رغم مرور 55 عامًا على اختفاء بن بركة.. من قتله وأين الجثة؟

رغم مرور 55 عامًا على اختفاء بن بركة.. من قتله وأين الجثة؟
المهدي بن بركة

يعتبرُ مُحامي عائلة المهدي بن بركة، الفرنسيّ موريس بوتان، قضيّة "اختفاء المهدي بن بركة" هي بمثابة "قضيّة العُمر" التي يحاول كشف لغز اختفاء واغتيال المُناضل بن بركة في حركة التحرّر المغربيّة والعربيّة والأفريقيّة.

ولا يتوانى بوتان عن اقتناصِ أي فرصة ليطرح الأسئلة العالقة منذ خطفه في باريس قبل 55 عاما. وقال إنها "معركة من أجل العدالة والحقيقة"، مؤكدًا أن همّهُ الحصول على أجوبة للعديد من الأسئلة مثل "من قتله؟ وماذا حصل لجثمانه؟".

موريس بوتان البالغ من العمر 91 عامًا، وهو المدافع عن عائلة بن بركة منذ 55 عامًا، بأدق تفاصيل هذا الملف. سبق له قبل ذلك أن دافع عن وطنيين مغاربة ضد سلطات الاستعمار الفرنسي (1912-1956)، وهو الذي ولد ونشأ في المغرب حيث بدأ مشواره في المحاماة.

المحامي موريس بوتان

وعاش بن بركة منفيّا في فرنسا، محكومًا بالإعدام، وكان يبلغ من العمر 45 عامًا عندما شوهد للمرة الأخيرة في شارع سان جرمان في باريس حيث خطف بعدما استدرج إلى هناك على أساس موعد عمل لإعداد فيلم سينمائي حول حركات التحرر الوطني.

وبرز بن بركة كونه أحد المحركين الرئيسيين لمشروع مؤتمر القارات الثلاث الذي سعى لتوحيد دول يسارية وحركات تحرر وطنية في مواجهة الاستعمار و"الاستعمار الجديد".

وأظهرت المحاكمة المطولة في باريس (بين 1966 و1967) أن المخابرات المغربية هي التي خططت للإيقاع به، بالتنسيق مع شرطيين ورجال عصابات فرنسيين. ويُذكر أن معظم المتهمين في المحاكمة، أفلتوا من قبضة العدالة.

وبادرت عائلة بن بركة إلى التقدم بشكوى جديدة في فرنسا سنة 1975، وفتح القضاء الفرنسي، على إثرها تحقيق ثانٍ ما يزال متواصلًا إلى اليوم.

وتعاقب تسع قضاة فرنسيين حتى الآن على الملف دون أن يتمكنوا من فك لغز القضية. وما تزال العائلة تطالب بكشف دور فرنسا والمغرب وحتى إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في عملية خطف بن بركة.

على مدى سنوات، بحث بوتان "في رفوف كل المكتبات وأرشيفات هذا وذاك" بحثا عن أي مؤشر يمكن أن ينير الطريق نحو الحقيقة، وما يزال مصرا على المثابرة "ولو أننا ما زلنا لا نعرف شيئا حول ما وقع بعد 55 عاما من التحقيقات".

وزار المُحاميّ، نهاية شباط/ فبراير الماضي، الرباط للمشاركة في ندوة حول القضية نظمها ائتلاف مغربي بمناسبة مرور مئة عام على ولادة المهدي بن بركة، ولتوقيع كتابه "بن بركة والحسن الثاني وديغول- ما أعرفهُ عنهم" الصادر بالفرنسية والعربية.

وظهرت روايات عدة حول جثمان المهدي بن بركة بين قائل إنه دفن تحت الخرسانة إلى جانب طريق، أو دفن في موقع بني فوقه مسجد في إحدى ضواحي باريس أو في غابة قريبة من العاصمة الفرنسية.

وتبنى الصحافي الفرنسي جوزيف تيوال الذي حقق في الموضوع لمدة 30 عامًا، رواية تقول إن رأسه نقل إلى المغرب ليعرض على الملك الحسن الثاني ثم دفن في معتقل سري بالرباط.

لافتة كُتب عليها "هنا خُطف بن بركة"

أما الصحافي الإسرائيلي رونين برغمان، وهو مؤلف كتاب حول العمليات السرية للموساد، فيؤكد من جهته أن المخابرات الإسرائيلية ساعدت القتلة في التخلص من الجثمان بطلب من المغاربة ليدفن في غابة قرب باريس.

وبوتان مقتنع بأن "الملك الحسن الثاني هو الذي قرر خطف بن بركة"، ما يجعله "مسؤولًا عن مقتله ولو أن الوفاة جاءت نتيجة خطأ ارتكبه الخاطفون على ما يبدو". ويبقى التحقيق في القضية معلقا في تقديره "لأن شخص الملك لا يناقش ويستحيل أن يكون عرضة لأي نقد".

ويعتقد بوتان أن "الرباط وحدها تعرف الحقيقة، لكن الذين يعرفونها يرفضون الكلام". ويأسف لكون "كل الذين كانوا متورطين في القضية توفوا تقريبا".

ولم يبق على قيد الحياة، بحسب قوله، سوى العميل المزدوج للمخابرات الفرنسية والمغربية أنطوان لوبيز "الذي فقد صوابه" و"مغربيان يعيشان بالرباط".

وكان يشير إلى ميلود التونزي الذي يشتبه في كونه عميلا سابقا للمخابرات المغربية ومنسقا لعملية الخطف، والذي كان يعمل تحت اسم العربي الشتوكي، والجنرال حسني بن سليمان، القائد السابق للدرك الملكي والذي كان يعمل في ديوان وزير الداخلية المغربي محمد أوفقير يوم وقوع العملية.

وأصدر القضاء الفرنسي مذكرتي توقيف في حقهما سنة 2007، لكن لم يتم استدعاؤهما أو توقيفهما في المغرب. كذلك بالنسبة إلى ثلاثة مسؤولين آخرين توفوا منذ ذلك الوقت.

وفي الجانب الفرنسي، "لا يتضمن أي ملف من الملفات بما فيها المصنفة سرية أجوبة عن ظروف الخطف والاغتيال"، بحسب بوتان، "الوثائق غير المصنفة سرية، يمكن أن تظهر درجة التواطؤات في فرنسا".

وأكد المُحامي بوتان إصراره على مواصلة البحث في هذه القضية "ما دمتُ متمتعًا بالصحة وعلى قيد الحياة". وتوقف بوتان عن الترافع في المحاكم منذ تقاعده قبل 15 عامًا، لكنه ما يزال ملتزمًا بهذه القضية وفاءً لعائلة بن بركة ومن أجل العدالة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"