بــيــــن السجــــّان والخــــزّان! / رازي نجّار

بــيــــن السجــــّان والخــــزّان! / رازي نجّار

...تنوي مصلحة السجون تفعيل برنامج توعية للسجناء حول أزمة المياه الحادة التي تعانيها دولة إسرائيل الفتيّة، وبضمنها مصلحة السجون. ولم ينته الخبر - لتتبعه بعد ذلك الردود المؤيدة والمحرضة- قبل أن يشدّد على أن إدارة مصلحة السجون تقدّر أن السجناء الجنائيين سيبدون تفهمًا أكبر لخطورة الموضوع، كون السجناء السياسيين (الفلسطينيين بغالبيتهم) لا يدركون ولا يتفهمون أهمية المياه كمرفق حيوي هام!






 


ساعد الله شعبه المختار علينا؛ فلو وضعوني في مكان إيهود أولمرت ليوم واحد، كنت سأرخي جانبًا أمور الرشاوى والصفقات وأتفرّغ لحسم الصراع بضربة معلّم لم ولن يجرؤ عليها أحد. سأطرح على طاولة الحكومة اقتراحًا عاجلاً بطرد العرب الفلسطينيين من الجليل والمثلث والساحل والضفة والنقب والقطاع ومن كل شبر من أرضنا. ومع أنّ كل آرائي، كعربي باق في حيفا (لأنّه لا يملك ثمن تذكرة السفر) مرفوضة عليهم حتى قبل أن تتفاعل كهربائيًا في مُخّي، أعتقد أنّ صديقي العزيز ليبرمان سيفرح وسيعلنها عالية مدوية «دا دا دا». لن أسأل بيرتس، بطبيعة الحال، وسأكتفي برفع معاشه إلى ألف دولار كـ»حد أدنى»، أما عزيزي رالب، فسيمتنع، كعادته، عن التصويت معتقدًا أنّ «الأقصى في قطر».


 


أعرف، لن يضعوني في مكان أولمرت ولو لعشر ثوان، كما أنّه من رابع المستحيلات أن يطردوا العرب من هنا. البنوك لن تقبل، فمن يسدّ "مينوسات" وديون العرب المتراكمة في فروع الناصرة وغيرها؟! ثم إلى أين نذهب، إلى دول أصدقاء أولمرت "المعتدلين"؟ هم سيرفضوننا، فهم مكتفون بمن عندهم. إلى البحر؟ مستحيل، فسنُحدث بغرقنا كارثة بيئية تخرّب شواطئ تل أفيف الملوّثة أصلاً. حتى عالم الشبكة المعلوماتية سيخسر، بذهابنا، علمًا من أعلامه؛ فهل تتخيّلون عالمًا من دون مواقعنا المحلية الملوّنة الملوّثة بداء ستار أكاديمي؟ لكن ما علينا، ولنبقَ في ما نحن عليه. إذًا، اتفقنا على أننا باقون رغم كل شيء، لكن تعوا معي نتوقّف عند عيّنة للتهديد الكياني الذي نشكّله على من اختارونا من بين كل شعوب العالم كي يتقاسمونا أرضنا (!!) وينعموا علينا بدولة الحريّات - و(قـ)احة الديمقراطية. ليس فقط أننا لم نعد نفي بمطلب "حطابون وسقاة ماء"، بل أننا، أو جزء عزيز منا، "يسقي" نفسه من مياه الدولة أكثر ممّا ينبغي؛ كيف وأين ومتى؟!


 


قلق في "الـشاباس"!


القصة وما فيها أنه جاء في خبر ورد من مصلحة السجون الإسرائيلية أنّ هناك قلقًا شديدًا يستحوذ على نفوس القائمين على هذه المؤسّسة جراء اكتشافهم الجديد بأن "كمية استهلاك المياه عند السجناء السياسيين تفوق بضعفين كمية ما يستهلكه السجين الجنائي، وبأربعة أضعاف، الكمية التي يستهلكها المواطن الإسرائيلي العادي"، وبالأرقام، يستهلك كل سجين سياسي 1000 لتر في اليوم الواحد". بناء على هذا قرر المسؤولون "قطع" المياه عن "غرف" (وخيَم) السجناء السياسيين، ونقلهم إلى حمامات جمعيّة مشتركة تحدّد فيها كمية المياه المخصّصة لكل سجين!


 


هذا الخبر الغرائبي الذي نُصّ بجديّة كاملة في موقع "واينت" تحدّث عن شكوك راودت كبار السجّانين بأن هذا الصرف الزائد جاء مقصودًا، هدف من خلاله السجناء السياسيون "المس بمرافق المياه الإسرائيلية"، لا أقل ولا أكثر. بل وفي أعقاب ذلك تنوي مصلحة السجون تفعيل برنامج توعية للسجناء حول أزمة المياه الحادة التي تعانيها دولة إسرائيل الفتيّة، وبضمنها مصلحة السجون. ولم ينته الخبر - لتتبعه بعد ذلك الردود المؤيدة والمحرضة- قبل أن يشدّد على أن إدارة مصلحة السجون تقدّر أن السجناء الجنائيين سيبدون تفهمًا أكبر لخطورة الموضوع، كون السجناء السياسيين (الفلسطينيين بغالبيتهم) لا يدركون ولا يتفهمون أهمية المياه كمرفق حيوي هام!


 


وبما أنها سيرة وانفتحت، دعونا نتوقف عند أزمة المياه، ليس قبل أن أتذكّر ما يلي: في أحد مشاهد أفلام عادل إمام -أعتقد إنه "حب في الزنزانة"- يُخرج أحد المساجين رغيفين من الخبز من عُبّه، ويعطيهما لزوجته التي جاءت لزيارته قائلاً: "دول علشان العيال"، ثم يشرح هذا السجين لبطلنا "نعمة" السجن، معلّلاً بأنّ حال السجين الغلبان هذه أفضل من حالة المواطن الحر؛ فعلى الأقل الخبز، إن لم نقل "العِيش"، بين جدران السجن، متوفّر ومضمون أكثر منه في الخارج...


 


ومع مراعاة الفوارق، بين سينما الواقع والواقع، وبين الزمان والمكان، يبقى الجوهر شبيهًا، مع اختلاف بسيط في التفاصيل: ماء بدلاً من الخبز. فماذا تعلم أيّها السجّان عن "إدراك الفلسطيني لأهمية المياه"؟ من يعرف قيمة الشيء غير فاقده، أو مالكه الأصلي في حالتنا؟..


إليك بعض المعطيات والأرقام: يعيش أكثر من 215 ألف فلسطيني في 220 بلدة غير مرتبطة بشبكة المياه؛ معدل استهلاك الماء للفلسطيني الواحد، 60 لترًا؛ المعدل في إسرائيل: 280 لترًا، أي أكثر بأربعة أضعاف ونصف الضعف؛ تنصح مؤسسة الصحة العالمية باستهلاك 100 كوب ماء للفرد الواحد في اليوم كأدنى كمية للاحتياجات الأساسية؛ سعر المياه التي يتم نقلها بواسطة الصهاريج يتراوح ما بين 15- 30 شيكلاً للكوب؛ حوالي 46% من سكان الضفة الغربية يعيشون تحت خط الفقر؛ المصاريف على الماء تصل في أحيان كثيرة إلى 10% من إجمالي المصاريف العائلية؛ إسرائيل تستغل حوالي 80% من موارد المياه الجوفية بينما يستغل الفلسطينيون الـ 20% الباقية؛ ترفض إسرائيل أن تتيح للفلسطينيين الوصول إلى مصادر المياه البديلة، مثل حوض نهر الأردن؛ تقوم "مكوروت" بتقليص كمية المياه التي تبيعها للفلسطينيين في أشهر الصيف بـ 15 حتى 25 بالمائة من أجل استيفاء الزيادة في استهلاك المياه في إسرائيل وفي المستوطنات.


 


 


الحل بسيط...


أعلم تمام المعرفة أنّ المعطيات التي جاءت في خبر "قلق مصلحة السجون" ليس دقيقًا من حيث المعطيات الواردة فيه، كما أنّ مصلحة السجون ليست بالضرورة قلقة على أزمة المياه في الدولة، وليست هذه التقليعة الجديدة إلا ضربًا من ضروب التنكيل والتعذيب وانتهاك الحريات المسلوبة أصلاً. المشكلة ليست مشكلة مياه أو اقتصاد فحسب، بل هي مشكلة أعمق بكثير. أزيلوا المشكلة أولاً، فحتى مشكلة المياه ستنحل "بشربة مي" وعندها نتكلّم عن "العيش المشترك". فهل قلنا احتلالاً؟


 


لا أعلم، بصراحة، لماذا أكتب هذا الكلام هنا، فصناع القرار لا يقرؤون هذه الزاوية، ولو قرؤوها أخشى أنّهم سيستجيبون بسرور إلى طلبي في الفقرة الأولى أعلاه!


 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018