خاص | غزة: الحياة تعترض صواريخ الاحتلال

خاص | غزة: الحياة تعترض صواريخ الاحتلال
(أ ب أ)

"نظلم غزة حين نحولها إلى أسطورة لأننا سنكرهها حين نكتشف أنها ليست أكثر من مدينة فقيرة صغيرة تقاوم"


لا تُدمِّر الصواريخ الإسرائيلية التي تسقط على غزة الحجارة والمباني فقط، بل تُدمر آمالًا مخبأة وتكشف قصصًا لم تكن لتُعرف لولا أن نار الاحتلال باغتتها فجأة وأبطالها نائمون يفكرون بما يحمله لهم الغد. هذا بالضبط ما حصل مع الشاب وليد الشوا (26 عامًا)، الذي كان من المُقرر أن يُقام حفل زفافه بعد أسبوعين من تلك الليلة التي هدمت الصواريخ الإسرائيلية فيها المنزل الذي جهّز فيه "جهاز" عُرسه، لتُعيد الصواريخ الإسرائيلية التي تحمل أطنانا من المتفجّرات وبلمحة بصر، كل شيء إلى ما قبل نقطة البداية.

يوم الإثنين 25 آذار/ مارس، عند الساعة السابعة مساءً، كان وليد يجول بسيارة الأجرة التي يعمل فيها بشوارع مدينة غزة من شاطئ البحر حتى شرق المدينة، يعبر شارع الوحدة الذي يصل شرق المدينة بغربها باحثًا عن راكب في ذلك المساء الحزين، الذي كان ينوي في نهايته الذهاب إلى منزل خطيبته نائلة لتناول طعام العشاء معًا. هاتفته أمه لتُخبره أن الجيش الإسرائيلي أرسل إنذارًا بقصف مقر أمني بجانب منزلهم الذي كان من المفترض أن يتزوج في أحد غرفه. أغلقت أمه سماعة الهاتف وسُمع صوت انفجار هزّ وسط المدينة، ليغمض وليد عينيه في دقيقة صمت قبل أن يقود السيارة إلى ذلك المنزل الذي سُوّي بالأرض وصارت فرحته مدفونة تحت الركام.

"لأن غزة من مواليد النار ونحن من مواليد الانتظار والبكاء على الديار‏‏"

وليد الشوا

بصوت منخفض وحزين، حدّث الشوّا مراسلة "عرب 48"، عن تفاصيل تجهيزه للفرح المُنتظر؛ "كنت على جهوزية تامة لإقامة مراسم زواجي من خطيبتي نائلة، جهزت أثاث غرفتنا كاملًا وعلقت بدلة الفرح في الخزانة، وأحضرت خطيبتي "جهازها"، لكن انتظارنا للفرح تحول للبكاء على البيت وما حل به"، متأملًا أن يستطيع الحصول على تعويض، أو أن يجد من يتبرع له بتجهيز ما طمسته الصواريخ ليكتمل الفرح الذي طال انتظاره، الذي يبدو أنه سيطول إلى أجلٍ غير معلوم.

"قد ينتصر الأعداء على غزة (...) قد يكسرون عظامها‏‏ وقد يرمونها في البحر أو الرمل أو الدم ولكنها لن تكرر الأكاذيب ولن تقول للغزاة: نعم‏‏"

المصائب لا تأتي فرادى في هذا المكان، فالناس في غزة يعرفون حجم الألم الممتد منذ سنوات، وكم تحمل الأماكن رائحة للموت والدمار الذي لا يكاد يخلو منه شارع في القطاع بمدنهِ ومخيماته، فالحروب الثلاثة وما تبعها من تصعيدات مستمرة، جعلت الركام هو العادي في المباني وصار وجود أحياءٍ بلا دمار هو الشيء الغريب.

عايدة الحويطي

لم يكن وليد وحده من دمر الاحتلال فرحته، فالعروس شيماء الحويطي (20 عاما) كانت تنتظر فرحها بعد أيام قليلة من اليوم الذي قرر فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي هدم منزلهم وسط مدينة غزة، فبينما كانت تجمّع شيماء "جهازها" لنقله إلى بيت زوجها. بدأ أهالي الحي بالصراخ عليهما كي يغادرا المنزل فورًا لأن قصفًا إسرائيليًا يستهدف منزلهم، إلا أن الحويطي حاولت أن تُنقذ ووالدتها ما يمكن إنقاذه، بيد أن الطائرات الإسرائيلية، سوّت منزلهم بالتراب بعد دقائق من خروجهما.

في الصباح الأول للقصف، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لوالدة شيماء، السيدة عايدة الحويطي (50 عامًا)، وهي تسرد المأساة التي تعرضت لها عائلتها على مدار مقاومة الفلسطينيين للاحتلال، ورددت جملة "من وين بدي أطلعها"، التي انتشرت كالنار في الهشيم على وسائل الإعلام، وتساءلت بذلك عن الطريقة التي ستخرج فيها العروس من منزلها المدمر إلى بيت زوجها بعد أيام.

شكّلت هذه الجملة حالة كبيرة من التضامن بين أهالي غزة الذين يعانون بمختلف أطيافهم من ويلات الحصار المستمر، فسارع العشرات من أصحاب المحلات والشركات والأفراد يعلنون تباعًا عن استعدادهم لتغطية التفاصيل المختلفة لتجهيز الفرح، واستعد رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، إسماعيل هنية، بأن تخرج العروس إلى بيت زوجها من منزله في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، وتكفل آخرون بتجهيز سيارات لزفة العروس، وأعلن محل "كوافير" وسط المدينة باستعداده لتجهيز المكياج للعروس وقريباتها.

حملة التكافل هذه شملت كذلك العريس وليد الذي هُدم منزله وتعهد له الغزّيون بإقامة فرحه في وقته المُحدّد، كما تعهّدوا بتغطية كل التكاليف اللازمة لذلك في حملة تضامن واسعة شارك فيها الكثير.

"من هنا تكون غزة تجارة خاسرة للسماسرة ومن هنا تكون كنزا معنوياً وأخلاقيا لا يقدر لكل العرب"

المقتبسات: صمت لأجل غزة | محمود درويش