جابي برامكي ... جذورُ العطاءِ التي لا تجفّ

جابي برامكي ... جذورُ العطاءِ التي لا تجفّ
جابي برامكي

قبل أيام من مفارقتنا، طلبَ من رفيقة دربه السيدة هيفاء برامكي أن تقرأ له آخر مراسلات الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمة والثقافية لإسرائيل ليُبدي رأيه في رسالة كانت الحملة تعدّ لتوجيهها لنشطاء المقاطعة في جامعات جنوب أفريقيا لحثهم على تصعيد وتيرة المقاطعة هناك. ذُهلنا جميعاً في اللجنة التوجيهية للحملة عندما رأينا رد جابي على الرسالة! كيف يمكن لشخص في غرفة العناية المكثّفة بالمستشفى يراوح بين الغيبوبة والوعي أن يفكر بواجباته النضالية حتى آخر رمق.

ولكن هنا يكمُن السرّ، فزميلنا وصديقنا الحبيب جابي لم يكن مجرد شخص؛ كان حالة إنسانية نبيلة قلّما تتكرر ... كرّس حياته للتربية والتعليم والكفاح ضد الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي ولنيل حقوقنا غير المنقوصة، وعلى رأسها تقرير المصير والحرية والعدالة.

لم يُشعرنا أو يشعر أحداً في أي مناسبة بمكانته المرموقة أو حتى بعقود عمره الثمانية، الغنية بالتجارب والخبرات القيّمة. كان يشارك في كل شيء كزميل لا ينشُد تميّزاً عن أحد، رغم تميّزه عن الجميع.

عندما قررنا إطلاق حملة ضد متحف إسرائيلي مقام في منزل عائلة برامكي في القدس والذي صودر من والده خلال نكبة عام 1948، كنا نبحث تفاصيل قصة نهب البيت، كبيوت عشرات آلاف الفلسطينيين الذين اقتلعنهم وهجرتهم العصابات الصهيونية وبعدها دولة الاحتلال، تفاصيل الجمالية المعمارية الخاصة للبيت، تفاصيل تهجير العائلة إلى ما بات يعرف بالقدس الشرقية ... كان جابي يشارك في التفكير والتخطيط بتجرّد من علاقته المباشرة مع القصة. استمر ذلك حتى وصف لنا جابي كيف كان والده، مهندس البيت وصاحبه، يذهب كل يوم إلى الحدّ الفاصل بين شطري المدينة المقدسة المنكوبة، ليجلس ساعات يراقب بيته المنهوب، بصمت، بحرقة، وبإصرار على التواصل معه، على الأقل روحياً. وقتها تغلّب الحزن لوهلة على رباطة جأش جابي، ولكن فقط لوهلة.

من رئاسة جامعة بيرزيت بالنيابة، بعد إبعاد رئيسها د. حنّا ناصر، إلى قيادته مع زملاء وزميلات له للمظاهرات الوطنية ضد إغلاق سلطات الاحتلال للجامعات الفلسطينية في 1988، في خضمّ الانتفاضة الأولى، ومن مساهماته في تطوير التعليم في فلسطين من خلال مناصبه في وزارة التربية والتعليم العالي ومجلس التعليم العالي وغيرها، إلى مشاركته تطوعاً في العديد من المؤسسات الأهلية الرائدة، كان جابي برامكي محل إجماع وطني واحترام شعبي قل نظيرهما.

أما مساهمته في بناء حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها من خلال تطوعه في اللجنة التوجيهية للحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل فقد كانت هادئة، فعّالة، مثابرة، خلاقة وكريمة إلى أبعد الحدود. كان جابي بالنسبة لنا "دبلوماسي الحملة" دون منازع. كان رجل المهام الصعبة الذي لم يتورع لحظة عن طرق باب أي وزير أو مسؤول لتصويب خطأ أو لمناهضة مشروع تطبيعي أو لنشر ثقافة المقاطعة في المدارس كجزء مكوّن من تربية الجيل الناشئ على مفاهيم الحرية والعدالة وتحقيق الذات من خلال النضال ضد الظلم.

إن كان أفضل التربويين هو من يربّي من خلال تحفيز التعلّم، لا تكريس "التعليم" (بمفهوم التلقين والوصاية على العقول)، فقد تعلّمنا جميعاً من جابي، دون أن "يعلّمَنا"، معنى الجمع بين الكرامة والتواضع والعطاء اللا-محدود في سيرورة التحرر التي تبدأ بالضرورة بتحرير العقول.

سنفتقد جابي برامكي، التربوي، المناضل بامتياز، والزميل ... سيفتقده الفلسطينيون/ات جميعاً ... بل سيفتقده كل من يناضل في العالم من أجل حياة حرة كريمة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018