"الجنبية اليمنية": موروث ثقافي بات يُصنع من مخلفات الحرب

"الجنبية اليمنية": موروث ثقافي بات يُصنع من مخلفات الحرب
( أ ب)

يحاول الناس في مناطق الحروب، المحافظة على ممارسات حياتهم التي سبقت الحرب، من أجل الاستمرار في الحياة رغم المآسي التي تُحيط بهم. وقد تتمثل هذه الممارسات بالعادات والتقاليد، على الأقل هذا ما يفعله الحداد اليمني، علي الغمري. 

يصنع الغمري، الزينة الأكثر استخداما من قبل الرجال اليمنيين، وهي الخناجر المُزخرفة، التي يُطلق عليها اسم "الجنبية"، ليتابهوا بها ويعرضون من خلالها شجاعتهم، إلا أن الغمري لا يحصل على المعادن التي يستخدمها في صناعته بطريقة عادية، بل من السماء. 

ومنذ أن شن التحالف العربي بقيادة السعودية، حربه على اليمن، تعامل طيرانه بطريق القصف العشوائي للمدنيين والمسلحين الحوثيين على حد سواء، حيث تُمطر الطائرات صواريخها التي صُنعت غالبيتها في الولايات المتحدة، دون رقيب أو حسيب، لتقتل وتشوه الآلاف. لكن الغمري استطاع استغلال مخلفات تلك الصواريخ التي لم تُصبه صدفة، كمواد خام لما يصنعه.  

وتسبب الحصار الذي يفرضه التحالف على اليمن، بنقص شتى أنواع الموارد، ومنها المعادن، وبات الأطفال والمزارعون وسواهم، يجمعون الشظايا الساقطة في مزارعهم ومن الأزقة القذرة في الأحياء الفقيرة لبيعها الى الغمري وغيره من الحرفيين.

وكانت تُصنع الخناجر عادة من الفولاذ المستورد، لكن أسعاره المرتفعة دفعت الحرفيين الى استعمال ما تلفظه الحرب. يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من شظايا الفولاذ نحو 500 ريال يمني (أقل من دولار واحد) وهو نصف سعر الفولاذ التركي المستورد.

وتعلم الغمري، وهو رجل في الخمسينات من العمر، الحرفة من والده الذي ورث مهاراتها عن أسلافه. وتعمل عائلة الغمري المكونة من سبع أسر في الحدادة في مدينة عبس الواقعة شمالي اليمن. تقطن العائلة الكبيرة في أكواخ مبنية من البلوك أو من فروع الشجر، ويصهرون المعدن المتوهج على نار مكشوفة.

قال الغمري إن صناعة الخناجر كانت تشكل تجارة رابحة ذات يوم، غير أنه أعرب عن حزنه كون السوق ضعفت بعد أن دمرت الحرب اقتصاد البلاد وثمة قليل من الرجال من يملك رفاهية دفع ثمن الجنبية. 

وعندما يحصل الغمري على المال أحيانا، يقوم بشراء بقايا ومخلفات الشاحنات والسيارات المحطمة نتيجة التفجيرات أو الغارات الجوية. وقال إن "الشاحنات تصنع أفضل الخناجر كون الصلب فيها قوي ومميز".

وتُسن الخناجر بشكل مقوس، وهي جزء من اللباس اليمني التقليدي، وتوضع في أغماد مزينة مقوسة بدورها، ويضعها الرجل اليمني رأسيا وسط حزام مزين أيضا اذا كان يرتدي الزي التقليدي (الجلباب)، أو توضع في أعلى المعوز، وهي تنورة للرجال. ويصنع النصل من الصلب، وكلما كان الصلب اقوى كلما ارتفع ثمن الخنجر. وكثيرا ما يشير شكل مقبض الخنجر الى المدينة أو المنطقة أو قبيلة الشخص حامل الخنجر، كما يعتمد السعر أيضا على ما إذا كان المقبض مصنوعا من الخشب، أو قرون الثيران، أو قرون وحيد القرن.

وكلما زاد سعر الخنجر كلما دل على ارتفاع شأن حامله، ويتراوح سعر الخناجر الجديدة ما بين 100 و150 دولارا، أما الخناجر القديمة الموروثة من آباء وأجداد فربما تصل قيمتها الى مئات الآلاف من الدولارات.

 

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019