جنين: يوميات مدينة في قبضة كورونا

جنين: يوميات مدينة في قبضة كورونا
مدينة جنين (خاص بـ"عرب 48")

بدتْ جنين ظهيرة الأحد منتصف آذار/ مارس مدينة مشلولة الحركة تحاول الإفلات من شبح حاصر مفاصلها، أضحى شارع أبو بكر الشهير المزدحم دومًا خاليًا من الباعة، وقد أغلق بعض التجار محالهم، وغاب عن مقهى "الدلكيت" الشعبي رواده.

استعادت ذاكرتي، في شارع أبو بكر، تفاصيل عملية "الدرع الواقي" التي نفذتها قوات الاحتلال نهاية آذار/ مارس 2002، وانتهت بعد أربعين يومًا بتدمير مخيم جنين وشل المدينة، واحتلال الضفة الغربية.

وأنا أتبادل الحديث مع مدير المقهى علم مسَاد، كان ثمة عاملان اثنان أحدهما ينظف زجاج الواجهة الأمامية للمقهى المطل على دوار السينما، والأخر يُعد وجبة سريعة لزبون يقف بعيدًا عند المدخل، فيما كانت مقاعد وطاولات المقهى الرمادية مركونة إلى زاوية بعيدة.

دخلت سيدة أربعينية سددت ثمن فنجان قهوة، وانطلقت على عجلٍ قبل أن تدفع - بأدب- بمرفق يدها فتاة كانت تهِم لدخول المقهى خوفًا من الاحتكاك.

المقهى الذي لا تزيد مساحته عن خمسين مترًا مربعًا، وعمره أكثر من ربع قرن، يبيع وجبات سريعة ومشروبات ساخنة وباردة، جُل روَاده من فئة الشباب والموظفين.

وتعرَّض المقهى لإغلاق شبه كامل مع اندلاع انتفاضة الأقصى وفرض الاحتلال منعًا للتجوال المتكرر، لكن مع إعلان حالة الطوارئ أصبح في أسوأ مراحله، "المدينة مشلولة والناس يشعرون بأنهم في قبضة المجهول، والخوف من الاحتكاك والعدوى جعلهم ملتزمون في بيوتهم، لكني مؤمن أن هذه المرحلة سنجتازها، والمقهى سيعود كما كان" هكذا أوجز مساد حديثه معي.

وفي الشارع الخلفي للمقهى يقف إبراهيم صادق، بهدوء يرقب من خلف "الكاونتر" حركة الشارع اليتيمة. ويعمل إبراهيم بدوام جزئي صباحًا كمسؤول عن مطعم ضخم يبيع وجبات دجاج مع البطاطس يملكه أحد أقربائه.

راقبت بهدوء عند مدخل المطعم حركة زبون دخل لشراء وجبة دجاج، وأصر -قبل أن يغادر- على مصافحة إبراهيم، فانحنى هذا الأخير برشاقة خلف "الكاونتر" وأخرج علبة معقم وعقّم يديه.

المطعم الذي كان يرتاده يوميًا اكثر من ثلاثمائة زبون انخفضت مبيعاته إلى 80% منذ إعلان حالة الطوارئ مطلع الأسبوع الماضي، وقد أغلق قاعة الاستقبال في وجوه زبائنه، واقتصرت مبيعاته للوجبات التي تؤخذ خارج أبوابه. هذا ما دونته على لسان إبراهيم الذي يرى أن المدينة أضحت ميّتة مع كورونا.

مدينة جنين (خاص بـ"عرب 48")

عند باب مدخل الطوارئ في المشفى الحكومي طالعني ملصق يخاطب المراجعين الذين يعانون من أعراض الرشح والإنفلونزا بضرورة التوجه للمركز الكوري، والذي جُهّز مع إعلان حالة الطوارئ لاستقبال من يشتبه بإصابتهم بالفيروس. بُني المركز كهدية -لأهالي المحافظة- من الحكومة الكورية تُعقد فيه اجتماعات البلدية وتقام فيه النشاطات الثقافية والترفيهية.

أمضيت أكثر من ساعة وأنا أتجول داخل أروقة المشفى قبل أن أهتديَ لأحد المدراء العاملين الذي رفض مقابلتي لادعاءه أنه غير مخوّل للحديث أمام أي جهة صحافية، لكني وُفقت باقتناص معلومة سردها أحد الأطباء مشترطًا عدم ذكر اسمه، وهي أن مريضًا وصل من طولكرم إلى المشفى لإجراء خزعة في حباله الصوتية وقد أثار الرعب بين الأطباء والممرضين، عندما أخبرهم أنه خالط أحد المصابين بالفيروس خلال تواجده في مدينته، وعلى الفور انفض الطاقم والممرضين من حوله، قبل أن تُؤكد الفحوصات فيما بعد عدم إصابته بكورونا.

عند مدخل المركز الكوري شرقي المدينة، حافظَ الطبيب عبد الله أبو حطب مسؤول الطب الوقائي، على مسافة تزيد عن مترين، أثناء استماعه لعامل قادم من داخل الأراضي المحتلة عام 1948 للتو عبر معبر الجلمة شمالي المدينة.

وقد عانى الثلاثيني -الذي يعمل في البناء قرب مدينة حيفا- قبل عدة أيام من التهاب بالحلق وارتفاع درجة حرارة جسمه. كانت ملامح القلق واضحة على تقاطيع وجهه وهو يتحدث للطبيب: "لقد شاهدت عشرة مصابين بالفيروس على الأقل، وضَعتهُم الطواقم الطبية الإسرائيلية داخل صناديق الحجر الصحي ونقلتهم للمشافي، وأنا الوحيد من بين زملائي بالعمل قد احتك وبشكل مباشر بأهالي الحي، وقد طلب مني ربُّ العمل بالعودة إلى الضفة لإجراء الفحوصات"، لكن الأطباء العاملون بالمركز طالبوه بالبقاء بعيدًا قبل أن يقرروا وقت فحصه.

أخبرني الطبيب إياد سمور أحد العاملين بالمركز، بعجالةٍ عن عدد الحالات التي تقدمت للفحص الوقائي منذ إعلان حالة الطوارئ: ترددت أكثر من 400 حالة إلى المركز الكوري، للفحص خلال أسبوع كامل، وهو مجُهّز بما يتواءم لاستقبال ثلاثين حالة مصابة بالفيروس في محاولة لتخفيف الضغط عن باقي مشافي المدينة التي يبلغ عددها ثلاثة عدا عن المشفى الحكومي.

من سوق جنين (أ ب أ)

عند المسجد الكبير في المدينة انحرفتُ بخطواتٍ بطيئة اتجاه الغرب حيث سوق الخضار الكبير الذي يعد أكبر تجمع لبائعي الخضار والفواكه، هذا التجمع المسقوف بألواح الصفيح أنشأتهُ البلدية قبل عدة أعوام في محاولة لاحتواء أكبر عدد من الباعة الجائلين الذين كانوا يملؤون طرقات المدينة ويعيقون حركة السير. حجزُ مكان داخل السوق يتطلب دفع مبلغ 500 دينار أردني سنويًا، وقد وقعت عدة مناوشات بين البلدية والباعة أواخر العام الماضي على خلفية تكديس مخلفاتهم من خضار تالفة وصناديق فارغة.

ودفع ذلك، البلدية بالتعاون مع الشرطة لإغلاق مداخل السوق بالسواتر الترابية كعقاب، لكن بفضل بعض الوَساطات بين الباعة والبلدية سُويَ الخلاف وأزيلت السواتر. على وقع صيحات الباعة تجولت بهدوء بين بسطاتهم، البضاعة هنا متكدسة والزبائن قليلون.

محمد خلف شاب عشريني من سكان المدينة، يجهز بضاعته عند الساعة الثامنة صباحًا لعرضها على زبائنه، بدا الشاب ممتعضا جدًا حينما اقترب أحد الزبائن وراح يقلب ببضاعته على نحو مريع، قبل أن يغادر دون شراء.

قذف شقيقه محمود بسخرية لاذعة سؤالًا على مسمعنا أثناء تبادلنا الحديث: متى ستُنهي الحكومة فيروس كورونا؟ هذا الأسبوع بلغت قيمة مبيعاتنا 400 شيكل، ونحن مدينون للمزارعين بألفي شيكل ثمن الخضار التي نعرضها يوميًا.

يُطلق محمد ضحكة عاليا في سماء السوق ما استدعى جيرانه الباعة إلى التجمهر حولي مطالبين بتسجيل أقوالهم، سألتهم عما إذا كان تجمهرهم على هذا النحو يُشكل بيئة خصبة لنقل عدوى الفيروس، وقالوا إن "هناك أشياء في حياتنا نحن الفلسطينيين أقسى من كورونا، كالاحتلال والقروض والاقتصاد المتردي"، وراحوا يعانقون بعضهم وسط حفلة ضحك غير آبهين بحكايات الفيروس المنتشر وسرعة انتقاله.

لأول مرة شعرت بأنه من السهل علي التجول بحرية تامة في الشارع الغربي الملاصق للسوق، في الوقت الذي كنت أتجنب مرغمًا المرور منه لكثرة ازدحامه بالمتبضعين وبخاصة أولئك القادمين من الداخل المحتل.

عند منتصف نهاية هذا الشارع الذي يمتد حتى كراجات قرى غربي جنين، توقفتُ أفتشُ بروية عن لافتة لطبيب أو طبيبة أسنان للحديث إليهم لأنهم الأقرب إلى المرضى والأكثر احتكاكًا بهم، إذا سلَّمنا بأن أي عدوى تنتقل أكثر ما يكون عبر الأنف والفم.

عند إحدى تقاطعات الشارع نفسه طالعتني لافتة مركونة في أقصى زاوية الدور الرابع لطبيبة تدعى مي صبيح، دلفتُ للبناية وأخذت المصعد إليها. في العيادة المكونة من حجرتين للعلاج، اصطحبتني السكرتيرة إلى غرفة جلوس صغيرة بانتظار حوار الطبيبة، في الأثناء تسللت السكرتيرة إلى إحدى الحُجر لتشرّع نوافذها وترش مادة "سبيرتو" المعقمة.

وتوقفت الطبيبة صبيح وكإجراء احترازي من نقل العدوى، عن استقبال مراجعيها إلا الحالات الطارئة منها والمعروفة سجلها الصحي لديها، ولم تخفِ خوفها من انتقال العدوى بعد أن أصيبت بالهلع عندما كانت تقدم العلاج لحالة طارئة وصلت قبل يومين إلى عيادتها؛ المريض كان يبدو عليه الإعياء مصحوبًا بسعالٍ كثير طوال مكوثه بين يدي الطبيبة.

كظمت غيظًا كبيرًا حينما آثرت امرأة النزول من المركبة عند سماعها إجابة على سؤال صديق بأني عُدتُ من إسبانيا قبل ثلاثة أسابيع.

انطلقت المركبة على وقع حديث الرُكاب عن إغلاق مدينة طولكرم بعد تسجيل حالة جديدة مصابة بكورونا قادمة من بولندا. استأنفت الحديث طوعًا للدفاع عن نفسي حول تصرف المرأة التي خرجت من الحافلة: "أنا أجري فحوصات طبية مرةً واحد على الأقل كل عام، ولدي ثقافة صحية عالية وعندما عُدتٌ من إسبانيا لم تكن هناك أي حالةٍ سُجلت إصابتها بالفيروس".

زمن فيروس كورونا هو زمن فيروس السارس الذي اجتاح العالم مطلع الألفية الثانية، وأيضًا الكوليرا والطاعون مطلع القرن الماضي. يبقى المرض يتجوَّلُ حتى يُلقى القبض عليه بمصلٍ ينهي حياته، لكن فيروسات القهر الطبقي والفقر والتسلط وفقدان العدالة الاجتماعية، هي فيروسات حتى اللحظة فشل العالم بإيجاد مصلٍ يضع حدًا لها.