هل تصبح كورونا أداة لتثبيت حكم اليمين في العالم؟

هل تصبح كورونا أداة لتثبيت حكم اليمين في العالم؟
جنود في مدينة بلغراد، صربيا (أ ب)

تحذر تحليلات عديدة من مدى القوّة السياسيّة التي من الممكن أن يكتسبها قادة اليمين في الدول الديمقراطيّة، المعروفون بعدائهم لقيم الديمقراطيّة؛ الحريّات، فصل السُلطات، حقوق الأقليّات والتأمينات الاجتماعيّة، في سياق أزمةِ انتشار جائحة كورونا عالميًا.

تمكّن فيروس كورونا إلى الآن ومنذُ ثلاثة أشهر على ظهورهِ، بإحداث إرباك شديد للخدمات الطبية، وأوقف الرحلات الجوية، وتوقف النموّ الاقتصادي، ولكن أحد آثاره الممكنة، والأكثر ديمومة وعمقًا، الدخول في عصر سياسي جديد؛ تثبيت حكم اليمين والقضاء على الديمقراطيّة ببطء، وتصبح حالة المراقبة نمط حياة حتى في بعض الديمقراطيات.

وذكرت صحيفة "ذي غارديان" في تقرير بهذا الشأن نشرته أمس الثلاثاء، أنه أجريت بعض التعديلات القانونيّة في المجر (هنغاريا)، يوم الإثنين الماضي، التي تُجرّم قانونيًا نشر معلومات مضللة حول الفيروسات والجائحة، وتمكّن رئيس الوزراء المجري، اليميني فيكتور أوربان، من تمرير تعديل قانوني بأن يحكم بمرسومٍ لفترة غير محدّدة.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ ب)

ويقوم الجنود بدوريات في الشوارع في صربيا المجاورة، كجزء من خطة الاستجابة للفيروس. وبحسب ما ورد في موسكو، تفكّر السلطات في اتخاذ تدابير قانونيّة يترتب عليها، أن كل من يريد الخروج من بيتهِ أن يقدم الأسباب عبر الإنترنت، ثم يتم تعقبه عبر الهواتف الذكية.

وأدخلت معظم الدول في جميع أنحاء العالم شكلًا من الإجراءات الاستثنائية للحدّ من انتشار الفيروس، والعديد من الحكومات اليمينيّة في الدولِ الديمقراطية لم تواجه إلا القليل من المعارضة بشأن التغييرات التي كانت ستقابل في "أشهر عادية وبدون وباء" بمعارضة شديدة، ومن الممكن أن تمتدّ إلى سنوات النقاشات البرلمانية حول التعديلات. ويعلو السؤال؛ ماذا يحدث عندما ينتهي الوباء؟

وقال مركز الأبحاث في بودابست "ثينك تانك بوليتكال كابيتال" عن الإجراءات المجرية، إنهُ "من السهل جدًا تقديم المواقف القانونية الاستثنائيّة، ولكن من الصعب جدًا العودة إلى العمل كالمعتاد بعد ذلك".

وأصرت الحكومة المجرية على أن إجراءاتها تتعلق فقط بمحاربة الفيروس والحدّ من انتشاره، ورفض المتحدث باسم رئيس الوزراء أوربان، زولتان كوفاكس، الانتقاد وذكر أنها بمثابة "أخبار مزيفة"، علمًا أن المجر اتُهمت في العقد الذي تلا تولي حكومة أوربان، التراجع عن الحريات والقيم الديمقراطية.

ومع ذلك، قالت المعارضة البارزة في البلاد إنها وافقت على كل شيء، بـ"روح الوحدة الوطنية"، لكنها سعت فقط إلى وضع بند لتحديد الوقت المناسب لإنهاء التدابير، ولم يُقدم هذا البند.

وأشار الباحث والأستاذ في العلوم السياسية إيفان كراستيف البلغاري، إلى أن التعديلات على القانون المجري هي "نوع من المشاريع الاستبدادية"، وكتب على نطاق واسع حول التحولات السياسية الأوروبية.

إيفان كراستيف

وبهذا الصدد، سعى رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو, إلى استخدام الوضع الراهن لتخليص نفسه من المحاكمة، على الرغم من فشلهِ ثلاث مرات في تشكيل حكومة في العام الماضي والعام الجاري.

ويجري الآن محادثات مع منافسهِ، بيني غانتس، للاتفاق على صفقة ليظل رئيسًا للحكومة على الأقل في العامين المقبلين. بالإضافة إلى ذلك، تأجلت محاكمة نتنياهو بتهمة الرشوة والاحتيال لمدة شهرين بسبب حالة الطوارئ.

وفي الوقت الذي قد يكون فيه الخروج إلى الخارج أمرًا خطيرًا، والاحتجاجات الجماهيرية ضد التحركات الحكومية ليست ممكنة حاليًا، ومن غير المرجح أن يكون انتقاد دولي قويّ، نظرًا لأن القادة الآخرين يعملون على مكافحة الأزمات في بلدانهم.

ويشعر المواطنون بمزيد من الاستعداد لمنح الحكومات الثقة في الظروف الحالية، وعدم الشكّ بالخطوات الأخيرة لهذهِ الحكومات، مفضلين تثبيت الوضع الراهن.

وقارن كراستيف الأزمة الحالية بالأزمة المالية لعام 2008 وأزمة الهجرة لعام 2015، وقال إنه في حال ردود الفعل في أوروبا كانت مدفوعة بالقلق سابقًا، فإن الشعور السائد هذه المرة هو الخوف.

صربيا (أ ب)

وأضاف أن "هذا يجعل الناس على استعداد لتحمل كل شيء، لأنه عندما يكون الخطر في كل مكان، تعتقد أن الحكومة فقط هي التي يمكنها مساعدتك". ويُعتبر الوضع المرعب الذي يمكن لأي شخص، في أي مكان، أن يشكل فيه تهديدًا محتملا هو قوة التعبئة المثالية للمتسلطين في اليمين السياسي.

وقارن كثيرون الوضع الحالي بحالة الحرب، وتطبيق المصطلحات العسكرية على الحياة المدنية، مما يعني أن نوع القيود قابل للتطبيق في زمن الحرب.

وكما في زمن الحرب، يمكن أن تمتد حالة الطوارئ حتى نهاية الأعمال العدائية. قال المتحدث باسم أوربان كوفاكس، في وقت سابق من هذا الأسبوع، دفاعًا عن الإجراءات المجرية، "إننا لا نواجه اليوم قوة عسكرية ولكننا في حالة شبيهة بالحرب للدفاع عن شعبنا ضد جائحة لم نر مثله منذ قرن".

وقال المفكر الإيطالي، جورجيو أغامبين، إن إجراءات الطوارئ التي تعتمدها الحكومات في سياق مكافحة تفشي الفيروس "غير عقلانية وغير مبررة"، مستندًا إلى بيان المجلس القومي الإيطالي للبحوث، الذي اعتبر أن أعراض الجائحة تكون خفيفة أو معتدلة لأغلب الحالات.

وتساءل أغامبين متعجبًا "لماذا تخلق السلطات الحكومية ووسائل الإعلام مناخًا من الذعر، يتسبب في حالة استثناء حقيقية تتضمن تقييد الحركة وتعليق الحياة اليومية والعمل في مناطق بأكملها؟"، معتبرًا أن تلك الحالة تؤدي لفرض "عسكرة حقيقية" ووصفها بـ"الغامضة وغير المحددة".

ولفت كراستيف إلى أن إمكانيّة التغيير متوفرّة بعد انتهاء الأزمة، قائلًا إنه "إذا شعر الناس في النهاية أنهم تم التلاعب بهم ، فربما سنشهد مقاومة لكل هذه الإجراءات. ولكن في هذه المرحلة أرى قبولاً أكثر بكثير من المقاومة".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"