبالتالي رفضت منحه جنسية إسرائيلية، على خلفية ذلك تقدم الى محكمة العدل العليا بطلب الاعتراف بيهوديته مبيناً ان قوميته تبقى يهودية حتى لو غير دينه إلى المسيحية، رفضت محكمة العدل ادعاءه العام 1962 (قرار محكمة العدل 62\72) وشكل قرار المحكمة سابقة في اعطاء تفسير مغاير  لكلمة "يهودي" والتي وردت في نص قانون أساس العودة عن ذاك المتبع في التعريف الأرثوذوكسي لليهودي. وبحسب قرار محكمة العدل فإن الشخص يتوقف عن أن يكون يهودياً في حال غير دينه وهو ما لا تعترف به الأرثوذكسية الدينية التي ترى ان الخروج من اليهودية بغض النظر عن تغيير الدين هو غير وارد على الاطلاق. وفي العام 1969 بتت محكمة العدل في قضية أخرى باتت تعرف بمسمى "قضية شاليط" وهو يهودي متزوج من اسكتلندية مسيحية لم تتهود، أراد أن يسجل أولاده كيهود من الناحية القومية ولا دينيين من الناحية الدينية وهو ما تم رفضه في وزارة الداخلية، فتقدم بشكوى ضد وزير الداخلية إلى محكمة العدل العليا التي قبلت طلبه بموافقة خمسة من القضاة مقابل اعتراض أربعة قضاة، وأجبرت بذلك وزارة الداخلية على تسجيل الأولاد في خانة القومية كيهود.

تم في أعقاب قضية الأخ دانيال وقضية شاليط (1969) تعديل قانون أساس العودة في العام 1970، حيث عرف اليهودي بشكل متناغم مع التعريف الهالاخي بأنه "من يولد لأم يهودية أو يتهود وهو لا ينتمي لديانة أخرى". غير أن الاكتفاء بهذا التعريف كان يعني وضع كوابح على الهجرة لإسرائيل لما فيه من حصر واستبعاد لمن ولدوا لآباء يهود أو أحفاد لجد يهودي، وهو ما لا يصب في المصلحة الصهيونية التي أرادت تكثيف الهجرة لإسرائيل من أجل الحفاظ على الاكثرية اليهودية، ولحل هذا الإشكال تم في مقابل التعريف توسيع "فئة المسموح بهجرتهم حتى لو لم يطابقوا تعريف من هو اليهودي". وبموجب ذلك سمح لكل شخص أحد أجداده أو زوجته أو أحد أبنائه يهودي إمكان الحصول على الجنسية، وجاء هذا بالذات ليسهل عملياً هجرة الروس إلى إسرائيل. وفي الفقرة 4 أ التي أضيفت لقانون العودة العام 1970 تم إعطاء الحقوق نفسها التي تعطى لليهودي أيضاً للزوج الابن والحفيد غير اليهودي لليهود من دون علاقة إن كان ذاك اليهودي ما زال بين الأحياء أو الأموات، وان كان قد هاجر مع أقربائه إلى إسرائيل أم لا. وقد أشارت القاضية عدنا أربيل (لاحقا المدعية العامة للدولة) إلى خمس نقاط جوهرية لهذا التعديل: (15)

1.     تشجيع هجرة الأشخاص الذين تربطهم علاقة باليهود إلى إسرائيل من أجل الانضمام إليهم كأداة لمنع الانصهار.

2.     تشجيع اليهود المتزوجين زواجاً مختلطا على الهجرة إلى إسرائيل وإيجاد حلول للعائلات المختلطة.

3.     تحقيق العدل من خلال مساواة مكانة أفراد العائلة المختلطة من غير أن يطالب جزء من أفراد العائلة أن يمروا بامتحانات قانون المواطنة، فيما يحصل الآخرون على الجنسية بشكل أوتوماتيكي.

4.     الموازنة بين التعريف التقليدي وبين التعريف القومي لمصطلح يهودي في قانون العودة.

5.     لم شمل العائلات وتحقيق الحق في حياة عائلية مشتركة.

لكن وضع تعريف من هو اليهودي أريد منه أن يحل مشكلة فتح الباب أمام مشاكل جدية من باب من هو المخول في التهويد؟ ومن يقرر إن كان التهويد تم بالطريقة الصحيحة؟ وكيف بالإمكان التأكد من يهودية شخص ما؟ فيما يصر التيار اليهودي الأرثوذكسي على أنه المخول الوحيد للبت في هذا الأمر، ما يعني عملياً التشكيك بكل من يتم تهويده عبر التيار الإصلاحي وبيهودية الإصلاحيين الذين يشكلون غالبية اليهود في أميركا. ولحل هذه الإشكالية تدخلت محكمة العدل العليا مرة أخرى فقررت العام 1995 في أعقاب دعوى أحد الأشخاص الذين تهودوا من خلال التيار الإصلاحي للاعتراف بأنه يهودي، التمييز ما بين تعريفين لمن هو يهودي: الأول التعريف الشرعي الأرثوذكسي؛ أي المعمول به حسب الهلاخاه، والذي يعرف اليهودي بأنه الشخص الذي ولد لأم يهودية أو تم تهويده بحسب الهلاخاه، والثاني هو التعريف الإداري التقني، حيث هدف ذلك التمييز إلى حل الورطة التي نتجت عن عدم اعتراف التيار الأرثوذوكسي بالمتهودين بحسب التيار الإصلاحي.(16)

 

مِن "مَن هو اليهودي" إلى الدولة اليهودية والديمقراطية

 

إذا كانت إسرائيل قد انشغلت منذ إقامتها وحتى نهاية السبعينيات بصياغة حدود الهوية الداخلية من خلال مناقشة من هو اليهودي، ومن يحق له الهجرة ومن لا يحق له، فبدأت سنوات الثمانينيات تشهد بدايات تحويل النقاش من المسار الداخلي (إشكال علماني- ديني) إلى المسار السياسي- القومي العام (إشكال فلسطيني- إسرائيلي)، إذ بدأت تطغى على أسئلة من هو اليهودي أسئلة ما هي الدولة اليهودية الديمقراطية.

وقد ظهرت لأول مرة توليفة دولة إسرائيل "يهودية وديمقراطية " قانونياً العام 1985 للإشارة إلى طبيعة النظام في إسرائيل، وتم ذلك من خلال تعديل قانون أساس الكنيست (تعديل رقم 9 فرع 7 أ في القانون). جاء في التعديل الذي أقر في 31 تموز 1985 في أعقاب قرار محكمة العدل العليا منع حركة كاخ والحركة التقدمية من خوض الانتخابات، وحدد التعديل عدم مشاركة أية قائمة تهدف أو تعمل على رفض وجود دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، أو ترفض الطابع الديمقراطي للدولة أو تحرض على العنصرية في انتخابات الكنيست. ومنذ هذا التعديل تنشغل محكمة العدل العليا تقريباً في كل انتخابات للكنيست في قضايا يتقدم بها رؤساء قوائم، من العرب خاصة، ضد قرار لجنة الانتخابات منعهم من خوض الانتخابات، سواء بحجة التحريض حيناً أم بحجج عدم الاعتراف بيهودية الدولة حيناً آخر.

وفي العام 1992 عادت توليفة الدولة اليهودية والديمقراطية للظهور مرة أخرى في قانون أساس كرامة وحرية الإنسان وقانون أساس حرية العمل اللذين تم سنهما في شهر آذار 1992، وفيما هدف القانونان إلى ضمان حقوق أساسية، إلا أنهما كانا أيضاً تأكيداً على أن هذه الحقوق تأتي في إطار القيم الأخلاقية لإسرائيل بوصفها دولة اليهودية والديمقراطية.

أدى تقنين توليفة الدولة اليهودية والديمقراطية إلى صعود جدل داخلي حول المعنى العملي لدولة يهودية وديمقراطية، وحول الإمكانيات العملية للتوفيق بين المركبات الخاصة اليهودية من جهة،  والالتزام في ذات الوقت بالمركبات العالمية للديمقراطية.  وتدل هذه النقاشات على اعتراف ولو مضمر في الجانب الإسرائيلي بالدمج بين مركب قبلي بالغ في خصوصيته هو اليهودية، ومركب إنساني عالمي يساوي بين المواطنين هو الديمقراطية، الأول يقصي ويبعد والثاني يحمي ويحوي. غير ان هذين المركبين كما يشير كل من يوآف بيلد وغرشون شافير يغطيان على عامل بنيوي أساسي في تركيبة الدولة الإسرائيلية، ويحاولان عملياً إخفاءه أو استبعاده من النقاش وهو البعد الاستعماري الذي صبغ عملية بناء الأمة والدولة وشكَّلها في الإطار الإسرائيلي. ان هذا البعد الذي تحول الى البعد الحاضر الغائب هو ما يظلل التجربة الإسرائيلية ويميزها عن تجارب دول العالم الأخرى التي تحاول إسرائيل الإشارة إليها في أثناء المحاججة بشأن حقها في أن يتم الاعتراف بها كدولة يهودية .

نتج هذا التغيير عن تضافر وتقاطع مجموعة من العوامل الإقليمية والدولية مع عوامل داخلية وأيديولوجية، أهمها: 

1-    احتلال باقي فلسطين التاريخية العام 1967 والتناقضات التي نتجت عن ذلك: فتح الاحتلال مساحات جديدة لتحقيق الفكر الاستعماري وتحقيق فكرة أرض إسرائيل الكاملة، وبالفعل تم البدء بمشاريع استيطانية واستعمارية وتوطين اليهود بهدف إحكام السيطرة على البلاد، وتعميم التفوق اليهودي في هذه المناطق. غير أن هذا الاحتلال أضاف فئة ضخمة من السكان الفلسطينيين لسيطرة إسرائيل بالإضافة إلى مواطنيها من العام 1948 وهو ما شكل إشكالاً ديمغرافياً جديداً هدد التفوق الديمغرافي اليهودي، وحمل بذور انقلاب مستقبلي، لأنه كان يعني عملياً أن إسرائيل تتجه نحو مسارين لا ثالث لهما في حال أبقت على الاحتلال، الأول نحو تطور نظام أبارتهايد يعيش فيه نوعان من السكان، والثاني نحو إقامة دولة علمانية.

2-     صعود الليكود العام 1977 إلى سدة الحكم وسقوط حزب العمل، إذ قابل هذا الصعود، المتزامن مع تزايد قوة التيارات اليمينة الدينية الصهيونية، الدخول في مسار تاريخي جديد حلت فيه الصهيونية النيو ليبرالية وبالتدريج مكان الصهيونية العلمانية الاشتراكية التقليدية. ويعتبر بنيامين نتنياهو في هذا السياق خير ممثل لهذا التيار الذي يرى نفسه ممثلاً حقيقياً لصهيونية الآباء التي تضم هرتسل وبن غوريون من جهة وصهيونية جابوتنسكي من جهة أخرى، وهو يطرح فكرة الاعتراف بيهودية إسرائيل ليس فقط من منطلقات المناورة بل من منطلقات أيديولوجية.

3-    بزوغ براعم فكر المواطنة بين الفلسطينيين في إسرائيل. كان من نتائج احتلال كل فلسطين سقوط الفكرة التي آمن بها الكثيرون من العرب من أن سقوط إسرائيل هو مسألة وقت ومسألة مفروغ منها، حيث بدأت تعلو أفكار تطرح الاندماج في الدولة في البداية من دون الاستئناف على بنيتها بل بمطالبة تحقيق المساواة، ولكن لاحقاً من منتصف الثمانينيات وصاعداً برز التوجه نحو المطالبة بتحويل النظام السياسي من نظام يخدم المواطنين اليهود ويتعامل بدونية مع العرب الى نظام مساواتي يتم التعبير عنه بتبني نموذج دولة المواطنين، بديلاً للدولة اليهودية.

4-    نتائج حرب 1973، لأول مرة تشعر القيادة الإسرائيلية أن وجود إسرائيل هو وجود لا يمكن ضمانه فقط عسكرياً، إذ إن الانتصار الحاسم في 1967 ليس سيناريو مستديماً. وهنا لا بد من الإشارة إلى البروتوكولات التي تم كشفها مؤخراً لاجتماعات الحكومة الإسرائيلية والتي تدلل على أن القيادة الإسرائيلية شعرت بالرعب الحقيقي حينها، وبأنها على حافة يوم القيامة، مما حدا بها إلى الحديث عن إمكانيات ضرب المدن العربية، بل والحديث عن استخدام السلاح النووي.(17)  ولعب ذلك دوراً مهماً في التحول إلى المسار الذي تحدد من خلاله علاقة اليهود مع العرب المواطنين في إسرائيل، وبالتالي حسم قضية "العلاقة بين المواطنة والقومية والدولة، ثم لاحقاً حسم العلاقة مع الفلسطينيين ككل من خلال مطالبتهم بتثبيت الحسم "الداخلي" بعلاقتهم بالعرب". ولا يعني هذا على الاطلاق ان هذا لم يكن عاملاً في تسيير النقاش الداخلي، بل على العكس فإن البعد الديمغرافي كان مركزياً، خاصة في بناء فئة "غير اليهود المسموح لهم بالهجرة إلى إسرائيل"، كما أنه أخذ يحوّل النقاش من النقاش الداخلي لمن هو يهودي إلى منحى سياسي يراد منه الإصرار على يهودية الدولة وتثبيتها، حيث بدأ يتصاعد  النقاش حول طابع الدولة بالذات، وليس حول الدخول في تعريف من هو اليهودي.

5-    فشل عملية السلام التي بدأت بأوسلو وانهارت في كامب ديفيد، ثم انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي توازت مع صعود قوة الإسلام السياسي وتحوله إلى لاعب رئيس في المشهد الفلسطيني.

6-    هبة أكتوبر 2000 التي كانت عملياً مشاركة فعلية، على الأقل في الأيام الأولى، للفلسطينيين في إسرائيل فبالانتفاضة، وهو ما شكل إسرائيلياً إشارة تحذيرية إلى أن أي حل سياسي مستقبلي من غير أخذ مطالبهم بعين الاعتبار سيكون بمثابة اتفاق ناقص، عزز من هذا الموقف إصدار ما صار يعرف باسم وثائق الرؤى الفلسطينية التي قام على إعدادها مجموعة من المثقفين والسياسيين والفاعلين عبر مؤسسات المجتمع المدني وطرحها كرؤية مستقبلة لتنظيم العلاقة بين العرب واليهود في الدولة على أساس مواطنة متساوية للجميع، ما يعني عملياً الإطاحة بفكرة الدولة اليهودية.  

 

يحاجج الساسة الإسرائيليون من جهة والمفكرون والحقوقيون الليبراليون من جهة أخرى، أن تعريف إسرائيل دولة يهودية تنتظم على وقع قوانين العودة والمواطنة من جهة، وقوانين دينية رمزية أو عملية من جهة أخرى (أيام العطل والأحوال الشخصية)، أولاً حق نابع من حقهم في تقرير مصيرهم، وأنه ثانياً تعريف غير متناقض على الإطلاق مع كون الدولة اليهودية قادرة على أن تكون ديمقراطية تساوي بين الجميع.

ويعتبر البعض ان قانون العودة يخلق تفضيلاً تقنياً فقط لتمكين "تحقيق" حالة طبيعية يتمكن من خلالها الشعب اليهودي من تحقيق مصيره، مثله مثل شعوب العالم، ومن أجل ممارسة آماله القومية والتعبير عن عاداته وروحه التاريخية، مؤكدين أن "يهودية" الدولة التي تعطي حق العودة وتمكن من تحقيق الحلم اليهودي لا تمس على الإطلاق بالمواطنين العرب، لأنها تقيم توازنا بين اليهودية والديمقراطية فتكبح الأولى من خلال الثانية وتطعم الثانية بنكهة الأولى. وقد أشار في هذا السياق أهازون باراك وفي معرض الحكم الذي أصدره بما صار يعرف لاحقاً قضية عادل قعدان ضد دائرة أراضي إسرائيل (18) إلى ما يلي:

دولة إسرائيل هي دولة يهودية تعيش فيها أقليات من بينها الأقلية العربية. وكل واحدة من هذه الأقليات تتمتع بمساواة كاملة. صحيح، لقد أعطي مفتاح خاص للبيت لأبناء الشعب اليهودي (قانون العودة) لكن بمجرد أن يكون الشخص في البيت بحسب القانون، فإنه يتمتع بكافة الحقوق مثل باقي أبناء البيت. وهو ما عبر عنه في وثيقة الاستقلال التي ناشدت أبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل الحفاظ على السلم والمشاركة في بناء الدولة على أساس المواطنة الكاملة والمتساوية. لا يوجد إذن أي تناقض بين كون إسرائيل دولة يهودية، وبين كونها دولة ديمقراطية وبين مساواة تامة بين كل مواطنيها. بالعكس فإن مساواة الحقوق بين كل الأشخاص في إسرائيل بغض النظر عن ديانتهم وقوميتهم مستمدة من قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن إشارة باراك الذي يعد من أكثر القضاة ليبرالية في تاريخ إسرائيل إلى أن اليهود يملكون مفتاح البيت، وأنه في اللحظة التي يكون فيها الفرد في داخل البيت فإنه يصبح متساوي الحقوق بغض النظر عن دينه وقوميته، هي محاولة لايجاد صيغة جميلة لواقع بشع ينتهي عملياً بتحويل الممارسة الأساسية للعنصرية إلى ممارسة هامشية بالكاد تلاحظ. إذ إن الذي يحمل المفتاح يعطي نفسه الحق في التعامل مع البيت على أساس بيته ويتناسى أن من يمنعه من الدخول هو على الأغلب ساكنه الأصلي وليس سائحاً. فحق العودة يعطي حق الدخول لكل يهود العالم ويحرم ملايين اللاجئين من ساكنيه الأصليين حتى حق زيارته. بل إن الأنكى هو أن ما يتم تصويره كبيت مشترك أقيم من خلال طرد ساكنيه الذين حولوا مرحلياً للسكن في الخيام، في حين وزعت أملاكهم على الداخلين الجدد إلى البيت، أما من بقي من أهلهم هناك فتمنع منهم المطالبة بأن يكون البيت للجميع، وان لا يكون بيتاً لليهود بالأساس.

تظهر وجهة نظر باراك هذه من خلال ما تقصيه من الحديث قصداً كان الأمر أم سهواً بحق القضية الأساسية التي يغفلها كل المفكرين الليبراليين في حديثهم عن امكانيات وسبل التوفيق بين دولة يهودية وديمقراطية، وهو البعد الاستعماري الذي ولدت من رحمه الدولة الإسرائيلية والذي صاغ شكلها وصورتها، حيث يتطاحن المشاركون في النقاش على إيجاد "الخلطة" السحرية التي تمكن الدولة من أن توفق بين الخاص اليهودي والعالمي الديمقراطي، بعضهم يرغب في زيادة عيار اليهودية وآخرون يزيدون عيار الديمقراطية، والاثنان يحاججان ويقارنان إسرائيل بفرنسا وأميركا وبقوانين في اليابان واليونان ودول أوروبا الشرقية والغربية ويتناسيان أن وجود إسرائيل يعتبر حالة خاصة.

 

عن الاعتراف بالدولة اليهودية

 

أ‌.       تجاهل البعد الاستعماري

 

النقاشات التي تخوض في معنى الدولة اليهودية وسبل تطبيقها تتجاهل قصداً السياق الكولونيالي (19) والتاريخي لنشوء الدولة الإسرائيلية والظلم التاريخي الذي لحق بالسكان الأصليين للبلد، جراء إخراج فكرة إنشاء وطن قومي يهودي في أرض مأهولة بالسكان. ويتم في سياق النقاشات التي يسوقها المفكرون الليبراليون الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن فكرة الدولة اليهودية، مثل روت غابيزون، شلومو أفينيري، أمنون روبنشتاين وألكسندر يعقوبسون، التشديد على أن الدولة اليهودية ستكون ديمقراطية، وبالتالي تضمن عدم المس بحقوق الأقلية. غير أن نقطة الانطلاق التي يبني عليها هؤلاء محاججاتهم هي أن السكان المهاجرين هم السكان الأصليون، فيما يعتبر الفلسطينيون أقلية مهاجرة أو غريبة يجب التسامح معها. بالطبع هم لا يقومون بالتعبير عن هذه الفكرة بهذه السذاجة المباشرة، لكنهم من خلال موضعه إسرائيل في صف الدول الأوروبية يسعون إلى نزع الصبغة الاستعمارية عنها. يكتب في هذا السياق مثلا شلومو أفينيري: (20)

 ترى إسرائيل نفسها دولة الشعب اليهودي تماماً مثلما ترى بولندا نفسها دولة الشعب البولندي واليونان دولة الشعب اليوناني، كما سترى الدولة الفلسطينية العتيدة نفسها كدولة الشعب الفلسطيني.

يتكرر هذا الادعاء تقريباً في كل المحاججات الإسرائيلية المدافعة عن حق إسرائيل في تعريف نفسها كدولة يهودية. وأكثر من ذلك يتكرر في مطالبة الفلسطيني (لنقل ضحية الفكرة) بالاعتراف أن هذا هو حق لا يقل عن حق أي شعب آخر، وهو على أية حال غير قابل للسلب أو حتى التشكيك، لأن اليهودي إذا قرر أنه شعب ويريد أن يتم التعامل معه على هذا الأساس فله الحق في ذلك مثله مثل البولندي واليوناني، وإن القول بغير ذلك ينزع عنه الحق في تقرير المصير وهو ما أصبحت تكفله التشريعات الدولية.

المشكلة إذن ليس في ما يقوله النص بل بما يحجب وما يغيب، وهو أن البولنديين واليونانيين لم يأتوا من قارات بعيدة كي يطردوا أهلها ويقيموا عليها أوطانهم ويصادروا أملاكهم ويمنعوهم من العودة من خلال سن قوانين تكفل "بولنديتها" (هذا ما قامت به أنظمة مظلمة في تاريخ أوروبا) بل حددوا مصيرهم في الرقعة الجغرافية التي عاشوا عليها منذ آلاف السنين، وثانياً فإن البولنديين لا يعتبرون الدولة دولة مسيحيي بولندا دون يهودها، بل كل بولندييها، فيما ترغب إسرائيل أن تكون إسرائيل دولة كل يهود العالم حتى إن لم يرغبوا في ذلك وليس دولة إسرائيلييها (عرباً ويهوداً في سياقنا هذا)، وهنا المكان أيضاً للتذكير بأن اليهودي بحسب قانون العودة الإسرائيلي يكف عن كونه يهودياً إن حول دينه برغبته، ولكني لا أعرف إن كان البولندي سيكف عن كونه بولنديا إن أخذ جنسية أميركية، إذ أن التعريف القومي يتعدى التصريح الديني أو السياسي للفرد، إذ إن تحول الفلسطيني إلى "العمالة" لا يعني أنه سيكف عن كونه فلسطينياً (سيكون فلسطينياً عميلاً ولكن فلسطيني!).

إن ما يطالب به عملياً المفكرون الليبراليون هو نزع صبغة الاستعمار عن إسرائيل ووضعها في مصاف الدول الأوروبية الطبيعية. وبالعادة لا يقيمون المقارنة مع أميركا لأنها بمثابة مرآة لهم كما كتب ادوارد سعيد في مؤلفة قضية فلسطين. في هذا السياق ليس من المستهجن أن يطالب "المستعمِر" من المستعمَر الاعتراف بحقه في تعريف ذاته، بل في حقه أن يفعل ذلك عبر إلغاء رواية الآخر الذي خسر 80 بالمئة من وطنه، ويطالب الآن بالاعتراف أن هذه الخسارة هي أسمى تعبير لحق الآخر في إقامة وطنه على خرائبه.

 

 

ب. تحويل الصراع إلى صراع ديني

 

أولا: يعني الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية ضمنا الاعتراف بمركزية البعد الديني، بالذات بسبب ما ادعاه آباء الصهيونية أولا وأبناؤها لاحقا عن خصوصية القومية اليهودية التي يتطابق فيها الديني بالقومي وهو ما يعني أن الإسرائيلي يطالب الفلسطيني الاعتراف بمركزية قصصه التوراتية والعلاقة الدينية والروحانية الخاصة مع "أرض  إسرائيل" في ذات الوقت الذي يطالبه فيه إنكار قصصه الدينية الخاصة خاصة فيما يتعلق باعتبار أرض فلسطين أرض وقف إسلامية أو تلك التي تعتبر الأقصى ذا مكانة دينية خاصة . إن هذا التحويل يعني نقل الصراع من الساحة القومية إلى الساحة الدينية التي يحاجج كل طرف فيها مستندا إلى وعود سماوية غير قابلة للنقاش.

ثانيا: لو افترضنا جدلا أن القول والادعاء هما أن المطلوب هو الاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي وليس دولة يهودية بالمنظور الديني، فإن هذا القول متناقض لأنه يدعي انه لا يمكن الفصل بين القومية والدين ثم يطالب الآخر الاعتراف بالبعد القومي باعتباره منفصلا. إن نقاشات من هو يهودي وكيف يعرف اليهودي الذي تطرقت لها سابقا، باعتبارها محاولة لوضع حدود الجماعة القومية، وإن بدت إشكاليات داخلية حول الهوية وعدم القدرة على الفصل بين الديني والقومي أو على إيجاد تعريف مدني علماني للهوية بل أساسا تبني التعريف الديني لليهودي كمن ولد لام يهودية، تعني الإقرار بمركزية الديني في القومي والسياسي وإعادة تأكيد له .

ثالثا: إن مطلب الاعتراف بحقوق الشعب اليهودي على فلسطين يراد منه تبني العالم كله للمقولات الإشكالية المتناقضة التي رفعها العلمانيون اليهود الذين أسسوا الصهيونية والتي صاغها أوري أفنيري بقوله "إن جماعة لا تؤمن بالله تطالب بالأرض التي منحت لها من الله"، بكلمات أخرى: إن الجماعة التي لا تؤمن بالله والتي أسست مشروعها على أراض ادعت أنها أخذتها من الله تريد من الفلسطيني أن يؤمن بقصص لا تؤمن هي بها أصلا.

 

ج‌.  الاعتراف بالرواية اليهودية الصهيونية

 

يواجه الادعاء أعلاه أن طلب الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية يعني نقل الصراع من القومي الى الديني بادعاء إسرائيلي- صهيوني مفاده ان القومية اليهودية هي أكبر وأبعد من المركب الديني والتوراتي بل إنها تحتويه لكنها لا تقتصر عليه. وبحسب هذا الادعاء يشكل اليهود جماعة إثنية موغلة في القدم ويسبق نشوء اليهودية، حيث تم تبني الدين اليهودي من قبل هذه الجماعة وهو ما أنتج في مرحلة لاحقة التطابق الهوياتي بين الإثني والديني ولكن ليس التاريخي لأن البدايات مختلفة. استنادا إلى هذا فان المطالبة ليست بالاعتراف بالبعد الديني او الروحاني بل بالذات بالحق التاريخي الذي يسبق الديني، وهو ما يعني عمليا ان على الفلسطيني الذي سلبت أرضه وشرد ونكب أن يعترف بأن نكبته هي نتاج استرداد حق تاريخي لحق امتلكه على غير وجه حق، وإن أخذنا هذا المنطق بعين الجد سيكون على الفلسطيني اعتبار وجوده في فلسطين حدثا عارضا تم تصحيحه في عمل عادل هو نكبته، وهو بالضبط ما يعنيه نتنياهو.

لا تطالب الدول عادة أعداءها بالاعتراف بغير حقها في الوجود، وهو ما حدث مثلاً خلال معاهدة السلام مع كل من مصر والأردن، إذ تم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. غير إن الإسرائيليين يقولون اليوم بأن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود أصبح شيئاً غير كاف، وأن المطلوب هو الاعتراف بحقها في الوجود كدولة يهودية (ربما يفيد الاعتراف بها دولة ديمقراطية بدل ذلك! وبالتالي سد أية إمكانية ولو نظرية لتحويلها إلى دولة تقمع أقلياتها) وهو ما يعني أن الدولة لا تكتفي بأن يقر الجانب الفلسطيني بوجودها، بل بأن وجودها هذا ليس بحكم الأمر الواقع (De Facto) بل بحكم الحق والعدل، وهو ما يعني عملياً أن يعيد الفلسطيني النظر في كل المواقف التاريخية التي اتخذها ضد استعمار بلاده والإقرار برواية الآخر للصراع، ما يعني ان معارضته منذ بلفور كانت خاطئة، ولذا فإنه لن يوافق أو يدعم أو يفكر حتى مستقبلاً بأي عمل من شأنه أن يهدد البنية اليهودية، حتى لو صار هو أكثرية.

يعني ذلك فيما يعنيه أن إسرائيل التي تسيطر عملياً اليوم على كامل تراب فلسطين بمن فيه من سكان فلسطينيين يعيش معظمهم تحت الاحتلال فيما تساوم بقيتهم على حريتهم، لا تكتفي في حسم الحاضر ولا بمكاسبه بل تريد أن تعيد إنتاج حسم يطال الماضي والمستقبل في ضربة واحدة، حيث يتم حسم الماضي من خلال مطالبة ضحيتها بشرعنة عملية استعمار بلدها ونكبتها لأنها في النهاية كانت الوسيلة التي أدت إلى تحقيق حلم الدولة اليهودية ونتجت عن معاداة الفلسطيني لهذا "الحق"، وحسم المستقبل من خلال إغلاق أية إمكانية لتحول إسرائيل إلى دولة طبيعية تساوي بين مواطنيها سواء أكانوا عرباً أم يهوداً من غير أن تحسم التعامل مع 20 بالمئة على أساس كونهم خطراً ديمغرافيا حيناً وأمنياً حيناً آخر، بدل تمترسها في هويات قبلية وتراتبية جهوية.

 

د. تبني النموذج المثالي والعيش في الواقع المأزوم

 

يضاف إلى البعد الأخلاقي المتعلق بالعلاقة بين الاعتراف بيهودية الدولة والسكان الأصليين بعدٌ نظري متعلق بمعنى وضع نموذج مثالي متخيل وتطبيقه على الواقع. وقد عرف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر النموذج المثالي (Ideal Type) بأنه عبارة عن بناء عقلي من المفاهيم المجردة والذي لا يوجد له نظير في الواقع التجريبي. وهو مصمم من أجل إعطاء تصور عن الواقع. إن النقطة المهمة هو أن النماذج المثالية هي نماذج متخيلة وليست حقيقية. وفي هذا السياق عادة ما يتحدث المفكرون الإسرائيليون الليبراليون عن نموذج يهودي وديمقراطي يكون قادراً على الدمج بين المركبات اليهودية الجهوية والمحلية وبين المركبات العالمية الديمقراطية من غير ان يكون الأمر إشكالياً، لكن الفجوة بين النموذج المثالي وبين الواقع كبيرة جداً، بل إن دولة إسرائيل بوضعها الحالي لا تميز فقط بين العرب واليهود وتتعامل بمكيالين معهما، إنما تتجه نحو مناح أكثر إيغالاً في العنصرية والفاشية. وقد نشر مركز عدالة- المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل- تقريراً يرصد قائمة تضم عشرين قانوناً مركزياً جديداً ومشاريع قوانين مطروحة للبحث خلال العام 2010 "تميز جميعها ضد الأقلية الفلسطينية في إسرائيل وتهدد حقوقهم كمواطني الدولة، وتنتهك في بعض الحالات حقوق السكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة"،  مع العلم أن هذه القائمة لا ترصد  كما يشير معدوها "جميع التشريعات التمييزية و/أو العنصرية المطروحة حالياً في الكنيست، فإنها تُعدّد مشاريع قوانين تتمتع بقسط كبير من الفرص لنجاح تشريعها وتحولها إلى قوانين و/أو أن تحمل ضرراً جسيماً بحقوق الفلسطينيين، في حال تشريعها" (21).

لا بأس من الإشارة أيضاً إلى الفجوات الكبيرة في مستوى الحياة والرفاهية والبطالة بين العرب واليهود، إذ إن كل المؤشرات تسجل بوضوح فجوات صارخة لا تبقي مجالاً للشك في أن الواقع الفعلي يشير إلى وضع العرب المتردي مقارنة باليهود. ويعني هذا أن الحديث عن النموذج المثالي للدولة اليهودية والديمقراطية هو الحديث عن نموذج غير واقعي، غير تاريخي، ومتخيل، غير واقعي لأنه فشل في امتحان الواقع كما خبره العربي الفلسطيني في إسرائيل، ومتخيل لأنه يدمج بين المركبات المتضادة الخاصة والعامة الجهوية والإنسانية القبلية والعالمية والدينية والعلمانية من غير أن يلتفت إلى الصراعات والديناميكيات التي ستنتج بسبب عملية الدمج هذه، وهو يعيش على ما يتمناه ويحاول أن يفصل الواقع بحسب المثال الذي لا يمكن أن ينتج عن تحويله إلى واقع إلا صراعات دموية، من الممكن تفاديها إذا ما تم العمل على إنتاج نموذج يسمح بتطبيع الدولة واستيعابها في السياق المحيط، وليس تحويل النموذج الإقصائي والاستعماري إلى نموذج مثالي.

 

الهوامش:

 

1 -  شيري طال- لندمان 2010 ، "المركب الخامس، الاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي" في عدكان استراتيجي، جزء 13، عدد 3، تشرين الأول. ص 123 (عبرية)

2- عمري نحمياس ونداف بيري 2010 " نتنياهو قرر أن من يريد المواطنة علية حلفان يمين الولاء لإسرائيل كدولة يهودية". 6.10.2010 نشر في موقع نعنع: http://news.nana10.co.il/Article/?ArticleID=749961

3-  عمري نحمياس ونداف بيري ،م. س.

4- انظر شيري طال- لندمان م.س، ص. 121

5-  تسيبي ليفني في خطاب لها أمام ورشة عمل نظمتها كتلة كاديما في الكنيست تحت عنوان "دولة إسرائيل- هوية يهودية في دولة ديمقراطية" 27-5-2010 نشرت في http://www.inn.co.il/News/Flash.aspx/289117

6- للمزيد أنظر شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، ترجمة سعيد عياش، إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله 2010.

7-   لنص وعد بلفور كما ورد بالانكليزية انظر : http://www.adespicabletruce.org.uk/page68.html

8-  لنص القرار بالعربية انظر http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1BD7925E-535B-4E14-ABE2-DADE9FD33845,frameless.htm

9 - يوآب بيلد وغرشون شافير، 2005، من هو الإسرائيلي، تل أبيب: جامعة تل أبيب، ص 181.

10-   مجلس الشعب، بروتوكول نقاشات أ، جلسة أ، 16 مايو 1948 ص 22. (بند 13 أ ) كما اقتبس في زلدين غابرييل، 1995" الهجرة غير اليهودية في العقد الأول لقيام الدولة: معطيات، مواقف وآثار " ماعوف ومعسيه، رقم 6 (بالعبرية).

11-  في زلدين غابرييل، م.س.

12- زلدين غابرييل، م.س

13-  بيلد وشافير، ص 179

14- لمزيد من المعلومات حول قضية " الاخ دانيال" انظر:

Twersky, David, 1988 “The Strange case of Brother Daniel”, Jewish World Review, August 5, 1988.  http://www.jewishworldreview.com/cols/twersky080598.html

15- قرار محكمة العدل  6247/04:  http://elyon1.court.gov.il/files/04/470/062/b43/04062470.b43.htm

16- قرار محكمة العدل العليا في قضية بيسرو غولدشتاين 93/1031

17- للمزيد انظر ورقة 53 من إصدار مدار "سيناريو يوم القيامة" مقتطفات من بروتوكولات الجلسات الحكومية عشيه حرب 1973، ترجمة وإعداد سعيد عياش، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، كانون الأول 2010.

18- محكمة العدل العليا  6698/95 عادل قعدان ضد إدارة أراضي إسرائيل ص 280-281.

19- ذكر هذه النقطة أيضاً كل من يواب بيلد وغرشون شافير في كتابهما من هو الإسرائيلي. م.س.

20- شلومو أفينيري، 2010. شعب فلسطيني نعم وشعب يهودي لا؟ هآرتس. 13.8.2010

21-  تقرير عدالة 2010،  قوانين ومشاريع قوانين تمييزية جديدة في إسرائيل، عدد 76، تشرين الثاني 2010:

http://www.adalah.org/newsletter/ara/nov10/nov10.html

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018